أفقت هذا النهار على صوت زجاج، يحتك بعضه ببعض. كانت الزوجة منهمكة بتفريغ " النملية" (البار، بلغة العصر)، مما تعج به من كؤوس واقداح وصوانِ وفناجين، من شتى الاحجام والاشكال والالوان. تمسحها قطعة قطعة، بخرقة من قماش، لإزالة ما تحمله من غبار الشوارع، التي طال بها انتظار الزفت. ثم تشطفها قطعة قطعة أيضا، بخليط من الماء والكلور والآما، ثم تنشرها على رخام المطبخ حتى تجف، ثم تعيدها إلى النملية، معززة مكرمة.
حانت منها التفاتة إليّ، فضبطتني متلبساَ بضحكة خفيفة، فيما كانت هي تلوم نفسها على فنجان "ورق دوالي"، تهشم أثناء عودته إلى قاعدته، بعكس طائرات الناتو، التي تقصف العرب وتعود إلى قواعدها سالمة!.
- ما الذي يضحكك؟ سألت.
أجبت بسؤال: هل تذكرين أننا استعملنا قطعة واحدة من كل هذه القطع المكدسة؟ هي مثل ترسانات الأسلحة العربية. وأنت تقومين بنفس العملية في كل عام؛ تخرجينها من الواجهة الزجاجية، تمسحينها وتشطفينها وتعيدينها إلى مرابضها، فقط لكي يراها من يأتي لزيارتنا. فقط للفرجة! أليس في ذلك ما يضحك؟
لم تستمر الضحكة طويلاَ. فكل ما في صحف الصباح يثير الأعصاب، وملامحي لا تجيد التستر، ولا التنكر، حتى في عيد المساخر. أنا شفاف كشفافية الأنظمة العربية!
لاحظت تجهمي فسألت: مالك؟
قلت: مات.
- أوباما؟ سألت.
- لا بل البابا شنودة. قلت.
- وهل هو من "مقاطيع أهلك؟ " وبّختني.
ألقيت الجريدة جانبا بعنف، صابًّا مخزون ذاكرتي من "التشاقيع": "...... أختهم ".
- تسب المصريين وتدعي محبتهم؟ تساءلت باستنكار. وهل هم قتلوه؟ أضافت.
- أبدا. بل أسب الصحافيين!
- وهل هم الذين قتلوه؟ سألت.
- أيضا لا. لكن تعالي انظري إلى هذه الصورة في الجريدة. ماذا ترين؟
- صورة شاب ملقى على بطنه، وكلب شرس يعض كفة يده. ويغرز فيها أنيابه الفولاذية، وينهشها بشهية! كشهيتهم للأرض العربية.
فماذا تقول الصحافة الديمقراطية الإسرائيلية الحرة؟
تقول: " الجنود يهوّشون الكلاب على المتظاهرين" (يديعوت أحرونوت – 18/3/2012). وبما أن الصحافي "أمين ونزيه وموضوعي" ولا "يحط على ذمته"، فقد أورد هذا الكلام بين علامتي اقتباس، لكي يضيف عنوانا فرعيا يفسر الاقتباس، فيقول: "هذا ما يزعمه شهود عيان من المتظاهرين الفلسظينيين"!!
معنى ذلك أن الفلسطينيين الملاعين، قد يكونون غافَلوا "جند الرب"، وأحضروا شابا فلسطينيا، بطحوه أرضا، ثم أتوا بكلب من بلاستيك، فتحوا فمه، ثم أطبقوه على رسغ الفلسطيني، لكي يبدو الأمر جريمة احتلالية!
وهم – الفلسطينيون – متعودون على مثل هذه التمثيليات! ألم "يزعموا" أن الطفل محمد الدرة، قد قضى بنيران الإسرائيليين، ثم "ثبتَ" لاحقا أن......
ماذا أقول؟ إن والده هو الذي أطلق عليه النار لكي يتهم "جند الرب"!!
أنا لا أستغرب على مثل هذا الإعلام، أن يؤكد أن البابا شنودة لم يمت ميتة طبيعية، بل قتله المسلمون المصريون! والجو في المنطقة جاهز للتصديق! فإذا حرب شعواء تدور رحاها أهل السنة وأهل الشيعة، يغذيها بعض "العلماء"، لا الجهلة، فما الغرابة في أن يقتل مسلم مسيحيا؟!
أحد هؤلاء "العلماء"، تذكر أن القدس تحت الاحتلال! فبادر إلى دبلجة فتوى تحرم على المسلمين زيارتها! لا تقلقوا، فثمة مخارج. بإمكان "المعلمين" أولياء النعمة في قطر، التدفق على تل أبيب، أما أولى القبلتين؟! هكذا تبقى الفتوى سارية المفعول، "ويا قدس ما دخلك شر".
وهذا الشيخ ذاته، ولشغفه بالوحدة العربية، فقد دعا العرب جميعا إلى الاتحاد، لمواجهة عدوين لا ثالث لهما!
- أمريكا وإسرائيل؟ فزّت زوجتي.
- بل حزب الله وايران. أجبت.
تابعت عملها وتابعت تحليلي!
لن يعوز القائلين بنظرية الاغتيال، توفير أسبابه ودوافعه. فالبابا الراحل، كان في الناصرية والوطنية، أكثر مما في بعض رجال الدين، من ذوي الفتاوى المفصلة على مقاسات الأمراء، من دناءة وعمالة وعشق للدولار.
كان البابا شنودة ذا صليب وموقف، عندما عزت مواقف الرجال، وعندما كان الناس، أو معظم الناس، على دين ملوكهم. جعل من زيارة القدس تحت الاحتلال، لا حجا غير مبارك فحسب، بل مخالفة وكفرا. وشتان ما بين الفتويين!
وحتى عندما بلغ الرئيس "المؤمن" ذروة خيانته، فيعلن من منصة الكنيست عام 1977 استسلامه "نو مور وور"، كان البابا قد رفض مرافقته إلى المنحدر الزلق. فما كان من الرئيس "المؤمن"، إلا أن عزله من عمله! ومن ثم نفاه إلى دير ناءٍ في صحراء سيناء المصرية.
لكن العمر لم يطل بالرئيس "المؤمن". مات ميتته المعروفة. وفقط بعد حوالي ثلث قرن، رحل البابا رحيلا طبيعيا عزيزا. فهل نقول إن كل إنسان يموت الميتة التي يستحق؟
تابعت الزوجة عملية الأواني الزجاجية السنوية، ببعض البلبلة، وهي تتابع ما أقول. ثم أحصينا خسائر العملية الموسمية: قدحان وأربع كؤوس وصينية كريستال و... رجل دين وطني متميز يستحق الترحم والتكريم. مع قرار بتعويض "النملية" ما نقصها، فمن يعوّض المجتمعات عمّن يرحل عنها من الرجال الوطنيين المخلصين؟
