مخيم برج البراجنة: بين نزيف الجرح وفصول المأساة وزيارة الأهل والوطن

single

مخيم برج البراجنة: أهله سواسية كأسنان المشط في الفقر والمعاناة..

 


لم نكن على موعد مع تلك السهرة/الأمسية الايلولية، وكما يقول المثل العربي "رب صدفة خير من ألف ميعاد"، ولم تكن بتنسيق مسبق ومعرفة ودراية مع الذكرى السنوية لهجمات الحادي عشر من أيلول الإرهابية والمشبوهة على برجي التجارة في نيويورك وواشنطن، والتي راح ضحيتها بضعة آلاف من المواطنين الأبرياء، وعلى شاكلة هذه الأحداث والمجازر ما زال الشعب الفلسطيني يتعرض لكل أنواع المجازر الوحشية والدموية المجبولة بالحقد والكراهية من قبل الامبريالية والصهيونية والرجعية من صبرا وشاتيلا إلى هبة أكتوبر مرورًا بدروس وعِبر كفرقاسم ويوم الأرض الخالد.
تصادف أربعتنا مليح الكوكاني وضيف تراب الوطن والأهل والذي أصبح يكره الغربة في بلاد الغربة أبو طارق محمود الحيش المنشاوي المولد، وتيمور الابوسيخي وعلاء محمد العجمي /الإيراني، فما ان كانت أمواج النسيم الايلولي من تلك الليلة تداعب أطراف وأوراق الشجر الذي بدأ منتشرًا في حديقة علاء العجمي الكوكاني الأصل. اختلاط النسيم الطبيعي مع النسمات المتطايرة العابقة الآتية من الأهل وأحبة الوطن واخوة التراب في برج البراجنة، لتضيف للسهرة الايلولية روح المشاعر والأحاسيس الوطنية فيما يتداخل الكلام في بعضه لينطلق معبرًا عن الحالة الوجودية ما بين الرفض والانتفاض على المر ووقف المعاناة المستمرة منذ 65 عامًا، وما بين انتزاع الحق المغتصب في الأرض وفي الحياة على تراب الوطن أو في داخله.
في هذه اللحظات كانت الشابة يانا علاء العجمية تُعد الشاي الفلسطيني مع نبتة الزوفا ذات النكهة الطيبة بطريقها لتضفي على الجلسة الحوارية جوًا منعشًا مرطب العقل والقلب وينساب الخيال في جسد الوطن وأهله.
كان ضيفنا ضيف الأهل الشعب والوطن، صاحب حقوق في المواطنة محروما منها طيلة 65 عامًا، وفي زيارته للمرة الثالثة خلال ثلاثة أعوام متتالية ابن قرية المنشية قرب عكا أبو طارق محمود الحيش حين أردف يقول، نحن الفلسطينيين المشتتين والمشردين خارج دائرة الوطن والمنتشرين على قوائم الدول في أوروبا وأمريكا وغيرها، نحن ضحية ضحايا النازية. مما تم القضاء على النازية بهمة الشعوب المعادية لها. فنحن ما زلنا نعاني اشد المعاناة التي لا يتحملها البشر في مخيمات اللجوء والموت البطيء، والتي فاضت عن كل حدود العقل والمنطق، ومنها على وجه الخصوص برج البراجنة في ضواحي بيروت الغربية القريب من المطار، انه من عشرات المخيمات المنتشرة في لبنان وسوريا والأردن وغزة والضفة الغربية.

 

 

* تعطش لمعرفة أوضاع أهلنا وإخوتنا*

 

تركزت سهرتنا الحوارية في مدى تعطشنا لمعرفة أوضاع أهلنا وإخوتنا وما تبقى منهم في مخيمات الموت البطيء، فيما يرفض شعبنا في كل أماكن تواجده كل أصناف الموت بكل مراحلها، ويصر على حقه في الحياة والتطور والازدهار تحت شمس الحق والحرية. ولا تكتمل هذه الحرية الا بممارسة حقه في العودة إلى تراب وطنه الذي لا وطن له سواه، انها فلسطين والتي تعني ريحة الوطن والبيت والحاكورة وأشجار التين والصبر ونبع الماء والبيادر وكل شيء يشير إلى فلسطين ماضيًا وحاضرًا ومستقبلا.
يتشعب الحديث والحوار مع ابن مخيم برج البراجنة والمقيم في ألمانيا ويحمل جنسيتها، محمود الحيش أبو طارق ليضيف أمورا ومعلومات لا يتصورها العقل.. إذ يُبحر عميقًا في تجسيد المأساة ويعطي صورًا وانطباعات عن طبيعة الحياة التعيسة والمأساوية لهذا المخيم، فهو مقام على مساحة صغيرة جدًا من الأرض تحولت إلى كتل إسمنتية متراصة على بعضها البعض، حيث يصعب دخول أية سيارة، إذ تحولت شوارع المخيم إلى أزقة وزقاقات ضيقة جدًا بعرض متر واحد أكثر واقل، فيما تفيض المياه العادمة بين البيوت المتراصة وأزقة المخيم لتملأ مساحة المخيم المحشورة بالأوساخ والقاذورات والروائح التي تنتشر في سماء وارض المخيم. فيما يستنشق الأهالي البالغ عددهم أكثر من 20 ألف مواطن فلسطيني هذه الروائح ويتعايشون يوميًا معها، فيما تغزو مختلف الأمراض القديمة والجديدة وتفتك بالأهالي. ويضيف، في السابق وقبل عشرات السنين، لم تكن بيوت المخيم المحشورة مزودة ومربوطة بشبكة الكهرباء كما يجب الا بنسبة ضئيلة جدًا لا تكفي ولا تسد حاجات الطلاب للقراءة. فيما كان من الشباب والطلاب أبناء المخيم يتسللون إلى شوارع المطار حيث يقرأون دروسهم اليومية على إنارة شارع المطار.
ويضيف أبو طارق ابن منشية عكا المهجرة، في حوار تلك الليلة الايلولية في حديقة ابن العجمي الكوكاني، ان الوضع في المخيمات الفلسطينية هو مأساوي وان برج البراجنة ممكن وصفه بعملية الموت البطيء التي تجري تحت سمع وبصر العالم المتحضر، إذ ينتشر الفقر في كل زاوية فالناس هنا متساوون وسواسية كأسنان المشط، فهم من الطبقة المعدمة من المال  والوطن المسلوب فنسبة البطالة عالية جدًا وخاصة فئة الشباب الذين يعملون أياما معدودة في الشهر مقابل أجرة زهيدة لا تسد الرمق ومعظمها في الأعمال الزراعية والتجارية والنقل والتحميل لدى المواطنين اللبنانيين وغيرهم. فيما تعاني فئة الشباب الأكاديميين من مختلف المواضيع العلمية والمهنية مأساة اكبر فهم لا يستطيعون مزاولة أعمالهم بحسب القانون اللبناني مما يضطرهم إلى ترك المخيم بعيدًا عن الأهل إلى أوروبا وغيرها وهذه تضيف إلى الفلسطيني مشكلة أخرى ومأساة جديدة من رحلة اللا عودة إلى المجهول.
والعائلة الفلسطينية في المخيم مثلها مثل المخيمات المنتشرة حول الوطن تنتظر إشارة العودة على أحر من الجمر إذ يعتاش سكان مخيم برج البراجنة على التحويلات المالية المتواضعة التي يرسلها أبناؤهم المغتربون والمشردون في بقاع الأرض وخاصة في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وبعض دول البترودولار الخليجية.
فالكثير من الخدمات الصحية تكاد تكون معدومة والمكوث في المصحات والمستشفيات الحكومية والخاصة ومعالجة الأمراض المزمنة كالسكر والسرطان والقلب والتي سببها الضغط النفسي ومرارة الغربة البعيدة عن الأهل والأحبة باهظة الثمن والتكاليف لا يستطيع أي فلسطيني ان يتحملها.

 

 

*تواصل وإحساس وتداخل في الهم الواحد*

 

ويضيف ضيفنا الغالي محمود محمد الحيش في سهرته الايلولية في حديقة علاء محمد الإيراني العجمي، وتحت سيل من الأسئلة والتعطش للمعرفة والوقوف على حقيقة الأوضاع ولو من باب المساندة والتضامن بين أبناء الشعب الواحد وتشجيع قضية التواصل والإحساس والتداخل في الهم الواحد والمستقبل الواحد يقول: في ستينيات القرن المنصرم كانت الحياة في المخيم مثل برج البراجنة تتسم بالزخم والعمل الوطني في إحياء مختلف النشاطات الثقافية السياسية وإحياء المناسبات الوطنية المتعددة والتي تصب في صالح تسخير كل شيء من اجل النضال والوطن وحق العودة ومحاربة الصهيونية والاستعمار. فيما كان يتنافس ويتسابق الشباب والطلاب في برج البراجنة والذين هم من القرى المهجرة مثل كويكات وعمقا وترشيحا فيما بينهم على التحصيل العلمي وواجب اللاجئين في التعويض عن ما أصابهم في سنوات اللجوء والحنين الى الأرض والوطن والبلد يجب تعويضها عن طريق العلم ودخول الجامعات والوصول إلى أقصى  درجات العلم والمعرفة. ويضيف أبو طارق اما اليوم وفي السنوات الأخيرة، أصبح اليأس واللامبالاة والبطالة المنتشرة والوصول إلى حافة الجوع والمرض امرا عاديا، ناهيك عن انصراف الشباب إلى متاهات ومباذل الحياة في البحث عن الملذات مثل استعمال النرجيلة في البيوت وعلى جوانب الطرقات الضيقة من ارض المخيم، هذه المظاهر أخذت تسيطر على حياة الأهالي لدرجة أصبحت سيدة الموقف كظاهرة اجتماعية معلقة في الوقت الذي تنعدم الإدارة والنشاطات الرياضة والثقافية والسياسية والفنية في حياة أهالي المخيم. فيما تراجعت الأمور  الإدارية للاهتمام  بالسكان سواء الأمنية والمعيشية والصحية والتعلمية، وكل ذلك يجري في ظل غياب وانعدام السلام والأمن وتعثر المفاوضات والتهديد الإسرائيلي بشن الحرب على لبنان وسوريا وفي ظل الهجمة الامبريالية الصهيونية والرجعية على شعوب ومقدرات وخيرات المنطقة. فيما تجري ينابيع الغضب والاحتجاج السياسي والاجتماعي بين مؤيد ومعارض بين من يقف مع المؤامرة الأمريكية التركية السعودية القطرية الإسرائيلية لضرب الشعوب العربية واعاقة وحدتها وقدراتها لتسهيل إقامة شرق أوسط جديد وبين الشعوب والأنظمة التي تحارب من اجل حريتها وتطورها وازدهارها وفي  مقدمتها الحرية والاستقلال للشعب الفلسطيني وإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية على تراب الوطن وعودة الأهل والأحبة إلى ديارهم التي شردوا منها قبل 65 عامًا مضت.
شارفت السهرة على الانتهاء عند منتصف الليل وبقيت النسمات تداعب أغصان الشجر في حديقة ابن العجمي، أبو طارق محمود محمد الحيش ما زال صدره وعقله وقلبه يتسع الكثير من الكلام المباح ولكن المكبوت في صدره لأن الجرح لم يلتئم بعد وتظل المأساة تتواصل من جيل إلى جيل. وسيعمل على زيارة الأهل والوطن كي يكحل عينيه في كل عام بالأهل والوطن.
اما يانا الإيرانية العجمية صانعة الشاي ذي النكهة المميزة فكانت تسترق السمع والانتباه إلى السهرة الحوارية عن فصل من فصول الحكاية الفلسطينية. ذهبت للنوم وهي تفكر في المدرسة والجامعة وفي مستقبل أكثر إشراقا ليس لها فقط وإنما لمن هم محرومون من المدرسة والعلم والمستقبل من سكان تلك المخيمات المنتشرة على ضفاف حق العودة في يوم من الأيام.

 

(كويكات/أبوسنان)

قد يهمّكم أيضا..
featured

فشل يعلون هو سبب ونتيجة لفشل حكومة بيبي

featured

التغيير التشريعي المقترح لما يسمى اراضي اسرائيل عائق جديد امام كفاح الأقلية العربية في البلاد نحو المساواة

featured

أبو الفهد: ثلاثٌ كنّ فيه

featured

في راهنية الواقع العربي

featured

جوليانو مير خميس أقوى من الموت والاغتيالمير خميس أقوى من الموت والاغتيال

featured

من السجن إلى المعتقل، بلا محاكمة أو تفسير