يكتبون بلغة الآخر

single
برزت أقلام أدبيّة وفكريّة عربيّة كتبت نصوصها النّثريّة والشّعريّة بلغة الآخر، وساهمت في بناء صرح الثّقافة العالميّة، وقدّمت قضايانا الوطنيّة والاجتماعيّة للقارئ الغربيّ الذي استعمرت حكوماته بلادنا العربيّة واستعبدت أهلها ونهبت خيراتها. ولا شكّ بأنّ هذه النّصوص هي سفير جيّد لنا في عالم تعامل معنا باستعلاء ونظر إلينا نظرة الإنسان المتحضّر إلى الإنسان المتخلّف.
لمعت أسماء عديدة في دنيا الرّواية والشّعر والقصّة والمسرح والنّقد والتّاريخ والفلسفة والاجتماع مثل جبران خليل جبران وإدوار وسعيد وإيهاب حسن ومالك حداد ومحمّد ديب وآسيا جبّار وأمين معلوف والطّاهر بن جلّون، والقائمة طويلة ومتنوّعة وغنيّة وكان آخرها الجزائري بوعلام صنصال وروايته "2048 نهاية العالم" التي صدرت في العام 2015 عن دار نشر غاليمار الباريسيّة وتصوّر الحياة في إمبراطورية أبيستان الدّينيّة الخرافيّة.
هؤلاء المبدعون هاجروا من البلدان العربيّة إلى الدّول الغربيّة باحثين عن الحريّة والدّيمقراطيّة ومصادر الرّزق، حاملين في صدورهم حبّهم لبلدانهم وشعوبهم على الرّغم من المعاناة والأوجاع والجراح التي حفرت أخاديد عميقة في نفوسهم فكانت إبداعاتهم مزيجًا من الماضي والحاضر، من الألم ومن الحلم.
ويبدو أنّ موجات الهجرة التي بدأت في زمن الدّولة العثمانيّة وزمن الاستعمار الفرنسيّ والانكليزيّ لم تتوقف في عهد الأنظمة الاستبداديّة العربيّة بل تفاقمت في عهد الرّبيع العربيّ والمذابح الجماعيّة والتّشطّر الإقليميّ، ومن الطّبيعيّ أن تولد أقلام أدبيّة للطّيور المهاجرة تبدع روايات وقصصًا وقصائد بالفرنسيّة والانكليزيّة والألمانيّة تصوّر معاناتها وأوجاعها وأحلامها.
هناك أسباب ودوافع عديدة للكتابة بلغة الآخر تختلف بين مبدع ومبدع، فهناك من حمل الهمّ القوميّ والوطنيّ وسعى لخدمة قضيّة شعبه، وهناك من اختارها لأنّها اللغة الوحيدة التي يتقنها ويستطيع التّعبير بها عن نفسه، وهناك من رغب أو يرغب بخوض تجربة الإبداع بلغة عالميّة يتخطّى بها الحدود والحواجز، وهناك من وجد فيها آفاقًا واسعة لحريّة التّعبير التي افتقدها في وطن سيطر عليه العسكر والرّجعيّون والمتزمّتون دينيًّا، وهناك من أراد أن ينشر غسيلنا الوسخ على سطوح الآخرين، وهناك من سعى ليكون جميلا محبوبًا في عيون الغربيّين، وهناك من أراد أن يكتب بلغة  السّيّد وهناك أسباب ودوافع أجهلها وتحتاج إلى بحث ودراسة.
من الطّبيعيّ أن يختار مبدعون عرب فلسطينيّون من مواطني إسرائيل الكتابة باللغة العبريّة مثل أنطون شمّاس ابن قرية فسّوطة الجليليّة، الذي اختار العيش منذ سنوات في الولايات المتحدّة وهو شاعر وكاتب مرموق يجيد الكتابة باللغات العبريّة والعربيّة والانكليزيّة، ومثل سيّد قشّوع ابن مدينة الطّيرة الذي صدرت له ثلاث روايات حتّى الآن، كما صدرت في الشّهر الماضي رواية "تشرين" للكاتب الشّاب أيمن سكسك، ابن مدينة يافا، وحقّقت رواجًا ملفتًا للنّظر، وهناك أسماء أخرى لا مجال لذكرها في مقالة قصيرة.
ما زلنا ننتظر أعمالا إبداعيّة جديدة بلغة الآخر يكتبها مبدعون عرب من المهاجرين الجدد أو من نسل المهاجرين السّابقين.
قد يهمّكم أيضا..
featured

الرعود والبروق المطلوبة

featured

برافر.. الهدم يتواصل الآن!

featured

ملاحقة إسرائيل أمام القضاء: الوسائل والمراجع

featured

عن غزة وجيش المفاجيع بقيادة نانسي واحلام ووائل كفوري

featured

عقدة الخواجا؟!!

featured

المخطوفان فلسطين والإسلام رهائن الثورة النضادة

featured

بوصلة لا تشيخ

featured

لجنة مُكافحة، لا لجنة مُبايعة ولا لجنة وصاية //