لَواذِع...

single


   الناظر نظرة موضوعية وواقعية لما يدور حوله في المجتمع القريب والبعيد ويكون صريحًا مع نفسه وذويه، يمكنه وبدون عناء أن يدرك وعن كثب بأنها كثيرة هي القيم  والعادات والتقاليد والركائز التي بني عليها المجتمع وخاصة تلك الشيم والخصال الطيبة المتعددة، قد أخذت تتبدّل وتتغير وربما بدأت بالذوبان والانصهار، فمنها ما هو سريع الذوبان وإلانصهار حيث بقيت منها فقط الانقاض، ومنها ما هو متأصل يصعب عليه مفارقة المجتمع أو التبدل أو التغير ولا يزال متناولًا في أيادينا وننتهجه في حياتنا اليومية.
   وقد يتأكد هذا الناظر بأن العوامل الكثيرة والمتنوعة منها الايجابية وعلى الغالب تكون سلبية تلعب دورًا كبيرًا في صهر هذه القيم وتذويبها وببطء متكامل، وقد يأتي اليوم الذي فيه يعلن المجتمع نعيًا أكيدًا وصريحًا لهذه القيم التي قد لا تعود حتى ولو رغبت بذلك نتيجة لعوامل الزمن الكثيرة.
    فلا يمكن لأحد منا انكار ما يراه بأم عينيه ويسمعه بأذنيه ومن المصدر الأول، وعلى سبيل المثال ، نرى الجيل الناشئ والشباب المعتمد لرجال المستقبل، نراه بعيدًا كل البعد عن أنماط أهله وذويه في نهجه اليومي في غالب الأحيان، فلا نرى إحترامًا لمن هم أكبر منه سنًا، ونراه لا يحترم الوجهاء، الشيوخ والكهول، فيتقدّم الشيخ والكهل ويسابق الأكبر منه سنًا في المجتمع وفي المناسبة أيًا كانت، ضاربًا عرض الحائط كلما يعرفه من القيم واحترام الغير ويبرز ذلك أكثر وأكثر عندما يكون في مناسبة فرح مثلًا أو أي مناسبة أخرى احتفاليّة، فنراه يشرئب بجسمه ويتطاول بعنقه وكأنه في مسابقة عدو معينة ويقف أمام الشيخ أو الكهل أو أي انسان آخر أكبر منه سنًا وربما دون الشعور بالاساءة أو تجاوز الحدود، فهذا ما يتنافى مع القيم الصحيحة التي يرتكز عليها المجتمع، وكذلك الحال في الأتراح مثلًا نرى الأمر يتكرر وفي المجالس الاجتماعية حيث يدور الحديث في مواضيع الساعة أو بأي موضوع آخر، نرى هذا النفر من الجيل الناشئ بكل وقاحة يقاطع في الحديث دون تعليل لذلك، وربما يتطاول في حديثه ضاربًا عرض الحائط  بآداب الكلام وآداب الاستماع وألأكثر من ذلك يطلق كلمات وجملًا نابية قد تمس بالآخرين، وتراه أيضًا في بعض الاحيان يجلس في مجالس الرجال وقد أشعل سيجارة ولا يتصرف بأدب، ويجلس وكأنه جُبِلَ من طينة أخرى ، وقد يظهر بلباس مخزٍ وممزق من أطرافه وبقصد ويكفر أيضًا في أحاديثه بمعظم العادات والتقاليد والقيم التي نشأ وتربى عليها أجداده وذووه ونقلوها الى الخلف من بعدهم ، ذلك للحفاظ على ترابط أواصر التعاون ، التآخي والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع.
   نراه وربما نسمعه يمقت كل ما ذكر ناعتًا  إياها بأنها عادات بالية لا مكان لها في هذا العصر.. وقد يجرح غيره في الحديث وكأن الامر لا يعنيه وقد يهزأ في كثير من الأحيان بوالديه وبطرق معيشتهما وبتصرفاتهما، ويخرج بدون نظام ويعود كذلك، ويأخذ زمام المبادرة لنفسه بأمور تافهة لا تليق به وكأنه مجرد من كل قيم اجتماعية وادبية وانسانية من أية روابط أخوية اهلية وأبويّة.
    وهنا تتبادر عدة أسئلة : الى أين سيصل هذا النشء ؟ وعلى ما يرتكز؟ وماذا يبغي؟ فإن كان يبغي التطور والتقدم فالأمر ليس كذلك، وان كان يرنو ويتطلع الى الأفضل فانه لا يسير في الطريق الصحيح، وان كان يرغب في التغيير والتجديد حقًا ، فليس هكذا تورد الأبل.
   فالتقدم والتطور في التجديد والتعلم والابتكار والصراحة التي تحافظ من خلالها على القيم والعادات والتقاليد الأصيلة لأن في ذلك التقدّم الصحيح والتطور ، وفي نفس الوقت الحفاظ على الاصل والفصل دون الانصهار.
 والأفضل معناه العيش في ظل فهم الحياة وتسخير آلياتها الحديثة لمصلحته هو ولمصلحة ذويه ومجتمعه دون المس بقيَمِهِ  أو تذويبها.
 والتغيير ليس معناه طمس القيم واستبدالها بعادات بالية لا تتلاءم والحياة أو المأخوذة عما يسمى  (الحضارة العصريّة) التي قد تنسي المرء أصله وفصله وربما تجرده من قيمه وجوهره وعن كنهه هو بالذات.
 وهنا وعلى ضوء ذلك يترتب على النشء الجديد الذي يتأثر كثيرًا بما حوله وبالحياة التي نعيشها ويعرف من هو ومن أين أتى وما هي القيم التي ينبغي ان تبقى متأصلة في المجتمع بدلًا من الذوبان ، ويعمل ايضًا على تدعيمها وتعزيزها ليكون المجتمع وأفراده متطورين متجددين متقدمين وفي نفس الوقت حريصين على الجوهر والصفات والعادات التي تدعو الى الإحترام المتبادل وترسيخ ما هو ايجابي ونبذ ما هو سلبي ، هكذا يمكنه الانجاز والتطور مع الصمود الأخلاقي والاجتماعي أمام تحديات الزمن المتقلّبة والمتتالية يومًا بعد يوم.



(أبو سنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الشعوب تمهل ولا تهمل

featured

قروا عينا يا من ثقبتم الجبل بابرة

featured

ليسقط الفاشل نتنياهو وحكومته

featured

اليوم "أمر"

featured

ابرتهايد المواصلات العامة

featured

"عصا موسى" !