مع احتفالات الحزب الشيوعي بمرور تسعين عاما على ميلاده ذكريات لا تغيب عن البال

single

من حقنا ان نحتفل بمرور تسعين سنة على تأسيس حزبنا الشيوعي في هذا الوطن سواء في قاعة المؤتمرات، او في بيوتنا. لان القاعة لا تتسع لعشرات آلاف المنتسبين والمؤيدين لهذا الحزب، ولكون عشرات الآلاف ليس بالامكان حضورهم تحت سقف واحد، لاسباب متعددة لا مجال لذكرها.
من حقنا ان نقيم احتفالنا في هذه المناسبة مثلما نحتفل بزواج ابنائنا او بناتنا. او كما نحتفل بحصول فلذات اكبادنا، على شهادات المحاماة او الطب او الاقتصاد او غيرها.
ولم لا؟! ونحن الشيوعيين الوحيدين والثابتين وخصوصا في الخمسينيات والستينيات اصحاب الجهد، اصحاب العمل الجماهيري، المطاردين في العمل، في المصانع، في المعاهد التعليمية، وفي كل مكان في عهد الحكم العسكري، وابن يتسحاق "وابو حفر شويلي".
وكوني من اوائل الشيوعيين في الدير، والمسؤول الاول عن الفرع عندنا حينذاك، ولاني على علاقة طيبة مع كل الرفاق، سواء في داخل قريتنا او خارجها، فقد احتفلت وعقيلتي بهذه المناسبة في بيتي، حيث تعذر علي وعليها السفر الى حيفا، لاسباب ليس من الضرورة سردها.
فقد غطينا الطاولة في المخزن الزراعي الذي نسكنه بالعلم الشيوعي الاحمر، وملأناها باشهى الاطعمة وسلطة البندورة والبصل الاخضر والخس والملفوف، وبدلا من تناول القليل من الخمر الذي يفرح قلب الانسان، ملأنا الكؤوس بشراب رمان بلادي، فأكلنا وشربنا على مهل، وتحدثنا كثيراعن ايام زمان، وبالطبع هذا حديث من يتقدمون بالسن مثلنا.
تحدثنا عن اشتراكنا في مظاهرات اول ايار عدة مرات في حيفا والناصرة، وعن وصول كتاب رسمي لي ولزوجتي من ادارة الحكم العسكري يحرمنا فيه الدخول لمنطقة سيناء والضفة الغربية، ويحذرنا من مخالفة الدخول لهذه المناطق دون تصريح.
وطاب بنا المقام، وتوسعنا بالكلام، يا سادة يا كرام، ولم تغب عن بالنا منطقة النيرب، وتلة السيح، وارض الوقف التي كانت عبارة عن طبقات مرتبة، بعضها فوق بعض من صخور الغرانيت ذات الجودة العالية جدا،وهي من افضل الصخور في البلاد وفي الخارج.
فكيف ننساها وقد كانت هذه المواقع مناطق المحاجر والبلاط، ويعتاش منها اكثر الاهالي في الدير والبعنة ومجد الكروم ونحف، وصودرت بحجة انها مناطق مناورات وبنيت عليها مدينة كرميئل؟؟!!
نعم. في الذكرى التسعين لولادة الحزب الشيوعي من رحم التاريخ، جلسنا حول الطاولة الواحد قبل الآخر، عسى الله الا تكون الجلسة الاخيرة، ابصها وتبصني، وكأن امرا ينتظرنا على عجل، لا سمح الله.
وفي هذه الاثناء، خيم علينا صمت لا يتعدى الدقائق المعدودات، تذكرت خلالها ما قاله شاعرنا العربي: فيا ليت الشباب يعود يوما....
لم تطق زوجتي صمتي الغريب، فقرصتني، وصحوت من شبه غفلة تغطي الوجه، في كثير من الاحايين، لثوان معدودات، لدى اغلب الناس.
قالت: وين سرحت؟
أجبتها: في قاعة المؤتمرات. احسست اني هناك بين الرفاق، اصفق واهتف واطرب، في الشوارع والساحات والاجتماعات العامة منذ عقود غابرة لا تمحوها الذاكرة.
تذكرت امي الحنون التي كانت تكره القماش الاحمر المأخوذ منه علم الحزب، وتكره رفاق الحزب الذين كانوا على علاقة طيبة معي. لانها ايقنت ان ربط ابنها في شرايين الحزب قد يفقد املها الذي كانت ترجوه، وتتطلع اليه.
هذا عدا انها خشيت وخافت من ملاحقات جهاز الحكم العسكري الظالم لوحيدها في البيت.
كل الرحمات يمطرها الرب عليك، لا الومك على خشيتك. فكل النساء، حتى اكثر الرجال عندنا، كانوا يخشون ظلم الحكم العسكري حيث ينقصهم الوعي السياسي والنضج الوطني الا الشيوعيين، فكانوا الخيل والفرسان في الميدان.
لن انساك يا امي ما دمتُ حيا، واتنفس الاوكسجين من هواء ارضك التي كنت تفلحينها بالفأس (المنكوش) والمحراث القديم المجرور بواسطة الحمار.
ولن انس مهما تتغير الامور والاحوال عام الثامنية والخمسين من القرن الماضي حيث تخرجت فيها من مدرسة كفرياسيف الثانوية في عهد رئيس مجلسها المرحوم يني يني ، وللاسف في تلك الفترة من تاريخنا الحزين كان المثقفون في قراهم يعدون على اصابع اليد الواحدة، ومن حقهم الشرعي حينذاك ان يلتحقوا بسلك التدريس. لكن "حاكمك ظالمك".
فقد علمت في مدرسة البعنة لفترة قصيرة، دعيت اثناءها لمكتب الحاكم العسكري في مجد الكروم "دوف".
قال لي: انت معلم عندنا.
اجبته: صحيح
قال:مثل ما نفعناك لازم تنفعنا.
قلت: كيف؟
قال: يعني، ولم يشرح اكثر
قلت: اذا الوظيفة مربوطة بالعمل معكم، وقفوني عن العمل.
وهكذا كان. حرموني وحرموا كثيرين في وسطنا العربي من خدمة اطفال شعبنا في هذه المهنة المقدسة.
لكن الحزب الشيوعي صنع من كل المحرومين رجالا زينوا وطنهم بما ينفع شعبهم. ومشينا رفاق الحزب، وكنا قلائل، في ديرنا، ونحمل العلم الاحمر، ذا المطرقة والمنجل، ننشط يوما بعد يوم، يشد ازرنا رفاق الحزب في البعنة، الذين لهم تجارب وممارسات سياسية ناضجة، ولم نكل ولم نمل.
كنا نعمل من اجل لقمة العيش في النهار، ونزور العديد من البيوت في الليل. ولم نفشل ولو مرة واحدة في زياراتنا. بل كنا نعود حاملين التأييد للحزب، ومطمئنين ان جهودنا ستزهر وتثمر وستعود علينا بالخيرات والبركات.
اذكر عسى ان تنفع الذكرى، ان المحاولة الاولى لتقديم الامتحان، ومعرفة نتائج ذلك الاجتماع في قريتنا دير الاسد، وكان في اواخر الخمسينيات.
فقد رتبنا له كل الترتيبات مع لجنة منطقة عكا، وحالفنا الحظ، ان يكون خطيب الاجتماع عضو الكنيست المرحوم اميل حبيبي.
فعقد يومذاك على سقف دار المرحوم رشيد سعيد ذباح والحق ان جمهورا غفيرا تواجد في مكان الاجتماع. ولكن ما ان بدأ الخطيب حديثه السياسي على الموجة العالية والنقد اللاذع لسياسة واساليب الحكم العسكري حينذاك، واذا بعشرات الخيول المحملة بافراد الشرطة تطوق مكان الاجتماع. وفجأة، وكأن صوتا قويا صرخ في الجمهور: افرنقعوا. اي تفرقوا.
واما الخطيب اميل حبيبي فقد استمر بنبراته اللاذعة وحركاته الغريبة، دون ان يجرؤ افراد الشرطة على الاقتراب منه.
ولما رأى المتفرقون الخطيب يزأر كالأسد، وافراد الشرطة ليس بمقدورهم مسه بأذى، لأنه يتمتع بحصانة برلمانية، عادوا للاجتماع: يصفقون ويصفرون، ويزعرون.
ومنذ ذلك التاريخ والى اليوم تنجح اجتماعات حزبنا، ليس بقريتنا فقط وانما في جميع مدننا وقرانا العربية، وتلاقي آذانا صاغية.
ألحزب الشيوعي حل عقد الألسنة التي لم تجرؤ على الكلام ورافق العمال والفلاحين في مشاغلهم ومزارعهم ودافع عن حقوقهم.
ألحزب الشيوعي ارسل الالوف من طلابنا الى جامعات الدول الاشتراكية كي يتعلموا، مجانا وهم اليوم في قيادة مجتمعنا.
واما صحف الحزب: كالاتحاد والجديد والغد والدرب فكانت الرائدة في نوعية شعبنا.
الامر الذي يتطلب بحثا خاصا سأقوم بنشره عن قريب ان شاء الله.

 

(دير الاسد)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الصراخ على قد الوجع !

featured

المارد الفلسطيني ينتفض

featured

داود تركي

featured

المصالحة.. لينفلق حكام إسرائيل وأمريكا

featured

تعجرف الجنرال هو الخسّة

featured

وأنــا كَمِــــــان

featured

من طبّاخ الريس الى صراخ النملة