بات انجاز المصالحة وترسيخ الوحدة الفلسطينية بين شطري الوطن الواحد غزة والضفة، ومكونات الشعب الفلسطيني، وخاصة حركتي فتح وحماس، مصدر فرح وسرور في الشارع الفلسطيني وعلى وجوه الصغار قبل الكبار. انه أهم انجاز منذ سنوات طال انتظاره، واهم من استمرار المفاوضات العبثية مع الحكام الزعلانين والمتخوفين من المصالحة في كل من تل أبيب وواشنطن. الفرحة كبيرة وعارمة بحجم الحدث وتأثيره السياسي والوحدوي وانعكاساته الايجابية على أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف مدن وقرى فلسطين من رفح جنوبًا حتى مخيم جنين الصامد شمالا، وكذلك نفس الشعور والفرحة تجدهما لدى الأحرار والوطنيين والثوريين في العالم العربي ودوليًا لدى داعمي ومساندي الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة.
اكتمل العرس الوطني الفلسطيني في تحقيق الوحدة السياسية وبناء البيت الداخلي الواحد والوحيد والمشترك والذي يتسع للجميع، والذي من المفروض ان يحوي كل المشروع الفلسطيني في التحرر والاستقلال وعدم التفريط بالبشر والحجر والشجر، وتكريس كل الجهود والطاقات للتصدي لسياسة حكومة اليمين بزعامة نتنياهو في إجهاض الحق الفلسطيني، وتفويت الفرصة على القوى المتربصة للعبث بالحقوق الفلسطينية عربية كانت أم إقليمية أم دولية.
إن صيانة الوحدة وتعزيزها فلسطينيًا، هي الصخرة التي تتحطم عليها كل المؤامرات التي تحاول النيل من قضية الشعب الفلسطيني العادلة. وهنا يكمن مفتاح الحل سياسيًا وأي التفاف على الوحدة والمصالحة الفلسطينية الداخلية معناه تجزئة الحلول وتهميش الجوهر بعكس الإرادة الجماعية والشرعية لمجموع الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده.
إن اختلاف حماس وفتح وبقية الفصائل في الرأي حول المشروع لا يفسد لأبناء الشعب والوطن قضية الوحدة والبحث المتواصل على ما يرضي ويحقق لشعبنا الحرية والاستقلال. لكن التنازل والتفريط عن الثوابت الوطنية هي خط احمر أمام أي فريق أو فصيل أو قيادة، وهي تعتبر في الشرف والقانون السياسي التحرري الفلسطيني خيانة وجريمة وغدرًا لثقة الشعب في تفويضه وائتمانه على أرضه ومصالحه، وكل المشروع السياسي والوطني في تحقيق حلمه الذي دفع لأجله مهرًا مليئًا بالحديد والنار والعذاب والاستشهاد من اجل رؤية نور الشمس في التحرر والاستقلال.
إن عيون أبناء وبنات الشعب الفلسطيني في جميع أماكن وجوده، تترقب وتترصد ذلك اليوم، بل اللحظة التي تم ويتم فيها وضع اللمسات الأخيرة للمصالحة وانهاء عهد الانقسام وبداية طي تلك الصفحة السوداء من تاريخ كفاح الشعب الفلسطيني، وبداية مرحلة ليس بالمصالحة فقط وإنما بإعادة ترميم وترتيب كل ما تهدم من البيت الفلسطيني المشترك، وإعادة بناء الصف السياسي وصيانة وتثبيت الحق والمشروع الكامل المتكامل من الضياع والتزوير والالتفاف عليه من قبل حكام إسرائيل والولايات المتحدة والعرب الأمريكيين، الذين لا يبخلون على الأمريكيين والإسرائيليين بتقديم التنازلات منذ ان نصّبوهم أمراء على آبار النفط لحماية مصالح الغرب في المنطقة العربية، وبناء شرق أوسط جديد على الطريقة الأمريكية السعودية القطرية، لا مكان فيه الا لحكام إسرائيل وأسيادهم وأتباعهم، ولا مكان لحرية الشعب الفلسطيني وإقامة دولته ، ولا الأمن والاستقرار لشعوب المنطقة الا بقدر ما تسمح به دائرة المصالح الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية للسيطرة على كل الشرق الأوسط سواء ثروات أو شعوب.
وإلا على ماذا يعلو صراخ الأمريكيين والإسرائيليين اليوم؟ ما الذي يقض مضاجعهم هذه الأيام؟ بالطبع ليس وصول المفاوضات هذه الأيام إلى الطريق المسدود وهم الذين أوصلوها إلى ما وصلت إليه من فشل، ولا الرفض الفلسطيني القاطع بالاعتراف بيهودية الدولة، ولا تعثر المرحلة الرابعة من إطلاق سراح أسرى الحرية حسب الاتفاقيات والتفاهمات الواردة في سلم المفاوضات الجارية والمتوقفة حديثًا، ولا الإصرار الفلسطيني على وقف كلي للاستيطان، وانه لا مفاوضات مع استمرار سياسة بناء المستوطنات اللاشرعية. وإنما "الصراخ على قد الوجع" هذه المرة جاء منسجمًا أمريكيًا إسرائيليًا مشتركًا كرد ورفض لإرادة الشعب الفلسطيني وتدخل في شؤونه الداخلية في رفض سياسي سريع لخطوات المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس.
الحكّام الإسرائيليون والأمريكيون يريدون ان يبقى الاقتتال والانقسام الفلسطيني هو سيد الموقف في كل محادثات السلام منذ اتفاقيات أوسلو ولغاية الآن. هم مسموح لهم فتح قنوات حوار واتصال مع حركة حماس وغيرها، بهدف إرساء أساس للتفاهم يصب في خدمة مصالحهم، وإسرائيل تجري تفاهمات أمنية على الأرض للحيلولة دون تصعيد الموقف العسكري. وأمريكا تغازل وتتهم حماس بالإرهاب، فيما تغازل وتمد وتمول جماعات الإرهاب في سوريا وغيرها بالمال والسلاح والاستشارة العامة. أي نفاق وتلون إسرائيلي أمريكي وأي عهر سياسي تحاول إسرائيل والولايات المتحدة تسويقه لشعوبنا، بعدما فشلت فشلا ذريعًا في لعب دور الوسيط والعادل في مفاوضات السلام ليس في الشرق الأوسط فقط، وإنما في كل محادثات شهدها العالم منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ولغاية الآن.
إن قرار المصالحة الداخلية هو قرار شرعي فلسطيني بامتياز نابع من الرؤية العامة السياسية والوطنية والجماهيرية في ضمانة وتعزيز اللحمة الداخلية بما يتناسب مع المصالح العليا والعامة للشعب الفلسطيني ومسيرته التحررية. فلينفلق حكام إسرائيل والولايات المتحدة وليشربوا كأس المرارة وخيبة الأمل. إذا كان الامر كذلك وحكام إسرائيل "يسعون إلى صنع السلام" مع الشعب الفلسطيني حسب زعمهم وطبعًا هم غير جادين ومؤهلين لذلك، فمع من سيصنعون السلام. إذا لم يكن مع الأطراف الفلسطينية كافة ضمن الوحدة الوطنية والسياسية الداخلية للشعب الفلسطيني.
(كويكات/أبوسنان)
