الناشطة الهولندية «مارغريت تيدراس
قد نحسب الذين يتعاطفون مع القضية الفلسطينية بالعواطف والاحاسيس، قد نحسبهم بالصدق والإنسانية، لكن أنا احسبها بمدى قدرة الانسان على الوقوف والنظر الى عين الحقيقة ونبذ الكذب والخداع، بمدى قدرة الانسان على الارتباط بتفكيره وعقيدته وعدم التنازل عن تلك العقيدة مهما كانت المغريات والمناصب وأضواء الإعلام.
هذا ما دار في مخيلتي عندما اعلن عن موت مرغريت تيدراس تلك المرأة الهولندية المسنة التي كانت آخر كلماتها، بلغتها العربية المكسرة بدي أشوف اللاجئين يحتفلوا بالعودة.
مرغريت تيدراس امرأة هولندية وقفت الى جانب الشعب الفلسطيني وسجنت في هولندا 14 مرة بحجة معاداة السامية ورغم ابتعاد الكثير عنها إلا أنها كانت تقول في جميع المقابلات انها هولندية الجنسية فلسطينية الانتماء حملت صورة الصبية الفلسطينية عهد التميمي وأعلنت تضامنها معها، واستنكرت اعتقالها، وواجهت وسائل الاعلام الهولندية باتهام إسرائيل للصبية دون وجه حق.
توفيت مرغريت تيدراس بهدوء عن تسعين عاما، أما صورها وهي تحمل العلَم الفلسطيني فقد تصدرت خبر موتها، وهنا كانت أسطوانة الوجود التي تدور، معلنة عن اللحن النشاز في الموسيقى الراضخة لميكرفون الصهيونية، لقد رفضت مرغريت جميع الاغراءات الصهيونية وبقيت متضامنة مع الشعب الفلسطيني وقضيته، وهنا نحن نتساءل ماذا قدمنا لها في المقابل؟ ماذا نمنح هؤلاء مقابل التحدي والوقوف أمام عواصف الصهيونية؟ ونحن نعرف معنى الفنان والانسان الأجنبي عندما يواجه أصابع الصهيونية التي تمتد الى جميع الزوايا، فهم يملكون خيوط الأعمال والشركات والمال والتوهج الإعلامي يملكون المناصب والقدرة على رفع الفرد إلى أعلى، وأيضاً القدرة على انزال ذلك الفرد، ومحاربته وتشويه سمعته، لذلك ليس كل واحد يجيد الوقوف في عالم الحيتان والذئاب؟ ليس كل واحد لديه القدرة على دفع كمبيالات التضامن مع الشعب الفلسطيني! إلا اذا كان هذا الا كان هذا الانسان خارجاً من معطف الرؤيا والفكر والمشاعر الإنسانية، وقارئ جيد للتاريخ ومعرفة تفاصيله.
عشرات الأسماء الفنية والأدبية الغربية، التي تضامنت مع الشعب الفلسطيني، ماتت بهدوء دون أن يشعر بها شعبنا في الوقت الذي كان وما زال الأديب و الفنان العربي يمشي الحيط الحيط وبقول يا رب السترة ، مع أن بعض الفنانين العرب وخرجوا من حالات اللامبالاة التي عُرفوا بها و اهتموا بالقضية الفلسطينية، أذكر عند لقائي مع الفنان نور الشريف، اعترف أن الفيلم الذي أنتجه عن حياة ومقتل رسام الكاريكاتير ناجي العلي خسر به خسارة فادحة وغرق في الديون، ولم تعوضه أي جهة عن خسارته، خاصة الجهات الفلسطينية التي لم تهتم بشراء الفيلم وعرضه.
لا ننسى أيضاً موقف الفنانة الملتزمة نادية لطفي التي عاشت حصار بيروت عام 1982 حيث تواجدت هناك، وقامت بتصوير حياة الناس والمقاتلين في بيروت الغربية، وفي احدى الأمسيات التي جمعتني معها في بيتها، أخرجت من خزانتها أكياساً ضخمة تحوي مئات الصور ومئات الأفلام التي بحاجة الى تحميض، عدا عن عشرات أفلام الفيديو التي سجلت فيها البطولات الفلسطينية واللبنانية والحياة تحت الحصار الذي تجلت فيها المقاومة، وتمنت يومها أن تجد جهة فلسطينية تتبنى وتهتم بإصدار ذلك في كتاب أو في فيلم سينمائي، ولا نعرف الآن مصير تلك الأفلام والصور؟ الفراغ التضامني الفلسطيني الفني العربي والغربي يصيب الواحد منا بالتساؤل عن دور القيادة الفلسطينية في رفع شأن تلك الأسماء وشكرها بعدة طرق، وترسيخ تلك الأسماء في الذاكرة، هل علينا مثلاً نسيان الصحفي الإيطالي فيكتور اريغوني الذي شارك في حملة كسر الحصار على غزة ففي عام 2007 استقل أول سفينة وصلت الى ميناء غزة، كتب يومها (واحدة من أسعد لحظات حياتي) وقد وصف الحصار بالجرم والدناءة، ووقف كدرع بشري لصيادي غزة أمام السواحل، وقد وصف إسرائيل من أسوأ أنظمة التمييز العنصري على مستوى العالم، وقبل اختفائه كتب تهريب الغذاء لغزة عبر الانفاق معركة خفية من أجل البقاء ، هذا الصحفي لم يلق الاهتمام والشكر، بل قامت مجموعة سلفية في غزة مجموعة الصحابي محمد مسلمة واختطفته، وقد طالبت القوى الفلسطينية بالإفراج عن معتقلين سلفيين، لكن في 14 نيسان عام 2011 وجدت جثة فيكتور اريغوني في منزل مهجور في غزة.
هل ننسى الممثلة الإنجليزية فانيسيا رديغريف الفنانة التي التزمت بالقضية الفلسطينية، وواجهت المظاهرات ضدها عام 1977 حين اشتركت بفيلم وثائقي عن القضية الفلسطينية، وازدادت المظاهرات عندما حصلت فانيسيا على جائزة الاوسكار، وفي حفلة الاوسكار هاجمت بشجاعة الذين هاجموها وقد قالت عنهم (حفنة من السفاحين الصهاينة)، وبعد ذلك عارضت الحرب على العراق وسارت في المظاهرات ضد إدارة بوش، ورغم انها محاصرة من قبل الشركات المنتجة وابتعدوا عنها، إلا انها ما زالت تقف الى جانب القضية الفلسطينية.
هناك من يقف ويتأمل المشهد الفلسطيني ويندفع في التأييد، ولكن بعد ذلك يتراجع ويتساءل عن الثمن الذي سيدفعه، حتى لو أخذ يفلسف الأمور الفنية والسياسية يبقى الهروب هو أفضل الحلول لكي تبقى موجوداً، كما جرى مع المخرج اليوناني الفرنسي كوستا غافرس الذي شغل العالم عام 1983 بفيلم "حنه ك" بطولة محمد بكري والذي تحدث فيه عن معاناة الفلسطينيين وحقهم التاريخي بالأرض، وشكل الهجوم عليه تراجعاً، سرعان ما أخرج فيلم صندوق الموسيقى الذي يحكي عن قضية الهولوكست، وكان ذلك عام 1989.
تلك الأسماء الغربية المؤيدة للشعب الفلسطيني ليست عابرة في الذاكرة الفلسطينية، بل هي الأسماء التي واجهت وتحدت وقاتلت، فهناك من خسر عمله وقاموا بمحاصرته، وقاموا بإطفاء توهجه اذا كان فناناً ومعروفاً، لذلك نحن علينا كقيادة فلسطينية وكمسؤولين أن لا نبكي سراً رحيلهم، ونلتقط لهم الصور وهم يحملون الاعلام الفلسطينية، من الحماقة أن لا نقدم لمجتمعهم زيارة وفاء، ونقوم على دعم مشاريع تحمل أسماءهم، كيف لا نقدم لعائلة الصحفي فيكتور اريغوني الذي قتل في غزة الشكر والتوجه الى مدينته لعمل شيء يخلده، نقول لعمره وسنواته وحياته الغصن الذي قصف في عز اخضراره، شكراً، لذلك يجب أن تشكر القيادة الفلسطينية عائلة مرغريت وتخصص جائزة في هولندا على اسمها، بذلك يشعر الذين حولها ان الشعب الفلسطيني يملك الوفاء.
