يلاحظ في الاستطلاعات الأخيرة، شبه استقرار في توزيع "موازين القوى"، مع تفاوت طفيف نسبيا، في عدد المقاعد بين الكتل. ولكن الأمور قد تبقى مفتوحة لكل الاحتمالات في الأيام الـ 16 الأخيرة، كرد فعل على تطورات، أو تقلص نسبة المترددين. إلا أن استطلاعات الرأي لا تتعامل مع مؤشرات ارتفاع نسبة التصويت بين العرب. والسؤال: ماذا سيكون لو رفعنا نسبة التصويت؟ وماذا ستعني كتلة كبيرة ثالثة في الكنيست؟ تعالوا نترك كل النقاشات والطروحات والتبريرات السياسية، ونتعامل مع الأرقام الجافة، لنرى كيف يمكن توجيه صفعة مدوية، ونرد الصاع صاعين لكل من أراد اقصاءنا، وأن نُحدث حالة إرباك غير مسبوقة في الكنيست.
*رفع نسبة التصويت*
تراوح معدل التصويت في الانتخابات البرلمانية بين العرب، في سنوات الألفين، بين 53% إلى 56%، وبفارق بين 10 إلى 13 نقطة عن نسبة التصويت بين اليهود، وساهم هذا طيلة الوقت في إضعاف تمثيلنا بمقعد ونصف المقعد وحتى مقعدين برلمانيين، بحساب جاف. يضاف إلى هذا تسرّب مقعدين إلى ثلاثة مقاعد، للأحزاب الصهيونية منذ الانتخابات العام 1996 وحتى اليوم.
ولكن في حسابات أخرى، كما كان في انتخابات 2013، فإن نسبة تصويت مساوية لتلك التي كانت في الشارع اليهودي، كانت ستضيف أربعة مقاعد للكتل الثلاث، وفق تجربة أجريتها، أخذت بعين الاعتبار فيها، كل اتفاقيات فائض الأصوات، وعوامل أخرى، وكانت المقاعد على حساب كتل "الليكود" و"البيت اليهودي" و"العمل" و"يوجد مستقبل".
نسبة العرب من بين إجمالي ذوي حق التصويت 15%، بمن فيهم المهاجرين والمقيمين بشكل مؤقت في الخارج، ما يعني أن نسبة العرب سترتفع بشكل طفيف عن 15% بين ذوي حق التصويت المقيمين في البلاد. ويضمن رفع نسبة التصويت لمستواها بين اليهود، على الأقل، "تمثيلا" بما يزيد عن 18 مقعدا. وبطبيعة الحال لن تكون كلها للقائمة المشتركة، إذ ستكون حصة مؤسفة للأحزاب الصهيونية. إلا أن رفع نسبة التصويت بين العرب سيؤدي بالضرورة إلى رفع نسبة التصويت العامة، ولكن طالما أن العرب هم الذين ساهموا في رفعها، فسيكون تمثيل قائمتنا المشتركة أكبر، لماذا؟ وما الذي سيحصل أيضا بناء على الاستطلاعات الأخيرة؟.
علينا أن نأخذ بعين الاعتبار أن نسب التصويت في معاقل المستوطنين واليمين التطرف، تصل إلى 85% وأكثر، ولدى الحريديم تتجاوز أحيانا كثيرة نسبة 90%، بمعنى أنه لن يكون في طاقتهم الاندفاع أكثر لرفع نسبة التصويت. ولهذا فإن رفع نسب التصويت بين العرب قد يُحفز رفعها في معاقل العلمانيين الذين يدبّون أصواتهم لما يسمى بـ "الوسط" و"اليسار الصهيوني"، ونقول هذا، كي لا نُغفل أي جانب من المشهد الافتراضي.
وهناك طبعا من سيتضرر من هذا السيناريو. فإذا نظرنا إلى نتائج الاستطلاعات، فإن قائمة "ياحد" بزعامة إيلي يشاي والارهابي باروخ مارزل، تحصل في غالبية الاستطلاعات على 4 مقاعد، وهو العدد الأدنى بعد عبور نسبة الحسم، بمعنى أن نسبة تصويت عالية سيؤدي إلى سقوط هذه القائمة، مع كمٍ هائل بعشرات آلاف الأصوات، ما سيعيد توزيع المقاعد مجددا، بشكل يُضعف اليمين الأكثر تطرفا. وثانيا، فإن رفع نسبة التصويت، قد تزيد من احتمالات اقتراب "يسرائيل بيتينو" بزعامة أفيغدور ليبرمان من نسبة الحسم، وفق الوضعية القائمة في استطلاعات الرأي حتى الآن، ما يعني أن "الشلّوط" سيكون مزدوجا.
*كتلة كبيرة ثالثة*
بعد صدور النتائج الرسمية، تتشكل عادة لجنة تنسيق بين الكتل البرلمانية، وعادة تضم ممثلي الكتل الكبرى، لوضع سلسلة من الترتيبات البرلمانية الأولية، قبل تشكيل الحكومة. ولاحقا بعد اتضاح شكل الائتلاف الحاكم، يجري التفاوض حول توزيع اللجان البرلمانية، وبما أن كتلنا تكون عادة صغيرة، فقد كانت تنتظر على الأغلب ما يتبقى لها من عضوية لجان، والاجحاف كان كبيرا، وخاصة في الدورة المنتهية.
إلا أنه إذا ما حلّت القائمة المشتركة ثالثة من بين الكتل، وبشكل خاص أكثر من 13 مقعدا، فإن هذا سيغيّر كل "أصول اللعبة" القائمة على مدار السنين، وأي محاولة وقحة من أحزاب بني صهيون، من الطرفين، إن صح التعبير، للاستثناء والإقصاء، لن تمر مر الكرام، بما في ذلك ضجة إعلامية تفضح التحايل على "الديمقراطية" المزعومة.
فالقصة وما فيها، أن الأحزاب الصهيونية الكبرى ستكون أمام ورطة بشأن توزيع رئاسة اللجان التسع الأساسية. فعادة قسم منها يكون برئاسة المعارضة. ومنها لجان فيها طابع "أمني"، مثل "الخارجية والأمن" و"الداخلية" وحتى "المراقبة". بينما لجان أخرى فيها شأن خاص للائتلاف، نظرا لكونها تتعامل مع وزارات ضخمة، مثل "التعليم". والسؤال الذي سيطرح نفسه: أي لجنة سترأسها "القائمة المشتركة"، وكل واحدة من اللجان ستكون ورطة للائتلاف والمعارضة. ولهذا لا أستبعد في حالة كهذه، أن يتفق "الطرفان" على تغيير الأنظمة، و"أصول اللعبة"، كي يتجاوزا الورطة، التي جلبها لهم رفع نسبة الحسم.
ورئاسة لجنة برلمانية أساسية، ليست بالأمر السهل والعادي، فهناك صلاحيات لرئيس اللجنة البرلمانية، ووزن للكتلة التي يمثلها، وأنا لست ممن يرفعون سقف التوقعات أكثر، كي لا نغرق في وهمِ لا حاجة له. ففي نهاية المطاف، ما سيكون على الأرض هي السياسة الرسمية العنصرية، ولكن أساليب وأدوات مواجهتها برلمانيا، ستختلف وتكون أكبر، واحتمالات لجمها ولو ببعض جوانبها تكون أكبر.
وطبعا هناك انعكاسات ايجابية أخرى لكتلة كبير وثالثة، فهي قوة ستجلس في المعارضة. وفي التصويت على قوانين وقرارات خلافية حتى داخل الائتلاف، سيكون لها وزن يُحسب له ألف حساب، فحقا أن النواب الـ 11 في الكتل الثلاث كانوا يتحركون غالبا كقالب واحد في هذه القضايا، إلا أن كل مقعد اضافي، وخاصة أكثر من 13 مقعدا، على ضوء الشرذمة البرلمانية القائمة، والتي هي على الأغلب التي ستكون في الدورة القادمة، فإن كل مقعد اضافي سيكون له وزنا مضاعفا.
صوت على صوت على صوت، بكبر مفعول الشلـّوط!
