مجرد الخروج من "مُربّع" أوسلو و"مُربّع" الرعاية الامريكية المنحازة، بالتمام والكمال، للاملاءات الاسرائيلية، هو نقطة قوة لصالح الطرف الفلسطيني، وهو الطرف الذي يبدو انه بات يتمتع بالسلوك السياسي الذكي والمناورة الدبلوماسية ويبدو اكثر انه استوعب قوانين اللعبة السياسية واصبح يتقن، بحرفية، "اللعب مع الكبار"
// كان القائد فيصل الحسيني يردد دائما: "ان كان عدوك دب فلا تصارعه لأنه سيفعصك. لذلك من المفضل ان تلاعبه الشطرنج"!
// مَن يبني "فرضيته" على وقائع مغلوطة سيخرج، ايضًا، بنتائج مغلوطة. هذا ما حصل مع البروفيسور البريطاني جاي جودين حول النتائج السلبية لاستحقاق ايلول، حين افترض بان "السلطة الوطنية" هي التي ستتوجه الى الامم المتحدة. لكن من سيتوجه بطلب الاعتراف والعضوية للدولة هي منظمة التحرير اعتمادا على "الدولة" التي كانت قد أعلنت في عام 1988 بقرار من المجلس الوطني الفلسطيني، حيث نصّت وثيقتها الدستورية، في حينه، والمتمثلة بإعلان الاستقلال الفلسطيني، على كونها "دولة الفلسطينيين أينما كانوا". وهذا فارق كبير
//
يثير استحقاق ايلول وقرار التوجه الى الامم المتحدة للمطالبة باعتراف رسمي بدولة فلسطين، جدلا كبيرا في الشارع الفلسطيني، مما يستوجب الوقوف برهة والتمعن بهذه الخطوة بشكل عميق لما تحمله من اهمية سياسية وخصوصا في ظل واقع مغاير تماما للفكرة المطروحة. أي المطالبة بنزع اعتراف بالدولة الفلسطينية غير الموجودة على ارض الواقع.
لكي نستطيع تعريف اي كيان بـ "دولة"، بجب على هذا الكيان استيفاء بعض الشروط والتي تتلخص في: ارض، سكان، حدود، سيادة واخيرا سلطة و مؤسسات تملك الشرعية وتعنى في الشؤون الداخلية والخارجية. واذا امعّنا النظر في الوضع القائم اليوم، نجد انفسنا بعيدين كل البعد عن تحقيق هذه الشروط، وحتى لو وجدت فهي جزئية ولا تستطيع الايفاء بالغرض. فالاستيطان وجدار العزل العنصري يلتهمان اجزاء من الاراضي الفلسطينية داخل الاراضي المحتلة عام 1967، ومسألة الحدود غير واضحة بتاتا، والسيادة الفلسطينية معدومة ومنتهكة. السكان في الاراضي المحتلة يتوزعون على جزئين متناحرين وهما الضفة والقطاع. اما السلطة والمؤسسات الداخلية فإنها في طور البناء الدائم. هذا الاستعراض، الجزء الكبير منه هو نتاج "المرحلة الاوسلوية" (من اوسلو) التي نشير اليها اليوم "بالنكبة السياسية" التي حلت على الشعب الفلسطيني، وليس بسبب التوجه لخيار المفاوضات انما بسبب الاتفاق نفسه الذي كبل ايدي وارجل الفلسطيني واصبح مرجعية اولى للمفاوضات الثنائية تحت المظلة الامريكية.
بالرغم من ذلك، فان التوجه الى الامم المتحدة من اجل نيل الاعتراف بدولة فلسطين هي خطوة سياسية ودبلوماسية تضع الطرف الفلسطيني المفاوض، ولاول مرة في تاريخ المفاوضات، في خانة "الفعل" وليس "رد الفعل"، مما يغير المعادلة التفاوضية المعتادة عليها اسرائيل والتي استطاعت في كل مرة تحويل اجندتها ومطالبها السياسية الخاصة الى الخط المركزي الذي يتم التفاوض عليه، تحت وصاية امريكية داعمة ومؤيدة لها.
تعتبر اسرائيل هذه الخطوة "احادية الجانب"، وبالتالي فهي سترد بطريقتها الخاصة التي تعودنا عليها. مثلا تجميد اموال الضرائب الفلسطينية، في خطوة منها للضغط على متخذي القرار الفلسطيني من اجل العدول عن مترتبات "ايلول"، كذلك الولايات المتحدة التي هددت وتوعدت باستعمال "الفيتو" وبانها ستقطع المساعدات المادية، ان لم "يرجع" الطرف الفلسطيني الى "صوابه" وينكفىء على ذاته .
ان التخوف الاسرائيلي المدعوم امريكيا من استحقاق ايلول، الذي يحرج اسرائيل والولايات المتحدة على حد سواء، يشير الى انه بالاساس لم تكن هنالك اية نية بالانسحاب الى حدود الرابع من حزيران والتي تتضمن القدس الشرقية ايضا، ضمن المفاوضات الثنائية المباشرة.
اود اقتباس مقولة ذكرها صديق لي على لسان القائد فيصل الحسيني ، الذي كان يردد دائما " ان كان عدوك دب فلا تصارعه لأنه سيفعصك. لذلك من المفضل ان تلاعبه الشطرنج"! نحن اليوم وبعد سنوات من المفاوضات الثنائية، والتي استطاعت اسرائيل والولايات المتحدة تحويل هدفها الاساسي من "انهاء الصراع" الى "ادارة الصراع"، نقف في منتصف النفق، لا نستطيع الرجوع الى الوراء وفي نفس الوقت لا نرى اي اثر للضوء في اخر النفق.
هذا الوضع السياسي المتجمد لا يصب في مصلحة الشعب الفلسطيني، خاصة وان السياسة الاسرائيلية ترتكز على ديناميكية التحرك وفرض وقائع جديدة على ارض الواقع، مثل التوسع الاستيطاني والجدار الفاصل لكي يتم التفاوض مستقبلا عليها "كحقيقة ثابتة" يتوجب الاعتراف بوجودها اولا ومن ثم التفاوض، بالاضافة الى عدم موضوعية واستقلالية الوصاية الامريكية بما يخص الشأن الاسرائيلي، نظرا للضغوطات التي تتعرض لها من قبل "اللوبي الصهيوني". لذا فان "كفّة الميزان" تميل لصالح المصالح الامريكية - الاسرائيلية، ليقع الجانب الاضعف وهو الفلسطيني بين الكراسي.
ان مبادرة ايلول اليوم والمقدمة باسم "منظمة التحرير الفلسطينية"، مما يدّعم مكانتها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، هي تحد كبير للحصار السياسي المفروض على العملية التفاوضية من قبل الولايات المتحدة واسرائيل وهي خروج عن خط اوسلو الذي يضرب استقلالية القرار الفلسطيني بعرض الحائط. المطالبة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الرابع من حزيران ليس بالمطلب الجديد. ومن الجدير بالذكر ان صلاح خلف (ابو اياد) في كتابه "فلسطيني بلا هوية" يشدد على انه بعد نكسة عام 1967، تم تحويل الخطاب لكي يتجه نحو "اقامة الدولة الفلسطينية على اي شبر فلسطيني محرر". وعندما تحدث "ابو اياد" عن "الدولة" شدد على وجوب وجود "اطار سياسي مستقل يستطيع الانطلاق منه نحو النضال قدما من اجل تحقيق المطالب الفلسطينية الوطنية".
يُخطئ من يظن ان لأية خطوة سياسية لا يوجد وجهان او اكثر. ويخطئ اكثر من يُخرج عملية اتخاذ القرار عن سياقها السياسي والحقبة الزمنية. المرحلة الحالية والقادمة هي مرحلة بناء الدولة، وهي شأن ومصير كل شعب يناضل من اجل استقلاله وبناء دولته. لا يمكن ان يتحقق الاستقلال الكامل دون بناء "الدولة" التي تشكل قاعدة ثابتة وآمنة لمواطنيها، لذلك فإن اعلان الدولة الفلسطينية في الجزائر (15.11.1988) واعتراف اكثر من (105) دول بها انذاك، هو منقوص ما دام يفتقد المنظومة لـ "الدولة"، تماما مثل فترة تواجد المنظمة في لبنان والتي اطلق عليها الباحث الفلسطيني يزيد الصايغ "مرحلة الدولانية" ووصفها بانها اكثر فترة كان الفلسطيني فيها اقرب الى "الدولة " نتيجة وجود مقومات مثل: قيادة ومؤسسات واحزاب وسيادة على اماكن التواجد الفلسطيني في لبنان. لكنه مع انعدام الارض الثابتة لا يمكن لمشروع الدولة الاكتمال.
بالمقابل، فان الدراسة القانونية التي أعدها البروفيسور البريطاني جاي جودوين حول النتائج السلبية لاستحقاق ايلول، بما يخص المكانة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ارتكزت على الافتراض بأن السلطة الفلسطينية هي التي ستتوجه إلى الأمم المتحدة بطلب الاعتراف بها كدولة، وبالتالي خرج باستنتاج بان هذه الخطوة ستؤثر على حقوق فلسطينيي الشتات في التمثيل وفي تقرير المصير والدولة. ومن يبني "فرضيته" على وقائع مغلوطة سيخرج، ايضًا، بنتائج مغلوطة. وهذا ما جرى مع بروفيسور جودوين. فهذا الافتراض، الذي خرج به، لا أساس له، حيث ان منظمة التحرير الفلسطينية هي التي سوف تتوجه إلى الأمم المتحدة بطلب الاعتراف بـ والعضوية لدولة فلسطين والتي كانت قد أعلنت في عام 1988 بقرار من المجلس الوطني الفلسطيني، حيث نصّت وثيقتها الدستورية، المتمثلة بإعلان الاستقلال الفلسطيني، على كونها "دولة الفلسطينيين أينما كانوا".
في الحقيقة، رغم الواقع السوداوي الذي نعيشه ومشاعر الاحباط التي تعترينا نتيجة لاوسلو، وحتى نتيجة اهتزاز الثقة بالقيادة الفلسطينية لفترة معينة، الا انني شخصيا ارى باستحقاق ايلول سلوكا سياسيا ذكيا ومناورة دبلوماسية، سيكون من نتائجها تصحيح المسار من خلال ضرب مرجعية اوسلو اولا، وارجاع القيمة لاستقلالية للقرار الفلسطيني ثانيا، وهما امران من شأنهما تدعيم موقف الجانب الفلسطيني اذا تم الاستفادة منهما كما يجب. وحتى اذا لم تنجح هذه الخطوة بالانتقال الى حضن الأسرة الدولية والتخلص من الوصاية الامريكية، فان مجرد الخروج من مربّع "الرعاية الامريكية" المنحازة، بالتمام والكمال، للاملاءات الاسرائيلية، والتي تعاملت مع الجانب الفلسطيني على انه "المفهوم ضمنا" في اية معادلة قادمة ارادت او تريد اسرائيل فرضها على الفلسطينيين، دون ان تحسب أي حساب لهم ولمصالحهم وحقوقهم المشروعة – فان مجرد الخروج من هذا "المربّع" يشكل نقطة قوة لصالح الطرف الفلسطيني، وهو الطرف الذي بات يبدو وكأنه استوعب قوانين اللعبة السياسية وبات يتقن، بحرفية، "اللعب مع الكبار".
