سمعت "أبو هشام"، الأديب الأصيل محمّد نفّاع، مرّة وهو يذكر اسم "أبو إبراهيم"، السياسي العميق العريق توفيق كناعنة، مسبوقًا بلقب "الحاجّ". وأنا لسذاجتي صدّقت، وقلت في سرّي لا مانع من أن يحجّ الشيوعيون حتى لو كان الحديث عن الرفيق توفيق نفسه.. ولمَ لا؟! لكن لم يخطر ببالي أنّ "أبو هشام" كان يمزح. فكتبتها، كما سمعتها، في مقال بعنوان "الجمع والقسمة" قبل أسبوعين. فاتّصل بي أبو إبراهيم يحتجّ على أنني حجّجته ورجله في الحقيقة لم تطأ أرض الحجاز. وظنّ أنني"دوونجي" وأتخابث. هكذا قال لي. في الحقيقة، كادت مزحة "أبو هشام" تتسبّب في أزمة دبلوماسية خطيرة بيني وبين "أبو إبراهيم". حاولت أن أدافع عن نفسي فأخبرته أنّ مصدر هذه المعلومة هو صديقه "أبو هشام" ظانًّا أنه سيعتقني لعيني صديقه. فقال لي: أنت وأبو هشام "دوونجيّة" الإثنان. وتوعّدني بالمزيد وقال لي: "خمّل جلدك" فأنا قادم لزيارتك... على كلّ حال، أنت تمون يا عمّي توفيق! وأبو هشام ليس "دوونجيًا"، قلبه كبير وطيّب فادعُ معي لهذا القلب بالسلامة والعافية!
ولمّا سألته ولماذا لا يحجّ ما دامت السيرة قد انفتحت؟! فقال: وهل أنا مجنون حتى أعطي مالي لترامب؟! ثمّ أسمعني هذه النكتة: بدأ الناس يتسجّلون للحجّ وصاروا يسألون عن رقم حساب ترامب ليحوّلوا إليه كلّ تكاليف الحجّة مباشرة، ما دامت هذه التكاليف ستذهب إلى هناك في نهاية المطاف.أليس هذا أسهل بكثير من الركض وراء المنظّمين والمرافقين والوكلاء؟! ما أمرّها من نكتة هذه الحقيقة يا عمّي توفيق!
وهل هذه التي سمعتها من "أبو إبراهيم" نكتة،مجرّد نكتة من باب التندّر؟! ليتها كانت كذلك. ولو كانت نكتة خفيفة لضحكنا ببراءة. لكنّ هذه النكتة تُبكي دمًا. وهي لا تُبكي دمًا إلا لأنها حقيقة. وحين تصير الحقيقة نكتة والنكتة حقيقة فهذه هي الطامّة الكبرى. ولو كانت تكلفة الحجّة هي وحدها ما يذهب إلى حساب ترامب لقلنا ذهب بعض المال وبقي بعضه وهذا نصف مصيبة. وهل تذهب عائدات النفط والغاز وتعب الناس إلى الناس؟! لا،فكثيرٌ منها يذهب مباشرة إلى جيوب راعي البقر الأمريكي. المشكلة أنّ كلّ جيب عنده أعمق من شقّة خُرج. وهل هو مجنون إلى هذا الحدّ حتى يصرف ماله على زعماء العرب وعلى حروبهم ومشاكلهم التي لا تنتهي؟! فالرجل تاجر والتجارة حلال وبركة. يأخذ منهم أموالهم ويبيعهم خوفًا وبعد الخوف سلاحًا وبعد السلاح خوفًا فسلاحًا... من ذيله واعملّه شْباك!
قرأت بعض التقارير التي تشير إلى أنّ الثروات الطبيعية في العالم العربي من الغاز والنفط ومشتقّاته وبعض المعادن الأخرى تكفي ليعيش كلّ عربي من أقصاها إلى أقصاها بكرامة وعزّة نفس إلى يوم الدين، لو كانت هذه الموارد والثروات توزّع وتستغلّ بالشكل الصحيح والعادل. المفارقة الكبرى هي أنّ بلاد العرب هي من أغنى البلاد وسكان البلاد هم من أفقر أهل الأرض! أحد هذه التقارير الأجنبية يشير إلى أنّ نصف مردودات هذه الموارد تقريبًا يُصرف على تمكين الأنظمة وتثبيتها وتزييتها وتشحيمها وحمايتها. وهي لذلك تحتاج باستمرار إلى أجهزة مخابرات حديثة، وسلاح، ورشى، وسرقات، ورسوم حماية لبعض الدول الغربية المتنفّذة. وربع هذه العائدات يذهب إلى جيوبهم الخاصّة. ولا يُصرف على الخدمات الأساسية للناس من طعام وشراب وملبس وصحّة وتعليم إلا الربع...
أما أنا فسأحجّ، إن شاء الله تعالى، وآخذ أكلي معي ونواياي الصافية وقلبي الطيّب ودعائي بالخير لأهل الخير كلهم وعلى رأسهم الرفيق توفيق!
