*إطلالة على القضية الفلسطينية- الجزء الثاني // المؤلف: عبد المجيد حمدان // إصدار- المركز الفلسطيني لقضايا السلام والديمقراطية- 2009 // 568 صفحة*
الصورة: لاجئون فلسطينيون عند وصولهم مدينة صور اللبنانية
//مقدمة
التاريخ يضج بالوقائع. والسؤال المركزي هو كيف يمكن ترتيب هذه الوقائع، ورؤية الصورة بشقيها؛ بعيدًا من الخارج، وقريبًا، في حركتها الداخلية؛ في صراعاتها وتناغماتها.
وتاريخ القضية الفلسطينية، من حيث تجمع كم هائل من العوامل، المحلية والصهيونية والعربية والعالمية، على مسرح صغير، يجعلها تتفرد من حيث تشابك هذه المصالح والطموحات ومن حيث حدة تناقضاتها، ومن حيث العبث الذي يلوح في كل صفحة من صفحات تاريخها.
كتاب عبد المجيد حمدان، "إطلالة على القضية الفلسطينية"، برأيي هو كتاب تأريخي ملحمي، إذا كان من الممكن استعارة مصطلح "الملحمة" من عالم الأدب، وذلك بمفهوم رسم الصورة العامة للشعب الفلسطيني عبر القرن الماضي، من أوجه متعددة وبالغة التعقيد، بغرض تسجيل تسلسل منطقي ومتميز لأحداث عاصفة، وغالبًا مجهولة مصادر تحريكها ومن تخدم ومن تضر، ولم يكن بالإمكان إدراكها، سوى من يملك شمولية النظرة ويضع يده على نبض الأحداث حتى الصغيرة منها.
وفي إطار السعي لفهم واسع للتاريخ وليس فقط وضع الأحداث بتسلسلها الصحيح، من واجب المؤرخ برأيي أن يقدم وجهة نظره، لأنه الأكثر قدرة على ذلك، فالمادة التي يعرضها، هي جزء قليل من كم كبير من المراجع التي درسها دراسة عميقة، وفي الوقت نفسه، ومن أجل تقديم عرض موضوعي، يتوجب عليه عدم إغفال عرض أحداث قد تضعف وجهة النظر التي يحاول بلورتها.. وبالتالي فالباحث يتحمل المسؤولية الكبيرة في بلورة الفهم العام للجمهور.
وبرأيي أن الباحث عبد المجيد حمدان قد فعل ذلك بكل الحزم المطلوب، وكتابه "إطلالة" برأيي هو نموذج لباحث، يريد الوصول بصدق إلى نتائج تعود بالفائدة علينا جميعًا، ليخرج علينا بهذا الكتاب الذي برأيي هو أكبر بكثير من إطلالة؛ إنه فهم عميق شامل لأحداث ما زالت تؤثر على مجرى حياتنا كشعب وكأفراد. لقد كتب حمدان هذا الكتاب المرجع، بحزم وشجاعة الباحث، وبحس إنساني عميق، وبحب كبير متدفق لشعبه.
***
يبحث الكتاب في مواضيع، كانت إما يلفها الضباب وإما غائبة كليًا، ومن هنا أهميته الكبرى خاصة للأجيال الصاعدة، ومنها:
- التقسيم كان مسلم به على أرض الواقع، ومسلم به، أيضًا، من قبل الفلسطينيين أنفسهم، ناهيك عن الدول العربية التي اعترفت، دي فاكتو، بالتقسيم ولم تقترب من حدود الدولة اليهودية
- التأثير السلبي لفوضى السلاح، التي سادت على هامش ثورة الـ 36، على استعداد الجماهير الفلسطينية لمواجهة التحديات في العام 1948.
- عدم قدرة القيادة الوطنية الفلسطينية على فهم التغييرات في العالم وبالتالي وقوفها ضد التطورات العالمية في مفصلين هامين؛ الوقوف إلى جانب النازية ورفض قرار التقسيم.
- نجد في الكتاب، ترجمة بالغة الوضوح، وربما بشكل غير مسبوق، للمقولة التي وضعناها حول التحالف بين الاستعمار والصهيونية والرجعية العربية.
- فضح الفرية الكبرى وكأن اليهود كانوا في خطر إبادة في الوقت الذي عرف فيه كل المسؤولين، على أرض الواقع، أن الميزان العسكري هو لصالح الصهيونية حتى في مواجهة الدول العربية مجتمعة.
- يحمل الكتاب أهمية كبرى في النقاش الدائر اليوم حول تأثير الجرائم النازية على حدوث نكبة فلسطين.
- مأساة اليهود في الدول العربية، وخاصة في العراق، الذين أجبروا، نتيجة تآمر صهيوني رجعي عربي، لاقتلاعهم من بلادهم، بالرغم من رفضهم لذلك.
- وهنالك الكثير من المواضيع التي يشملها الكتاب، وهي هامة.
**
هذا الاستطلاع لهذا الكتاب، الذي يأتي من خلال عدة مقالات متواضعة، يأتي في الأساس لفتح الأعين على هذا الكتاب القيم، وبالتالي الدعوة الحارة للاستفادة منه، وبالتالي فهذه المقالات، إذا نجحت في مسعاها، فما هي إلا لفتح الشهية لقراءة الكتاب نفسه.
ولكن قبل الخوض في استعراض هذا الكتاب وما يمكن لنا أن نتعلم منه، فبودي الإشارة إلى أمرين راوداني خلال قراءتي هذا الكتاب:
- الأول، هو الاعتزاز بوجود مفكر لدى شعبنا الفلسطيني بهذا الحجم وبهذه السعة وبهذا العمق وبهذا الإطلاع على التجارب الإنسانية، ومن حيث القدرة على وضع الكم الهائل من المعلومات في سياقات مناسبة، للوصول إلى النتائج المناسبة، فأمام الكم الهائل من المعلومات قد تضيع البوصلة ويقد يطمس الثانوي الأساسي. ومن هنا فهذا الكتاب، بشقيه، برأيي هو المرجعية الأكثر شمولاً ووضوحًا وجرأة في وضع الأمور في نصابها وتقدم الدعم الكبير لكل الساعين للوصول لتحليل عميق للقضية الفلسطينية.
.jpg)
عبد المجيد حمدان – عمل تاريخي وسياسي مهم
- والأمر الثاني الذي راودني، خلال القراءة، هو الحزن والإشفاق على هؤلاء المبدعين، الذين يقضون الأيام والليالي على مدى سنوات، من أجل كتابة ما يفيد هذا الشعب في معركته القاسية من أجل التحرر وارتياد ساحات العصر، ومع ذلك فالمهتمون قلائل لدرجة محزنة. وأكثر من ذلك، فقد شعرت أكثر بالحزن على جمهورنا الذي لا يقرأ، وبالتالي لا يعرف ولا يمكن له أن يستفيد من التجربة.. وفي حينه لدى استعراضي لكتاب المناضل نمر مرقس، "أقوى من النسيان"، تعرضت للشعار الذي رفعه المبدع الراحل إميل حبيبي: "حتى لا تضيع هذه التجربة هباء". كيف لا تضيع التجربة هباء ونحن لا نقرأ عنها. وعندما لا يقرأ جيل وراء جيل، تضيع التجربة ونعود إلى نفس الأخطاء التي من المفروض أن تكون كتب التاريخ قد علمتنا إياها.
// التقسيم على أرض الواقع
يظهر لدى كثيرين- وخاصة للأجيال الصاعدة البعيدة عن أحداث الـ 48، وغير الملمة بالواقع الذي ساد عشية النكبة- وكأن قرار التقسيم، جاء من العدم. وأن الموافقة على التقسيم جاءت خارجة عن السياق.
الحقيقة أن الشيوعيين- بمبدئية وبروح قيادية غائبة عادة عن الزعامة العربية في مصارحة شعبها- قالوا الحقيقة لشعبهم، في اللحظة الحاسمة. صحيح أن موافقتهم على قرار التقسيم، لم تغير من سير الأحداث. لكن مما لا شك فيه، وهنالك الكثير من الأدلة التي تثبت ذلك، أنه لو تبنى التيار المركزي في القيادة الفلسطينية هذا الموقف، أي الموافقة على التقسيم، وتم وضعه بقوة وبدون تلعثم، لأربك ذلك المخططات الصهيونية، التي كانت بحاجة إلى ذريعة من أجل تنفيذ مخططاتها الموضوعة سنوات عديدة قبل العام 1948، وعلى الأقل كان ذلك قد أظهر للعالم الطبيعة العدوانية للحركة الصهيونية، ولا يمكن الاستهانة بذلك، فالشعب الفلسطيني الصغير بحاجة لتضامن العالم، لا لعدائه.
يذكر الكتاب الذي نحن بصدده، اعتمادًا على تصريحات عديدة مقرونة بتحضيرات جدية أنه "ومنذ أن رسا خيار بن غوريون والحركة الصهيونية برمتها، وأداتها الوكالة اليهودية، على خيار الحرب، تحول الخيار إلى هدف." (ص 327)، وهذا الهدف كان بحاجة إلى مسوغات، والرفض الفلسطيني، مدعمًا بالموقف العربي المتآمر، لقرار التقسيم ساعد على إظهار العرب رافضين لقرار الأمم المتحدة وأن وجهتهم هي الحرب والقضاء على اليهود الخارجين للتو من المحرقة النازية.. في الوقت الذي كان فيه التقسيم قد أصبح موضع إجماع عالمي، يتبناه الشرق والغرب، وبهذه الصفة فالرفض الفلسطيني قد وضع قيادة هذا الشعب في موقع حجر العثرة لاتجاه عالمي جارف، في الوقت الذي أدركت فيه القيادة الصهيونية اتجاه الريح في العالم، فأعلنت موافقتها على قرار التقسيم ظاهرًا وعملت على تقويضه بالممارسة (وسنعود إلى ذلك لاحقًا).
وهكذا وقفت القيادة الفلسطينية، في مفرقين تاريخيين، خلال أقل من عشر سنوات، في خانة المعادي للإجماع الدولي، الأول موقف الحاج أمين الحسني المؤيد لألمانيا النازية، والموقف الثاني هو رفض قرار التقسيم، بدون القدرة على وضع برنامج بديل.
تحت غطاء المواقف المتطرفة للقيادة الفلسطينية، التي لا رصيد لها على أرض الواقع، عملت القيادة الصهيونية على تحقيق أهدافها. هذه الأهداف وُضعت في العام 37، أي قبل 11 عامًا من النكبة، والهدف بعيد المدى، آنذاك، كان تفريغ البلاد من العرب، وأنه من أجل تحقيق هذا الهدف، رأت القيادة الصهيونية، أنه يجب توفير ظروف حرب، لأنه بدون ذلك من الصعب على العالم القبول بهذا الترانسفير، وكلما لاحظ بن غوريون أن العرب يجنحون للهدوء، وهذا غالبًا ما كانوا يفعلونه، كان يجتاحه القلق.
وحول هذا الموضوع يقتبس الكاتب عن المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابه، الذي يقول: "كانت ردة الفعل المعتدلة في العواصم العربية- كانون أول 1947 – المحيطة بفلسطين محط ترحيب لدى الهيئة الاستشارية لبن غوريون، لكن ردة الفعل الفلسطينية اللامبالية والمتقاعسة تقريباً، أزعجتهم"... "ولكن لـِ "حسن حظهم" وسّع جيش المتطوعين العرب، في وقت ما، نشاطاته ضد القوافل والمستعمرات اليهودية، وبذلك سهل على الهيئة الاستشارية وضع سياسة الاحتلال والطرد في إطار شكل من أشكال الرد الانتقامي".(284)
// مئات الاتفاقات المحلية:
ويمكن القول إن التقسيم لكيانين، كان حقيقة واقعة، ومعترف به، ليس فقط من قبل ممثلي الدول أعضاء هيئة لأمم المتحدة، بل من الفلسطينيين أنفسهم، الذين تصرفوا في نهج حياتهم اليومي على أساس هذا الواقع. فعلى صعيد الجماهير الفلسطينية، يكتب حمدان أن هنالك قرى "وقّعت معاهدات عدم اعتداءات مع جاراتها المستعمرات الصهيونية". وفي هذا الإطار يقتبس المؤرخ الإسرائيلي سمحا فلابان الذي يقول "لم يرد الفلسطينيون ولم يعتقدوا باللجوء للحرب. وفي غياب قنوات رسمية للتعبير عن معارضتهم، حاولوا حماية أنفسهم من أخطار الحرب، باستخدام الوسائل التي كانت في حوزتهم وهي: اتفاقات محلية مع جيرانهم اليهود، ضد الهجمات المتبادلة، وضد الاستفزاز والأعمال العدائية.".. ويؤكد فلابان استناداً إلى الوثائق: "مئات من مثل هذه الاتفاقات تم ترتيبها بين قرى عربية وكيبوتسات وموشافات مجاورة، بين عمال عرب ويهود في مواقع عمل مشتركة، مثل الموانئ، معسكرات الجيش –البريطاني- السكك الحديدة، مصانع تكرير البترول، والخدمات البريدية، وحتى بين رجال أعمال يهود وعرب، تجار وأصحاب مزارع وغيرهم." (ص 281)
//والأحزاب والحركات السياسية أيضًا
وهذه الأجواء التي سادت الشارع الفلسطيني، أي التسليم بالتقسيم، بسبب الإدراك العميق ، أنه ليس بالإمكان التصدي لذلك، لم يكن فقط من شأن القرى، التي تصرفت بشكل منفرد، كل على حدة، بل كان ذلك هو الموقف لدى أحزاب فلسطينية، ويواصل حمدان فيقول أنه "تم الكشف على أن أحزاب فلسطينية مختلفة، منها أحزاب الدفاع والاستقلال والإصلاح قبلت بالتقسيم واستعدت للتعايش ضمن الحالة الجديدة. لكن هذه الأحزاب، وقيادات وطنية أخرى، خافت من الكشف عن مواقفها بسبب عنف الهيئة العربية العليا" (ص 16). ويضيف بهذا الصدد: "ويؤكد (المؤرخان) سمحا فلابان وإيلان بابه مثلاً أن أحزاباً أخرى مثل الدفاع والإصلاح وحتى الاستقلال، إضافة إلى مجموعة المحامي موسى العلمي، التي يشار لها بالعلميين، قبلت التقسيم، وحذرت من المواجهة، ومن عواقبها الكارثية، ولكنها خشيت عواقب إعلان مواقفها هذه. الخشية استندت إلى تاريخ العنف والاتهام بالخيانة والتصفيات التي رافقت ثورة 36 وما بعدها." (ص 279)
وفي مكان آخر نقرأ: "وكتب عزرا دانين، الخبير في الشؤون العربية، في تقرير له بعد ثلاثة أيام، انه وعلى الرغم من سلبية معارضي المفتي فإن "أغلبية الجماهير الفلسطينية تقبلت التقسيم كأمر واقع، وهي تؤمن باستحالة التغلب عليه أو رفضه". (ص 281)
//عنف داخلي مدمّر
إذًا هل يمكن القول أن العنف والتخوين، هذا المشهد الذي سنشهده في دورات أخرى من النضال الفلسطيني كان هو من أسباب خنق أي صوت معارض أو صوت مختلف عن تفكير القيادة المركزية في الحركة الوطنية الفلسطينية، وبالتالي هل كان إطلاق تهم الإرهاب والخيانة، هو الوصفة الأكيدة لضرب النضال الوطني الفلسطيني وبالتالي نكوص قوى فلسطينية، ذات رأي مغاير، عن أخذ دورها في بلورة الموقف الفلسطيني العام؟
ولنقرأ.. "ويقول فلابان استناداً إلى وثائق الوكالة اليهودية أن ممارسة الهيئة العربية للعنف، والاتهامات بالخيانة للمعارضين، وما نشرته من حالات الخوف والرعب، كانت أحد المرتكزات السياسية التي اعتمدها بن غوريون ضد الشعب الفلسطيني.. بن غوريون أطلق شعار: "اعتمد على المفتي"... وأصبح الشعار أحد أركان سياسته". ويشير فلابان إلى: " اعتقاد بن غوريون –جرى التعبير عنه في مطلع العام 1938 – بأن برنامج التوسع الصهيوني يخدمه بشكل أفضل، ترك القيادة الفلسطينية في أيدي تطرف المفتي، أكثر من وضعها بين أيدي المعارضة المعتدلة.. هكذا أصبح شعار "اعتمد على المفتي"، شعار بن غوريون منذ ذلك الوقت فصاعداً"(ص 280)
//الجماهير في واد والشعارات في واد
يقول عبد المجيد حمدان: "نصل إلى سؤال مفصلي، ضروري وهام جداً يقول: هل أجمع الفلسطينيون، وهم يرون، يسمعون ويعرفون، كل ما يدور حولهم، على رفض التقسيم فالحرب؟! وإذا كانوا قد أجمعوا على المواجهة العسكرية فلماذا ترددوا، ثم لم يُقدموا على الانضمام للجهاد المقدس؟ (الجهاد المقدس هو الجيش الذي دعا المفتي لإقامته عشية النكبة- ع.ب) هل كان نقص السلاح هو السبب؟ وكيف يكون ذلك هو السبب وفي كل قرية كانت هناك بنادق تصل حتى ثلاثين بندقية في القرية الواحدة؟ وكيف استسلموا لرفض قادة جيش الإنقاذ قبولهم في صفوفهم؟ لماذا لم ينظّموا أنفسهم في فصائل، كما كان حالهم أيام ثورة 36، ما دامت القيادة الفلسطينية قد اعتمدت إستراتيجية الثورة في حربها الجديدة المختلفة نوعياً مع القوات الصهيونية؟! وهل انفردت عصبة التحرر الوطني الفلسطيني دون الأحزاب الفلسطينية كافة بقبولها قرار التقسيم، ومن ثم التحذير من عواقب المواجهة العسكرية، ومن الكارثة المحدقة بالشعب الفلسطيني، والمرئية جيداً لقطاعات واسعة من القيادات الفلسطينية؟!" (ص 279)
وحول تجاوب الجماهير الفلسطينية لنداءات القيادة الفلسطينية في المرحلة الحرجة عشية النزوح البريطاني، ينقل عن فلابان: "على العموم أظهرت الجماهير العربية المحلية سلبية نسبية، فإن مجموع المقاتلين الذين استجابوا لنداءات المفتي لم يتجاوز أبداً الثلاثة آلاف.. كان الدعم المعنوي للمفتي أكبر من ذلك بكثير. شغب جماهيري، مظاهرات ضد أعمال العنف اليهودية، لكن القوة القتالية للمفتي لم تكن أبداً كبيرة. أكثر من ذلك فقد انضم للقاوقجي حوالي ألف فلسطيني، وهذه القوة –جيش الإنقاذ- لم تتمتع بأي دعم من السكان المحليين. ثم يشير فلابان إلى أن هذا الحال أثار نقاشات واسعة في القيادة الصهيونية، وطرح العديد من الأسئلة المعقدة التي تطلبت إجابات.. وأثارت قلقاً من إمكانية سلب القيادة الصهيونية لمبررات تنفيذ مخططها في التوسع." (ص 280)
وأيضًا: "كما دوّن بن غوريون في ملاحظاته أن عرب الجليل الغربي، المخصص للدولة العربية، لم يفكروا في القتال." (ص 281). وأيضًا: "وأكد ألن كننغهام، المندوب السامي البريطاني، أن المفتي لم يكن يريد تطوير المواجهات الشعبية إلى مواجهات عسكرية. كتب كننغهام في تقريره إلى لندن يوم 13/12/1947 يقول: "كانت الحوادث العربية الأولى تلقائية وغير منظمة، وكانت اقرب إلى تظاهرات غضب حيال قرار الأمم المتحدة، منها إلى هجمات متعمدة ضد اليهود. فالأسلحة التي استخدمت في البدء كانت العصي والحجارة."(ص 283)
وهكذا من الممكن القول أن هذا الرفض، الذي لم يتجاوز الخطابة، لم يستند إلى أي مخطط عملي، فالقيادة الفلسطينية، "لم تعر اهتماماً مقبولاً لمخططات الترحيل، ولخطوات تنفيذها، بقيت قانعة بوهم مبني على عدم قدرة الصهيونية على تنفيذ مخططاتها.. وبالتالي لم تستحق هذه المخططات أن تحظى بعنايتها." (ص 321) ومن جهة أخرى واصلت القيادات العربية تهديداتها الصاخبة.. وبدورها "استغلت دعاية الحركة الصهيونية التهديدات العربية الكلامية، لإقناع أوروبا والأمريكيين بأن خطر إبادة نازية جديدة، يتهدد يهود فلسطين –الييشوف-".(ص 327)، فقد عملت للحركة الصهيونية على تجاهل "المواقف العربية الفعلية، وان تنفخ في نار ضجيج التصريحات العربية النارية، والموجهة إلى استغفال وتخدير يقظة الجماهير العربية." (ص 331)
وبالطبع من نافل القول أن نذكر هنا أن الجيوش العربية التي حضرت "لإنقاذ" فلسطين لم تقترب من حدود الجزء اليهودي كما ورد في قرار التقسيم. ويمكن استدلال ذلك على أرض الواقع من عدم اقتراب جيش الإنقاذ من حدود الدولة العبرية (حسب قرار التقسيم)، ومن خلال مواقف يكشف الكتاب عنها، فهي أيضًا لم تنوي القتال من أصله، وسنتطرق لذلك لاحقًا.
// ما بين الستة والثلاثين وال 48
في هذا الإطار من الضروري الحديث عن التأثير السلبي الذي أحدثته فوضى السلاح والقتل العشوائي، وسيطرة العصابات، في أعقاب ثورة ال 36 المجيدة والتي استمرت حتى عام 1939. هذه الفوضى المدمرة التي رافقت الثورة أحدثت ندبًا عميقة في حياة الشعب الفلسطيني، وفي استعداده للكفاح الوطني، وربما علينا أن نذكر هنا، أن موجة اللاجئين الأولى للشعب الفلسطيني بدأت في العام 36، حيث تسجل كتب التاريخ عن هجرة آلاف الفلسطينيين من الموسرين ومن المثقفين، قسم منهم في أعقاب الفوضى التي سادت بعد الثورة. ويسجل الكاتب:" "كانت صورة الحال في العام 47 – 48 معاكسة لصورة العام 36. فالأحزاب السياسية كانت منقسمة بعمق ولم تقف على أرضية مشتركة. والجماهير لم تمارس أي ضغط، وكانت غير راغبة في الانضمام للجهاد المقدس. وعندما طالبت الهيئة العربية العليا كبار الموظفين باستلام إدارة المناطق العربية، فور انتهاء الانتداب البريطاني، لم يستجيبوا. فضل معظمهم ترك وظائفهم، وحتى السفر للخارج انتظاراً لهدوء العاصفة.. وهو ما كان على عكس ما حدث في الجانب اليهودي." (246-247)
//مسح جوي للقرى الفلسطينية
يقدم الكتاب معلومات مذهلة عن النشاط الصهيوني في فلسطين، خلال فترة الانتداب، هذا النشاط، يدل على مدى خبث هذه السياسة، ومن الضروري نقل شذرات من الكتاب حول هذا النشاط:
-تمثلت المهمة الأولى بالقيام بمسح جوي للقرى العربية، كانت البداية في قريتي السنديانة وصبارين.. و"اكتمل الأرشيف، حسب بابه، أواخر الثلاثينات –تزامن العمل مع الثورة الفلسطينية –الكاتب، حيث تضمن ملف كل قرية وتفصيلات دقيقة عن موقعها الطوبوغرافي، وطرق الوصول إليها، نوعية أراضيها، ينابيع المياه، مصادر الدخل الرئيسية، تركيبتها الاجتماعية –الاقتصادية، الانتماءات الدينية للسكان، أسماء المخاتير، العلاقات بالقرى الأخرى، أسماء الرجال من سن 16 إلى 50، ومعلومات كثيرة أخرى." (318)
-"وأعطي الأشخاص الذين زُعم أنهم قتلوا يهوداً اهتماماً خاصا. ويعلق بابه: نجم عن هذه المعلومات أشد الأعمال وحشية في القرى –عام 48- وقادت إعدامات جماعية وتعذيب للضحايا." (318)
//في ظل الضيافة العربية: تسجيل كل شجرة
- "يقول بابه: "بعد عام 1943 صارت الملفات تتضمن وصفاً مفصلاً للزراعة وتربية الحيوانات وللأراضي المزروعة، ولعدد الأشجار في المزارع، ولنوع وجودة الفواكه في كل بستان، وحتى لكل شجرة مفردة، ولمعدل مساحة الأرض بالنسبة لكل عائلة، ولعدد السيارات، ولأصحاب الدكاكين، وللعاملين في الورشات." (318- 319)
- "ومع حلول العام 1945 أضيفت معلومات جديدة إلى الملفات تتضمن المزيد من التفصيلات مثل وصف المساجد في القرى وأسماء الأئمة فيها، مع صفات مثل "هو رجل عادي"، بل حتى وصف دقيق لغرف الاستقبال داخل بيوت هذه الشخصيات." (319)
- "كان الهدف تفحص القرية وجلب معلومات مثل أين يقطن المختار، أين يقع الجامع، أين يسكن أغنياء القرية، ومن كان نشيطاً في ثورة عام 1936. لم تكن المهمة خطرة جداً- يقول صاحب الرواية – لأن القائمين بها كانوا يعرفون أنهم يستطيعون استغلال أصول الضيافة العربية التقليدية. بل أنهم حتى حلوا ضيوفاً في بيت المختار نفسه. وعندما لم ينجحوا خلال يوم واحد في جمع المعلومات التي كانوا يبحثون عنها، طلبوا استضافتهم مرة أخرى." (319)
وأيضًا.. "وعندما كان البريطانيون على وشك المغادرة اقتحمت "شاي" (مكتب المخابرات الصهيونية في عهد الانتداب- ع.ب) مكتب المساحة الحكومي في تل أبيب. وصودرت النسخ الأصلية للخرائط الرسمية جميعها."(320)
(يتبع)
