عدالة المطالب الفلسطينية ولكن

single

على الرغم من التعديلات الجوهرية التي قدمتها فرنسا وإيطاليا وألـمانيا؛ استجابةً للضغوط الإسرائيلية الأميركية، وانعكست على صيغة الاقتراح السويدي الشجاع الـمدعوم من بريطانيا وهولندا، فقد جاء القرار الأوروبي في بروكسل، يوم الثلاثاء الـماضي، وحصيلة محتواه في جعل القدس عاصمة مستقبلية للدولتين إسرائيل وفلسطين، ولا اعتراف بضم القدس الشرقية ولا إقرار بالتغيير على حدود 67، إضافة إلى الرفض الأوروبي للاستيطان والجدار وهدم الـمنازل، جاء ليشكل هذا القرار رافعة دولية جديدة للشعب الفلسطيني على الطريق الطويل الـمعقد والصعب، في استعادة الفلسطينيين كامل حقوقهم، بشكل تدريجي متعدد الـمراحل، الأوروبيون عامل مهم في السياسة الدولية إلى جانب أميركا والعرب والـمسلـمين، فهم أصحاب مبادرة إعلان البندقية العام 1980، تلك الـمبادرة التي ترجمتها أميركا وأوروبا العام 1993 في الاعتراف بالعناوين الثلاثة:
 1ـ الشعب الفلسطيني.
 2ـ منظمة التحرير.
 3ـ الحقوق السياسية الـمشروعة للفلسطينيين.
ومنذ الاعتراف الإسرائيلي الأميركي بالشعب والـمنظمة والحقوق، لـم تتم ترجمة ذلك الاعتراف على الأرض، بشكل واضح وحازم وجلي، رغم الخطوات الثلاث التي تحققت وأعقبت الاعتراف الإسرائيلي الأميركي العام 1993 وهي:
 1ـ انسحاب إسرائيلي تدريجي من الـمدن الفلسطينية.
 2ـ عودة الرئيس الراحل عرفات ومعه أكثر من ثلاثمائة ألف فلسطيني.
3ـ قيام السلطة الوطنية وولادتها من رحم النضال والـمفاوضات والانتخابات.
 وذلك بسبب اختلال ميزان القوة بين الفلسطينيين والإسرائيليين لصالح التفوق الإسرائيلي وازدياد نفوذ اليمين الإسرائيلي الـمتطرف، وإخفاق مجموع فصائل الحركة السياسية الفلسطينية في توظيف إمكاناتهم الـمتاحة والـمتوفرة توظيفاً ملائماً يصب في هزيمة الـمشروع الاستعماري التوسعي الإسرائيلي، وعزلته سياسياً وأخلاقياً أمام أنفسهم وأمام الـمجتمع الدولي.
الفلسطينيون يملكون أهم الأسلحة، وهي عدالة قضيتهم، في مواجهة القوة والتفوق الإسرائيلي، وقد انعكست عدالة الـمطالب الفلسطينية على القرار الأوروبي بشأن القدس، ومن قبله التصويت في جنيف على تقرير غولدستون (114 دولة) وسبقه التصويت في نيويورك في الجمعية العامة على حق تقرير الـمصير (172 دولة) مما يدلل على حجم وثبات التعاطف الدولي مع حقوق الفلسطينيين وشرعية مطالبهم رغم الضغوط الأميركية الإسرائيلية التي تنحني لها الجبال قبل الرجال.
إذاً الـمشكلة هي في أن استرداد حقوق الشعب الفلسطيني لا تتمثل بالعوامل الخارجية ومدى استجابتها للـمطالب الفلسطينية أو مناكفتها للأطماع الاستعمارية الإسرائيلية، أو شكل صياغتها للقرارات والحقوق الفلسطينية، الـمشكلة ليست في التقصير العربي وليست في الانحياز الأميركي للعدوانية الإسرائيلية، فهذه عوامل جانبية مساعدة لهذا الطرف أو ذاك، ولكن الـمشكلة تكمن في أدوات وأشكال الصراع على الأرض، بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فالرهان على العوامل الخارجية الأربعة: العربي والإسلامي والأوروبي والأميركي، لتعديل موازين القوة رهان خاسر لا طائل منه، فهو مفيد ولكنه ليس العامل الحاسم في الصراع لهزيمة العدو وتحقيق النصر.
الـمشكلة تكمن في العامل الذاتي الفلسطيني، الـمشكلة تكمن في فتح وفي الجبهة الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب والقوى والشخصيات الحية بين صفوف شعبها الفلسطيني، الـمشكلة تكمن في انقلاب حماس وتفردها وتسلطها وعدم إيمانها بالتعددية الحزبية والسياسية والفكرية في الـمجتمع الفلسطيني نتيجة قناعاتها الحزبية العقائدية وشعورها بالقوة.
ولذلك على الذين سيشاركون في اجتماع الـمجلس الـمركزي، بعد غد، أن يتواضعوا وينظروا إلى أنفسهم باعتبارهم أصحاب القرار وأصحاب الـمبادرة، وهم الذين يتحملون مسؤولية الإخفاق والتراجع والتردد، ولا أحد منهم خارج دائرة تحمل الـمسؤولية والإدانة أمام النفس وأمام الـمجتمع الفلسطيني.
الـمشكلة تكمن في هؤلاء الذين لا يملكون القدرة على توظيف قدرات شعبهم الـمتمثلة بوجود 1ـ شعب حي.
 2ـ رافض للاحتلال.
3ـ حزبي ومسيس.
 4ـ لديه ارتباط إستراتيجي بمناطق 48 + اختراق الـمجتمع الإسرائيلي وكسب انحيازات من بين صفوفه لعدالة الـمطالب والحقوق الفلسطينية الـمشروعة.
والـمشكلة لا تكمن بالرفض والتطرف الإسرائيلي، فالإسرائيليون لن يتغيروا استجابة للرغبات والـمصالح الفلسطينية، بل سيرغمون على التغيير حينما تتضرر مصالحهم ويصبح الاحتلال مكلفاً عليهم وليس فائدة لهم، فقد أقروا الاعتراف والانسحاب من الـمدن في عهد اسحق رابين بعد الانتفاضة الشعبية ذات الطابع الـمدني العام 1987، وتركوا قطاع غزة في عهد شارون العام 2005 بعد الانتفاضة الـمسلحة العام 2000، وهكذا على الفلسطينيين أن يبحثوا كيفية إدارة الصراع مع عدوهم وأمامه كي يحققوا تعاطف وتأييد الـمجتمع الدولي لهم وتتم ترجمة ذلك على الأرض لا على الورق فقط..
الـمشكلة الفلسطينية الحقيقية أن لا أحد من صفوف فصائل وقوى وشخصيات فلسطين الذين يلتقون في إطار الـمجلس الـمركزي يعمل على:
أولاً : توظيف الاحتياط الإستراتيجي الـمتجسد بفلسطينيي مناطق الاحتلال الأولى العام 1948، كي يكونوا قوة سياسية انتخابية قادرة على أن تكون شريكاً قوياً في مؤسسات صنع القرار السياسي في إسرائيل (الكنيست والحكومة) خدمة لأهداف الشعب الفلسطيني وتطلعاته الـمشروعة.
ثانياً : عدم قدرة هذه القوى الفلسطينية على اختراق الـمجتمع الإسرائيلي وكسب انحيازات من بين صفوفه لصالح عدالة القضية الفلسطينية وشرعية عناوينها.
تلك: هي الـمشكلة التي تحتاج إلى حل وإلى عنوان يتبنى هذا الحل، فهل من شجاعة القول قبل شجاعة الفعل على الأقل. الاعتراف بالخطأ فضيلة، والأفضل هو الفعل الصحيح في الـمكان الصحيح في الوقت الـملائم.

h.faraneh@yahoo.com

قد يهمّكم أيضا..
featured

الدامون... أقوى من النسيان

featured

الثابت والمُتحول

featured

قمّة فشل الأنظمة العربية

featured

دولة أم شعب تحت الاحتلال

featured

الجماهير العربية والقائمة المشتركة

featured

لا تذهب بغصن الزيتون وحده

featured

سوريا الجريحة