علم البحرين وايدي الرياض وواشنطن الملطخة بالدماء.. السعودية باتت على رأس الثورة المضادّة في المنطقة
*الشعوب العربية المنتفضة، مع احتفاظها في الوقت نفسه بدعم القضية الفلسطينية، التي يبقى لها وجودها الطاغي، قد التزمت العودة إلى النضالات الاجتماعية والديموقراطية، المجمّدة منذ العام 1967. وفي هذا السياق، من شأن أيّ تدخلات أجنبيّة جديدة أن تذكّي الانقسامات، كما رأيناه في العراق أو ليبيا، وأن تحوّل النضال الديموقراطي إلى صراعٍ طائفيّ، وبدرجةٍ أولى بين السنة والشيعة*
غالبيّة اللاعبين الخارجيين يختزلون الوضع في سوريا إلى مواجهة رهيبة بين الديكتاتورية والديموقراطية.. لكن من ذا الذي يصدّق أنّ النظام السعودي يسعى إلى إقامة حكمٍ ديموقراطي في دمشق، هو الذي لم يعرف أيّ مجلسٍ منتخب؟ وهو الذي أعلنت وزارة خارجيته أنّ المظاهرات في شرق البلاد كانت "شكلاً جديداً من أشكال الإرهاب ؟ وهو الذي قمع بالقوة في أوّل شهر آذار، في أبها، مركز منطقة العسير الطلاب الذين تحركوا ضدّ رداءة التعليم في الجامعات؟
يتواجه الكثير من المعارضين مع "المجلس الوطني السوري" - وخصوصاً "هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديموقراطي"، التي ترفض الطائفيّة وعسكرة الانتفاضة، وكذلك التدخل العسكريّ الأجنبيّ - وتمزّق الانشقاقات المتلاحقة هذا المجلس، في حين ترفضه الكثير من لجان التنسيق المحلّية، ويبدو خاضعاً لهيمنة الإسلاميين، مهما عمل على إبراز بعض الشخصيات الليبرالية في الواجهة. كما يُقابل ارتهانه للدول الغربية ولبعض الأنظمة الملكيّة الخليجيّة بالاستياء.
هذا الكتاب أصبح مرجعاً كلاسيكيّاً. وضعه في العام 1965 الصحافيّ البريطاني باتريك سيل تحت عنوان "الصراع على سوريا"، وهو يروي قصّة المواجهة التي وقعت ما بعد الحرب العالمية الثانية من أجل السيطرة على هذا البلد. وكان هذا الصراع يندرج في آنٍ معاً في سياق الحرب الباردة التي تواجهت فيها الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، كما في سياق "الحرب الباردة العربية": فمصر جمال عبد الناصر كانت في حينه على اشتباك مع المملكة العربية السعودية من أجل الهيمنة الإقليميّة، حتى في الجبال اليمنيّة حيث كان القوات المصرية تدعم الجمهوريّة الفتية في وجه القبائل المسلّحة الموالية للملكيّة والمموّلة من الرياض.
من خمسينات القرن الماضي إلى حرب حزيران 1967 مع إسرائيل، ظلّت سوريا في صلب التوازنات (أو بالأحرى انعدام التوازنات الإقليمية)، إذ تلاحقت الانقلابات وتعاقبت الطغم العسكريّة على الحكم في دمشق. كما أنّها كانت أحد الأماكن المتميّزة للغليان الحادّ الذي كان جارياً في خمسينات وستينات القرن الماضي والذي استهدف الاستقلال السياسي والتنميّة الاقتصادية وإقامة نظام اجتماعي أكثر عدلاً ومساواةً. وعلى رأس هذه التحرّكات كان هناك القوميّون العرب واليسار والماركسيّون.
بعد النكسة العربية في العام 1967 في مواجهة إسرائيل، غرق الشرق الأوسط في حالةٍ من الركود امتدّت أربعة عقود. وقد رفضت كلّ الأنظمة، جمهوريّة كانت أم ملكيّة، أن تقوم بإصلاحات حقيقيّة. بل تميّزت باستبداديّتها وبحصر الثروات في أيدي طغمة صغيرة ترفّعت فوق الدولة وبفسادٍ مرضيّ. وإذا كانت الانفجارات الشعبيّة خلال هذه المرحلة قد عبّرت من حينٍ إلى آخر عن حالة الاستياء السائدة، فإنّ الأنظمة تواجهت فيما بينها حول الرهانات الجيوسياسية بشكلٍ أساسيّ، وانقسمت في مواقفها من الولايات المتحدة وإسرائيل. ممّا عرقل الرغبة في التغيير والتحوّل الاجتماعي ووضعها جانباً.
وعلى مرّ الزمن كانت أُطُر التحالفات تتغيّر. فعند وقوع حرب الخليج الأولى، في العامين 1990-1991، رأينا سوريا حافظ الأسد تتحالف مع واشنطن، بينما كانت أردن الملك حسين تدعم صدّام حسين. وعشيّة الثورات العربية في العام 2011، كان الشرخ يقسم بين المعسكر المقرّب من أميركا (مصر والسعودية بشكلٍ رئيسي) والمعسكر المعروف بالـ"مقاوم" (إيران وسوريا، وحماس في فلسطين، وحزب الله في لبنان).
تحتلّ دمشق موقعاً مميّزاً، خصوصاً بسبب تحالفها مع الجمهوريّة الإسلامية، وهو تحالف لم يزعزعه شيء على مدى أربعين عاماً، ولا حتّى الاختلاف في وجهات النظر بين الدولتين في مسألة السلام مع إسرائيل؛ إذ ترفض إيران هذه الفكرة، بينما توافق عليها سوريا ضمن بعض الشروط وخصوصاً استعادة هضبة الجولان، التي احتلّتها اسرائيل في حزيران العام 1967.
بعد اغتيال رئيس الحكومة اللبنانية السابق رفيق الحريري، في 14 شباط العام 2005، وخروج القوات السورية على وجه السرعة من لبنان، عاش النظام السوريّ مرحلة من العزلة عرف الرئيس بشّار الأسد في النهاية كيف يفكّها. وكان من شأن مرونته إزاء ضغوط إدارة جورج والكر بوش، الذي كان يحلم بإطاحته، ودعمه لحزب الله خلال الحرب التي شنّتها إسرائيل على لبنان في صيف العام 2006، ثمّ مساندته لحركة حماس في وجه الاجتياح الإسرائيلي في كانون الأوّل العام 2008 وكانون الثاني العام 2009، أن عزّزوا جميعهم صورته في المنطقة "كقطبٍ للمقاومة". إلى درجة أنّ الإخوان المسلمين السوريّين كانوا تخلّوا - وإن مؤقّتاً - عن موقفهم المعارض له.
هذه الهيبة جعلت عائلة الأسد تعتقد أنّ البلاد ستبقى في منأى عن المدّ الذي أغرق المنطقة ابتداءً من العام 2011. وعلى الصعيد العالمي، حمل هذا أيضاً بعض الحركات المناهضة للامبريالية، التي لم تدرك حجم التغيّرات التي أثارتها الثورات العربية، على اختزال المواجهة حول سوريا فقط إلى بعدها الجيوسياسيّ وحده.
تحليلات خاطئة وحسابات مغلوطة. فالنظام مفخّخ بالعيوب نفسها التي تعاني منها مجمل المنطقة: من استبداد واعتباطيّة السلطة؛ إلى نهب الثروات و"تحرير الاقتصاد" الذي فاقم من انعدام المساواة؛ إلى العجز عن الاستجابة لطموحات شبابٍ أكثر عديداً وافضل تأهيلاً ممّن يكبرونهم.
هكذا أدّى رفض النظام أخذ هذه الآمال بعين الاعتبار، ووحشيّة القمع غير المسبوقة، إلى تسريع تصاعد أعمال العنف والتشجيع على عسكرة قسمٍ من الانتفاضة الشعبيّة، التي كانت منذ البداية تعلن في غالبيّتها الساحقة، وكما في مصر، عن طبيعتها السلميّة. وبالتالي تزايد خطر رؤية المواجهات تتّخذ بعداً طائفياً، علماً أنّ النظام لا يتردّد في توظيف هذه الورقة بغية زرع الخوف في نفوس العلويين والمسيحيين.
إلاّ أنّ المعارضة بدت عاجزة عن إعطاء ضمانات جدّية للمستقبل. حتّى أن بعض داعميها قد ابتعدوا عنها. فالأكراد، الذين كانوا من أوائل المتظاهرين (وخصوصاً للحصول على بطاقات الهويّة الوطنية التي لطالما حرموا منها)، باتوا اليوم على الحياد؛ إذ صدمهم رفض المجلس الوطني السوري (CNS) الاعتراف بحقوقهم. ومن جهته، سمح النظام، وبشيءٍ من النجاح، بتجديد نشاط حزب العمّال الكردستاني (PKK) الذي كان قد استعمله من قبل في مواجهته مع تركيا في تسعينات القرن الماضي، والذي ما يزال يحظى بشعبيّة بين أكراد سوريا.
- الفزّاعة الشيعيّة
كما حدث انشقاق جديد في المجلس الوطني السوري بمبادرة من هيثم المالح وكمال اللبواني، السجينين السياسيين السابقين، الذين أدانوا تبعيّة هذا المجلس للقوى الخارجيّة. كذلك استنكر الدكتور عمار القربي، وهو الرئيس السابق للمنظمة السورية لحقوق الإنسان ورئيس "الحركة الوطنية للتغيير"MNC كيف يهمّش المجلس الوطنيّ السوري المناضلين العلويين أو التركمان. أمّا المسيحيون، الذين شهدوا لجوء عشرات الألاف من أبناء دينهم من العراقيين إلى سوريا، فهم يراقبون بقلق تصاعد الحركات الجهادية، إضافة إلى الشعارات المعادية للمسيحيين وللعلويين التي يهتف بها بعض المتظاهرين.
يتواجه الكثير من المعارضين مع "المجلس الوطني السوري" - وخصوصاً "هيئة التنسيق الوطنية للتغيير الديموقراطي"، التي ترفض الطائفيّة وعسكرة الانتفاضة، وكذلك التدخل العسكريّ الأجنبيّ - وتمزّق الانشقاقات المتلاحقة هذا المجلس، في حين ترفضه الكثير من لجان التنسيق المحلّية، ويبدو خاضعاً لهيمنة الإسلاميين، مهما عمل على إبراز بعض الشخصيات الليبرالية في الواجهة. كما يُقابل ارتهانه للدول الغربية ولبعض الأنظمة الملكيّة الخليجيّة بالاستياء.
يبدو الاستعصاء كاملأً. فالمعارضة عاجزة عن النجاح في إسقاط النظام، والنظام يبدو عاجزاً عن إخماد ثورة فاجأته بما فيها من عزمٍ ومن جرأة على التضحية. هكذا باتت العودة إلى الوضع القائم سابقاً غير ممكنة أبداً، كما أنّه لم يعد بالإمكان تجديد هيمنة السلطة على النفوس والأجساد، وعلى مجتمع تسيَّس خلال بضعة أشهر. ولم يكن للإصلاحات التي أقرّتها دمشق (وضع دستور جديد، قوانين عفو متلاحقة، إلخ) أيّ أهميّة، إذ أُطلِقت يد المخابرات والجيش لتصفية من يريدون، أو للقصف والتعذيب.
وفي الوقت عينه، باتت هنالك احتمالات فعلية لوقوع حرب أهلية، مع إمكان انتشارها خارج الحدود إلى لبنان والعراق. ومن شأن أيّ تدخّل عسكريّ أجنبيّ أن يعمِّق تجذير المواجهات الطائفية، وأن يحول السلاح حكَماً وحيداً في الانقسامات المذهبيّة؛ مما قد يأتي بضربة قاضية للآمال المعقودة على إقامة الديموقراطية في المنطقة.
مع ذلك، لا تنحصر المخارج بالخيار العسكريّ. فالضغوط الاقتصادية على سوريا (والتي يمكن أن تزداد تشدّداً، شرط أن تستهدف الزعماء، وليس السكّان) قد ولّدت أساساً تساؤلات لدى قسم من البورجوازيّة التي تدعم النظام. ومن ناحية أخرى، فإنّ البعثات الأولى لمراقبي الجامعة العربية، وبالرغم من الصعوبات، قد ساهمت في تخفيف حدّة العنف؛ والعربيّة السعوديّة هي التي فرضت سحبها، ودفن تقريرها الذي لا يتلاءم مع التبسيطات الإعلامية! هكذا قد تشكّل عودة هؤلاء المراقبين إلى سوريا وتوسيع مهمتهم خطوةً إلى الأمام. وأخيراً من المفروض أن تضمّ روسيا والصين إلى محاولات التفاوض على انتقال السلطة. هنا قد يعترض البعض متسائلاً: مع نظامٍ مجرم؟ نعم. ففي أميركا اللاتينية، تحقّق الانتقال إلى الديموقراطية عبر منح العسكريين عفواً، حتّى وإن كان هناك أسف لاستفادتهم من الأمر على مدى ثلاثين عاماً.
هذا الطريق الضيّق المليء بالعثرات ليس هو المفضّل لدى غالبيّة اللاعبين الخارجيين، الذين يختزلون الوضع في سوريا إلى مواجهة رهيبة بين الديكتاتورية والديموقراطية. لكن من ذا الذي يصدّق أنّ النظام السعودي يسعى إلى إقامة حكمٍ ديموقراطي في دمشق، هو الذي لم يعرف أيّ مجلسٍ منتخب؟ وهو الذي أعلنت وزارة خارجيته أنّ المظاهرات في شرق البلاد كانت "شكلاً جديداً من أشكال الإرهاب ؟ وهو الذي قمع بالقوة في أوّل شهر آذار، في أبها، مركز منطقة العسير الطلاب الذين تحركوا ضدّ رداءة التعليم في الجامعات؟
العربيّة السعودية، القلقة من إضعاف الولايات المتحدة في المنطقة، والمعادية "للسلطة الشيعيّة" التي قامت في العراق، باتت على رأس الثورة المضادّة في المنطقة، وسحقت من دون أن تنجح كلّياً، انتفاضة البحرين. هي تسلّح المتمرّدين في سوريا، في حين تلوِّح بالفزاعة الشيعيّة لكي تضمّ إليها الغالبية السنية، مركّزة على عدائيّة مزدوجة تجاه الشيعة والفرس.
- مناعة الشعوب
يستند تجديد الرياض بخطابها عن "التضامن السني" على وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم في تونس والقاهرة والرباط، وربما غداً في ليبيا، حتّى وإن كانت العلاقات بين حركة الإخوان المسلمين والرياض سيّئة في العقد الأخير. إلاّ أنّ المعطيات تبقى متذبذبة على أساس أنّ حركة الأخوان هذه منقسمة حول الخيار الذي يجب اعتماده، كما يتبيّن من رفض الحكومة التونسية أيّ تدخّلٍ أجنبي في سوريا، أو الصراع الدائر في صفوف حركة حماس التي هجرت مقرّها العام في دمشق.
حتى أن أحد أعضاء هذه المنظّمة، صلاح البردويل، قد أكّد أنّه في حال نشوب حربٍ بين إيران وإسرائيل، فإنّ "حركة حماس لن تتدخّل"، وهو موقف يرفضه قائدٌ آخر بارز، محمود الزهار، ذاك أن فكرة تحالفٍ كبيرٍ سنّي ضدّ إيران وسوريا قد جاءت تصطدم مرّة أخرى بالمأزق الفلسطيني. فمن يمكن أن ينوب عن دمشق وطهران في مقاومة الاستراتيجية الإسرائيليّة؟
أمّا واشنطن فهي تهدف من جهتها إلى زعزعة أحد ركائز من تسميه "محور الشرّ"، ومِنْ ورائه إيران التي يحلم رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو بقصفها. وهي إذ خرجت من العراق من دون أيّة أمجاد، وإذ تبدو محشورة في أفغانستان التي ستغادرها قريباً، وقد تشوهت فيها صورتها ليس فقط لدى طالبان، بل في أوساط شعبٍ مُحبَطٍ من "تخبّطها"، تبدو متردّدة في القيام بمغامرة جديدة في سوريا، مع علمها أنّ سقوط نظام الأسد سيكون وسيلة لكي تستعيد بعض المواقع في المنطقة. فهل ستؤيّد تدخلاً عسكرياً كما حدث في ليبيا؟ وهل هي ستخاطر في ضرب الاستقرار في هذا البلد، حيث بدأ يتدفق المجاهدون ومقاتلو تنظيم القاعدة؟
أمّا بالنسبة إلى السلطات الإسرائيليّة، فربما عبّر عن موقفها إفرايم هاليفي، المدير السابق للموساد ومستشار الأمن القومي السابق، الذي أوضح أنّ الإطاحة بالنظام في دمشق، عبر إضعاف طهران بطريقة حاسمة، سوف يساعد على تفادي قصف إيران. لكن تلّ أبيب تعرف أنّ كلّ موقف علنيّ من هذا النوع لا بدّ أن يرتدّ ضدّ المعارضة السوريّة. في حين تعبّر بعض الأصوات في إسرائيل عن مخاوفها من تداعيات حربٍ أهليّة في سوريا، يمكن أن تنهي حالة الهدوء السائدة على الحدود بين البلدين.
وأخيراً، هناك روسيا والصين اللتان تخشيان من جهتهما تصاعد نفوذ الإسلاميين والتفرّد الأوروبي والأميركي. ولذلك استعملتا حق النقض، الفيتو، حتّى الآن على قرارات مجلس الأمن فيما يتعلّق بسوريا، مؤكّدتان في الوقت نفسه أنّهما تفضّلان التوصّل إلى انتقالٍ ديموقراطيّ عبر المفاوضات.
تجري كلّ هذه المناورات في شرق أوسط تزعزع فيه الإستقرار إلى حدٍّ بعيد بعد الحروب التي خاضتها الولايات المتحدة (في أفغانستان والعراق) وإسرائيل (في لبنان وفلسطين): دولٌ أصابها الوهن؛ وتزايد فيها دور الميليشيات (في العراق وكردستان وأفغانستان ولبنان وفلسطين)، المزوَّدة غالباً بإمكانات عسكريّة تقليدية قويّة، كالصواريخ خصوصاً؛ وتوتّرات بين الطوائف تهدّد الأقلّيات؛ إلخ.
انفجرت الثورات العربية في ظلّ هذه الظروف غير المستقرّة. وهي تطالب بالحرّية والكرامة والديموقراطية والعدالة الاجتماعية. ومع أنّها أطاحت بالرؤساء في كلٍّ من تونس ومصر وليبيا واليمن، فهناك إحساس ببزوغ خيبة أمل في أوساط الرأي العام الغربي. إذ بحسب ما أشار بيتر هارلينغ، مدير نشاطات "مجموعة الأزمات الدولية" في مصر وسوريا ولبنان، ليس هناك "ما يفاجئ إذا ما كانت اللحظة البرّاقة للثورات الخاطفة في تونس ومصر، قد حلّ محلّها حالة كبيرة من الفوضى. فنحن نشهد، في كلّ مكانٍ تقريباً من العالم العربي، إعادة تفاوضٍ طموحة وعنيفة إلى حدٍّ ما، على عقدٍ اجتماعيّ جديدٍ كلّياً. ويضاف إلى تعقّد الحالات الفردية الارتباطات الضمنيّة الوثيقة، في منطقة تعيش حالة غليان، وحيث يجري النقاش حول "النموذج التونسيّ" في عمق أعماق الأرياف السورية.
هل سيكون الأمر إذاً "شتاءً إسلاميّاً"؟ أم مواجهات بين الطوائف؟ أم سحق للحركات على يد الجيش في سوريا أو في مصر؟ ليس أيّ من تلك الفرضيات مستبعداً كلّياً، لكنّها كلّها تسيء تقدير قوّة الاحتجاجات، والتعلّق المعبَّر عنه بإجراء انتخابات ديموقراطية، والقدرة العجيبة لتجدّد انتفاضات الشعوب في البحرين كما في سوريا. فهذه الشعوب، مع احتفاظها في الوقت نفسه بدعم القضية الفلسطينية، التي يبقى لها وجودها الطاغي، قد التزمت العودة إلى النضالات الاجتماعية والديموقراطية، المجمّدة منذ العام 1967. وفي هذا السياق، من شأن أيّ تدخلات أجنبيّة جديدة أن تذكّي الانقسامات، كما رأيناه في العراق أو ليبيا، وأن تحوّل النضال الديموقراطي إلى صراعٍ طائفيّ، وبدرجةٍ أولى بين السنة والشيعة.
*رئيس تحرير مجلة لوموند ديبلوماتيك
