شيء ما مثير للفضول في طريق موسى ناصيف ، كأنك تقول "طريق النحل" .. من القرية اللبنانية الحدودية الفقيرة عين ابل ، تخرّج من مدرستها الابتدائية ، وهاجر الى حيفا ليلتحق الطفل موسى بجيش العمال الاطفال ، فيذوق طعم الاستغلال في مصنع التبغ .. وفي كشك لبيع الصحف يعبّرعن حماسته لألمانيا النازية ، فيتلقى صفعة حنونة وأفكارا بديلة من صاحب الكشك القائد الشيوعي بولس فرح ، ومع الصفعة نسخة مجانية من جريدة الاتحاد ، يتعرف عبرها على كلام جديد ومفاهيم جديدة ، وقيم بديلة تشقلب نظام الاشياء ورتابتها في عالمه اليافع ، وتضع أمثاله من العمال في مركز هذا النظام ، فيكتشف طريقه الى الحزب الشيوعي .. محرضا ثوريا ومناضلا أمميا لا يكل.
ومن المفارقات أن يكون هذا اللبناني الاصل ابن "عين ابل" ، من بين الذين اقتلعتهم نكبة فلسطين ، وهجّرتهم من حيفا الى عين ابل ، مسقط رأسه في جنوب لبنان ، فيقوم "بالتسلل" عبر الحدود مع العائدين الى وطنهم فلسطين ، كافرا بما أفرزته معاهدة سايكس – بيكو من تمزيق للوطن الكبير، ويتعرض للمطاردة الى ان يستقر في نهاية الشوط في المغار الجليلية ، ثم في حيفا ثائرا عربيا أمميا يقدم لنا اليوم كتابه المتميز "مقالات ثائر عربي أممي "..
عندما تلتقي ابو سامي ابن التسعين عاما ، ليلا او نهارا، فإما أن تجده في طريقه الى العمل، او في طريقه من العمل، وإلا فإنه في طريقه للمشاركة في عمل نضالي او عائد من هناك .. في التسعين من عمره ، يعمل موسى ناصيف بشكل مثابر في حراسة ورشة عمل كبيرة في منطقة خليج حيفا ، وما الغرابة في أن ينام صاحب العمل مطمئنا ؟!
فموسى ناصيف كما يشهد عليه كتابه ، متمرّس في الحراسة ، هو الحارس أبدا .. لا يتوقف عن حراسة نقاء الفكر وصفاء الموقف السياسي والاجتماعي والنهج المبدئي . هو الشاهد وهو الحارس الذي يحرس طريق الشيوعيين وحلفائهم من الوطنيين التقدميين ، من الشوائب والحفر والهبّطيات ، وهو الحارس الذي يحرس الأمل بغد أفضل للطبقة العاملة وللفئات الشعبية المظلومة والشعوب المضطهدة والواقعة تحت الاحتلال والاستغلال والاستبداد .
ويثبت كتاب ابو سامي ، أن السياسة ، ليست بالضرورة للسياسيين .. لكن بالضرورة أن تكون السياسة الثورية للثوريين ..
وإذا كان لي ان أصف مقالات هذا الثائر العربي الاممي – لقلت انه يقدم لنا في كتابه زخما كبيرا من : "السهل الممتنع" الذي لا يقوى عليه ، الا صاحب وعي طبقي عميق ، وممارسة كفاحية واسعة ، وحس وطني وطبقي مرهف ، مجبول بالمعاناة ، يحمل معه جينات جيل متميز من الشيوعيين الشجعان ، من خلاله يقرأون التطور الجاري في القضايا القومية والعالمية واليومية الاعتيادية.
وموسى ناصيف ثوري يسبح في المياه العميقة ، وبحار يبحر في أعالي البحار والمحيطات ، ثوري لا يمكن أن يحصر اهتماماته في محيطه المباشر ، ولا يمكن حصره في وحدة تحليلية ضيقة وانتماءات انعزالية منغلقة . إن ما يميز كتابه الغني المثري ، أنه يأخذك في رحلة في التاريخ، والسياسة ، والاجتماع، والصراع الطبقي، متجاوزا كل الحدود الجغرافية ، وأداته التي يرتكز اليها في في هذه الرحلة المثيرة ،تتمثل في التحليل الطبقي الواعي والواضح ، وفي انحيازه المعلن للأكثرية المنتجة في المجتمع ، للطبقة العاملة والفقراء والمسحوقين ، وانحيازه الى المعركة على تغيير النظام الطبقي الاستغلالي واستبداله بنظام العدالة الاجتماعية والاشتراكية .
يقرأ موسى ناصيف القضية القومية قراءة طبقية ، ويقرأ العولمة الراسمالية قراءة طبقية ، ويقرأ القضية الطائفية قراءة طبقية ، ويقرأ الحروب وأنظمة الاستبداد ، ويقرأ الثورة والثورة المضادة قراءة طبقية ، ويقرأ العلاقة الجدلية بين العالمي والمحلي ، وطبيعة التفاعل بين مراكز الرأسمالية وأطراف النظام العالمي ، ويدأب على التحريض الثوري ، ولا يتوقف عن مخاطبة الطبقة العاملة والشرائح الشعبية المستضعفة ، يحثها على النضال وبناء وحدتها الكفاحية ... ويراهن في المعركة غير المتكافئة التي يخوضها مع رفاق دربه ، على تثوير العاملين والمضطهدين على أساس أممي ، ورفع جاهزية الشرائح الشعبية للمشاركة في النضال وفي خوض السياسة الثورية التقدمية .
في مواجهة مصادر الوعي الزائف !
يقارع العامل موسى ناصيف دور مؤسسات اعادة انتاج الوعي الزائف التي تضع في مركز نشاطها، وضع المبررات لاستمرار شرعية النظام الطبقي القائم كلما اهتزت شرعيته ، من صحافة برجوازية ، الى جهاز التعليم ، الى المؤسسات الدينية الرسمية التابعة عادة لنظام الحكم، الى الفضائيات، أداة رأس المال المعولم الكبير للتحكم بالعقول وترسيخ الوعي الزائف . .. الى مراكز الابحاث والجامعات ..
ويتوقف ناصيف عند "المفكرين" ومثقفي البلاط ، ويخص منهم أولئك المرتدين عن الماركسية، والذين تحولوا الى أدوات رخيصة في خدمة مشاريع تفكيك الدول ، وتفتيت الشعوب ، ونقل الصراع من ميدان السياسة الى ميدان الدين ، ومن التاريخ الى خارج التاريخ ، وإثارة العصبيات الطائفية وعمليات التجريف الإثني ، في خدمة مشاريع الهيمنة الامبريالية والاستبداد المستندة الى عكاكيزها الرجعية المهترئة، المتحالفة مع العدوانية الاسرائيلية والمحمية بها .
ويتهم هذا الثائر مفكري البلاط، بالتنكر لمفهوم مقاومة المشاريع الامبريالية في المنطقة وللتواطؤ الرجعي معها ، وبالإمعان في التضليل والتنكر لحق الشعوب المقهورة وطبقتها العاملة في خوض الصراع الطبقي والوطني التحرري .
إن العصب الرئيسي الذي يميز نهج موسى ناصيف ويوحد مقالاته ، أنه لا يكتفي بأن يعرف النظرية في جانب واحد ، و يناضل بموازاتها أو بمعزل عنها نضالا سياسيا واجتماعيا منفصلا في جانب آخر.. فنضاله مغموس بالنظرية الثورية ، مندمج فيها اندماجا عضويا ، لا يقوم خارج سياقها ، ولا يقوم فهمه لها خارج سياق الممارسة الكفاحية ... فالنظرية التي تشرّب اسسها اعتمادا على حسه الطبقي المتطور، ومعاناته من الاستغلال الطبقي ، هي، هي ، أداته الكفاحية الاكثر نجاعة لفهم الواقع وتغييره .
ومقالات موسى ناصيف الفكرية والسياسية تشي بأنه يفهم الاحداث ويراها بمنظار النظرية الثورية ، يحلل القضايا العينية والسياسية استنادا اليها ، وهو عندما يخوض معركة سياسية او اجتماعية ، أينما كانت - في قريته اللبنانية الجنوبية - "عين ابل" او في " قصره الشتوي" (براكية العمال ) في حيفا .. في بوليفيا او في اندونيسيا ، في سياتل او في العراق ، في فنزويلا أو في سوريا ، فإنه يحللها اعتمادا على النظرية الكبيرة ، وقوانين التطور الاجتماعي، ومفاهيم الصراع الطبقي التي استوعبها حتى النخاع ، واعتمادا على استراتيجية بناء وحدة المقهورين والمسحوقين من جميع الشعوب والاديان والاثنيات ، في مواجهة وحدة المضطهدين (بكسر الها) من جميع الشعوب والاديان والإثنيات . لأن التقسيمة الحقيقية الحاسمة في نهاية الامر ، ليست أفقية بين الشعوب والاقوام وعلى أساس الانتماء الديني او الاثني ، لكنها بين أولئك من جميع الشعوب والاديان والانتماءات الاثنية المعنيين بالحفاظ على النظام الطبقي القائم وعلاقات الهيمنة القائمة، وأولئك المعنيين بتغيير هذا النظام وهذه العلاقات تغييرا ثوريا . وهو يجعل بذلك من التجربة النضالية العينية ، مدماكا إضافيا في إثراء النظرية العلمية الثورية .
فاذا كان العمق النظري يسند التجربة العينية ويضعها في سياقها الواسع العام ، فإن الممارسة السياسية الكفاحية ، والنضال الثوري، والصراع الطبقي العيني، مهما كان محليا ، يرسخ النظرية والفكر ويثريه .
وهذا هو سر بقاء النظرية الثورية وشرط تجدد الفكر الماركسي اللينيني . وهذا هو طابع المساهمة الكبرى التي يحملها معه موسى ناصيف ورفاق دربه وطبقته المناضلة.
إن النظرية الثورية الماركسية بهذا المفهوم هي – عصا موسى السحرية .. ولكنها في هذه المرة هي عصا موسى ناصيف.. التي يشق بها بحر الظلمات والاستغلال والاستعباد ، لينقل الطبقة العاملة والكادحين ، من العتم والظلام ، الى نور التحرر والكرامة الانسانية ، وبديل العدالة الاجتماعية الاشتراكي في تجاوز للرأسمالية .
بهذه العصا .. يضرب موسى ناصيف البحر مع الكادحين الثوريين في طول العالم وعرضه ، في مقاومة مشاريع الهيمنة الامبريالية ، والعولمة الرأسمالية والليبرالية الجديدة . بحثا عن تحرر الطبقة العاملة والشعوب المضطهدة ، والفقراء والمغلوبين والمضللين ، الذين كثيرا ما يشكلون فريسة سهلة لأضاليل الفكر الديني الاصولي ، والعصبية القومية والتفكيك الاثني ، والطائفية البغيضة ليتسنى للمضطهدين (بكسر الها) والفاشيين إخضاعهم والسيطرة عليهم ، وسحق انسانيتهم والهائهم عن حقوقهم .
وما أحوجنا في هذه الايام بالذات الى عصا موسى ناصيف ، يضرب بها البحر الاحمر نفسه، ويشقه ليجعل منه بحرا ثوريا أحمر . لأننا في أمسّ الحاجة الى القيام بالفرز الضروري الذي يضع في الجهة الواحدة من "العاصفة" تحالف العدوانيين : الامبريالية الامريكية.. والصهيونية.. وكراكيب الرجعية العربية، بقيادة السعودية وقطر.. وما أدراك ما قطر.. وما حدا ، يغريه أن يتزحلق على قشرة "موزة " ، توصله الى الدوحة او الى الجامعة العربية ، ووخصوصا أقطاب القائمة المشتركة ، ، حتى ما نقول له :"دوحة بلا رجعة " .. ففي الجهة الاخرى من شق البحر، شعوب المنطقة المكافحة والمتعطشة للتحرر من الاحتلال والتبعية والاستبداد والتخلف والارهاب ، والتي تقاوم المشاريع الامبريالية الرجعية في عالمنا المعولم ، من اليمن إلى سوريا ، الى المقاومة اللبنانية الى فلسطين.. ومن بوليفيا الى فنزويلا وكوبا . وإلى هؤلاء ينتمي موسى ناصيف وأولئك قومه .
مداخلة عصام مخول في حفل تكريم الرفيق العامل والمثقف الثوري موسى ناصيف لمناسبة بلوغه تسعين عاما، وتزامنا مع صدور كتابه "مقالات ثائر عربي أممي" ، نظم اللقاء التكريمي الاسبوع الماضي بالتعاون بين نادي حيفا الثقافي ، ومعهد إميل توما للدراسات الفلسطينية والاسرائيلية .
