هناك ترابط وتناغم وتفاعل بين موقف الكاتب وبين موقعه، فالموقف يؤثّر على الموقع ويتأثّر به كما أنّ الموقع يطمح ويعمل ليوجّه الموقف لصالح مناخه العام أو الخاص وإذا لم يكن الموقع والموقف متجانسين متفاعلين فانّ هناك عملية مدّ وجزر دائمة بينهما، بل إنّ هناك صراعًا خفيًا أو علنيًا بينهما ولا بد أن ينتصر أحدهما على الآخر.
من الطبيعيّ أن يسبح الكاتب في حالات عديدة - ربما طيلة عمره- ضد التيار فالسمك الحيّ هو الذي يعوم بقوّة ضد التيار، بينما الأسماك الميّتة تجري معه وهذا يعني أن يكون الكاتب منتقدًا للسلطة معارضًا أو محاربًا لها فحيث توجد سلطة يوجد فساد وظلم وقوّة ومال والقوّة والمال يغريان ويغرّران ويفقدان المرء توازنه وهذا يؤدّي إلى الاستبداد والاستغلال والفقر والفساد والظلم وإلا فإنّ الكاتب شريك بذلك حتى لو اعتزل أو سكت أو سكن في برج عاجيّ مبتعدًا عن مشاكل الحياة لأنّ الساكت عن الحقّ شيطان أخرس، والكاتب هو ابن الحياة فكيف يهرب منها ومن مشاكلها؟
تحضرني الآن مسراويّة "الحكيم والسمكة" للكاتب الكبير ميخائيل نعيمة، التي استوحاها من حادثة جرت للفيلسوف الصيني تشوان تسو الذي عاش قبل الميلاد حينما حضر إليه رسولان من الملك فيما هو واقف على ضفة النهر يصطاد السمك ونقلا إليه قرار الملك بتعيينه في منصب سام في القصر فصرخ في وجهيهما محتدًّا: أغربا عن وجهي!
اختار الفيلسوف الحريّة على قيود السلطة ورفض أن يغيّر موقعه لأنّ تغيير الموقع سيؤثر على الموقف.
شاهدنا في العقود الماضية عددًا من الكتّاب المعروفين في العالم العربيّ الذين خدموا النظام الدكتاتوري الفاسد في صحافته وإعلامه ومؤسساته ووزاراته ودافعوا عنه ونعتوه بأحسن الأوصاف واستفادوا من نعمه وخيراته ولمّا شاهدوا رياح الثورة تهبّ في شوارع المدن وميادينها وحوارييها وأزقتها اختار عدد منهم أن ينقلبوا عن أسيادهم ويتماهوا مع الثوار فلم يغفروا لهم ماضيهم وأخطاءهم وخطاياهم ولم يصدّقوهم فيما اختار آخرون الاعتزال والانعزال مهمومين منكوسين مهزومين.
لا يستطيع الكاتب أن يرقص في عرسين في آن واحد ولا يستطيع أن يجمع الصيف والشتاء على سطح واحد كما فعلت تلك الحماة والأم القرويّة في الطرفة التراثيّة المشهورة.
مكان الكاتب الطبيعي مع الثورة ومع الثوار، مع الشعب، مع أبنائه وبناته، مع الذين يحملون أرواحهم على راحاتهم، مع الذين يحملون دماءهم على أكفّهم.
قرأنا بل شاهدنا كتّابًا وفنانين ومبدعين مصريين يقضون النهار والليل مع شبّان وشابات ميدان التحرير في حين اعتكف آخرون في بيوتهم متفرّجين وفي حين تملّق آخرون للقصر وسكّانه.
الشعب المصريّ شعب ذكي مثل جميع الشعوب يعرف أن يميّز بين الخير وبين الشر ويفرّق بين الحق وبين الباطل وكذلك بين الصديق وبين العدو ويعرف، أيضًا، من هو مطرب البلاط وكاتب القصر وفنّان السلطة كما يعرف أن المبدع الحقيقي هو ابن الشعب الثائر.
لا حياد في الأمور المبدئية. إمّا أن تكون مع الثورة وإمّا أن تكون ضدها. إمّا أن تكون مع الشعب وإمّا أن تكون مع السلطة. إمّا أن تكون منتصب القامة مرفوع الهامة وإمّا أن تحبو أو تجثو أمام قدمي السلطان.