ثورة الياسمين لم تنتصر بعد

single

الآن وقد صفّق العالم كله، وفي مقدمه الشعوب العربية، ل “شجاعة وكرامة” تونس، على حد تعبير باراك أوباما، كونها أول دولة عربية تطيح برئيسها السلطوي بانتفاضة شعبية، نأتي إلى الحسابات الباردة.
النصر ليس كاملاً، رغم فرار الرجل القوي زين العابدين بن علي، على هذا النحو غير المسبوق. ليس بعد على الأقل.
فالنظام الذي أقامه ابن علي خلال 23 عامًا من السلطة الأوتوقراطية المُطلقة، لايزال حيًا ويركل. وهذا الركل واضح كل الوضوح في فرق العصابات المسلحة التي أطلقتها الأجهزة الأمنية لنشر الرعب والفوضى في البلاد. الهدف: وضع المُنتفضين التونسيين أمام خيار من اثنين: إما بقاء سلطة هذه الأجهزة، أو الفوضى واللااستقرار والسرقات والنهب.
والواقع أن هذا كان تطورًا متوقعًا. فأجهزة المخابرات كانت السلطة الحقيقية في البلاد على مدى ربع القرن الأخير. والرئيس ابن علي هو الابن البار لهذه الأجهزة، حيث كان أحد قادتها قبل إطاحته حكم بورقيبة. وقد أسندت هذه الدوائر الأمنية الشبحية نظامها إلى دعائم ليس من السهل تقويضها: شبكة ضخمة من المُخبرين الذين يتقاضون رواتب شهرية ومكافآت خاصة؛ سيطرة كاملة على وزارات الدولة كافة؛ إشراف على كل المشاريع الاقتصادية في القطاعين العام والخاص، واختراق واسع النطاق للمجتمعين المدني والسياسي.
بكلمات أوضح: أجهزة المخابرات التونسية (والعديد من الأجهزة العربية) تحوّلت إلى ما يُشبه الطبقة الاجتماعية بالمعنى الذي قصده المفكر الماركسي الإيطالي غرامشي، حيث إنها لا تمارس سيطرة أمنية وسياسية واقتصادية وحسب، بل أيضًا هيمنة إيديولوجية وثقافية وفكرية، تمامًا كما تفعل الطبقة الرأسمالية المُسيطرة.
لكي تنجح ثورة الياسمين، يجب أن يكون على رأس جدول أعمالها ليس الديمقراطية وتغيير قواعد النظام السياسي فقط، بل أولاً وأساسًا إصلاح هذه الأجهزة عبر نزع التسيسس عنها وإقامة التوازن الدقيق بين أمن الوطن (أو حتى النظام) وبين أمن المواطن، أي ما بات يُسمى في أدبيات علم السياسة الحديث: الأمن الإنساني.
لكن، هل الانتفاضة التونسية قادرة على تحقيق هذا الهدف، الذي من دونه سيعود نظام ابن علي السلطوي- المخابراتي من النافذة بعد أن أُخرج من الباب؟
ثمة فرصة كبيرة متوافرة الآن. إذ يجب أن نتذكّر هنا أن رأس ابن علي لم يكن ليتدحرج لولا أن الجيش التونسي رفض أوامره بفتح النار على المتظاهرين والمنتفضين، وقرر الوقوف على الحياد. وهو موقف تاريخي يُسجّل لقائد الجيش راشد عمّار الذي يرشّحه العديدون هذه الأيام لسدة الرئاسة (عن طريق انتخابات ديمقراطية بالطبع).
الجيش وعمار لم يعلنا حتى الآن أنهما يطمحان إلى السلطة السياسية.
كن، سواء طمحا أم لا، فإن ثورة الياسمين كسبت حليفًا قويًا ليس بالإمكان تحقيق النصر من دونه ضد أجهزة الأمن المُنحرفة. وهذا يُذكّر إلى حد كبير بدور مماثل لعبه الجيشان الإندونيسي والتشيلي، حين سحبا البساط من تحت أرجل أجهزة المخابرات القوية الحاكمة، فسهلا بذلك انطلاق الانتقال الراهن نحو الديمقراطية في هذين البلدين اللذين عانيا طويلاً من الحكم الدكتاتوري الدموي.
ثورة الياسمين لما تكسب الحرب بعد. إنها ربحت معركة كبرى، لكن الحرب لم ولن تنتهي قبل إصلاح أجهزة الأمن وتقليم أظفارها الحادة واللاديمقراطية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

قضية التهدئة وآفاقها في خضم موازنة الصراع على مختلف الجبهات!

featured

قرار يوجب استثمارا جيدًا

featured

أمّة من الجنود

featured

عن الانتخابات البلدية

featured

السنة الجديدة تبدو مثل السنة الراحلة

featured

زمن الغضب العربي

featured

مجزرة الخِراف

featured

وداعا أبي- لمسة وفاء