لا أريدُ أن يغلبَني النُّعاس أو تأخذَني سِنَةٌ إلى دنيا الأحلام أو يجرَّني نومٌ إلى فراشي لأقضي ساعاتٍ، إن أستطعتُ، دون حراكٍ، ولا أبغي الاستسلامَ للتَّعبِ أو لأن يسيرَ الإرهاقُ بين عروقي ويأخذني إلى حالةِ الكسلِ واللامبالاة، وذلك لأنَّه وقع بين يديَّ كتاب مشوِّقٌ لسيرة إنسانٍ عزيزٍ وشاعرٍ قديرٍ وكبيرٍ، سميح القاسم، حيث تزامنت قراءتي له في فترة زواج ابنتي صابرين على الشَّاب الحيفيِّ زكي حوَّا، فكان الحدثان توأمي زماني ومكاني ووجداني..
لا أريدُ للسِّيرة، "إِنَّها مُجرَّدُ مِنْفَضَةٍ"، التي كُتِبَت بصيغة المخاطَبِ، أن تكون الجزء قبل الأخير، بل أريد أن يَكتُبَ المخاطَبُ الجزءَ الأخيرَ بعد عقدٍ من حلقات الرَّبيع، سيرة لمناضلٍ تقف الصِّفات الحُسنى بين أضلعه عاجزةً عن وصفهِ، لشاعرٍ بقيَ في وطنهِ، بين أهله وشعبه، واعتلى على صهوةِ فرسِ سيفِ اللهِ المسلول، وثبتَ في شطر برتقالة راميَّة صمدَتْ في وجهِ العاتيات، دون أن ينشُدَ مكانًا آخر ومتجاهلاً من ناشده بالنُّزولِ، بروح صوت جدِّهِ أبي علي حسين العلي: الموت في الوطن ولا الحياة في الغربة..
لقد وجدْتُ بكَ عقيدةً مخلصةً وعُقدةً فريدةً لم أجدها عند كثيرين، المثابرة في الإباء العروبيِّ والوفاء للانتماء القوميِّ والكبرياء الوطنيِّ والأمميِّ، والدِّفاع عن المظلومين من قبل الغُرباء القادمين من أصقاع العالم إلى وطنِنا ومن ذوي القُربى الذين وُلِدوا في بيتنا، أبناء قومِنا، لقد وجدتُ بسيرتِكَ قُوتي وقوَّتي، منهلي ومنالي وقد سَطعَ ذلك حين عاد المخاطبُ ليؤكِّدَ على عروبة فلسطين منذ أيام اليبوسيِّين والكنعانيِّين، عندما دار نقاشُه الحامي الوطيس،مع أولمرت رئيس الحكومة الأسبق على شاشة المرناة، الأمر الذي جعل من دمِه زبدًا في مرجلٍ ناريٍّ، وجاشَت مراجِلُهُ..
لقد وضعتَ في المنفضةِ نقاطَكَ وحركاتِكَ على حروفِ ابجديَّتِهم بقولكَ:
إذا اعتقدتكم أنَّكم شعب الله المختار فأنا مدركٌ بأنَّني شاعر الله المختار..
لقد تركْتَ بصماتِك داخل تركيباتٍ أساسيَّة في مفاصل تاريخ نضالنا الوطنيِّ كلجنة المبادرة الدُّرزيَّة، التي استمدَّت هواءها من حركة الشُّبَّان الدُّروز الأحرار بروح الضُّبَّاط الأحرار بقيادة جمال عبد النَّاصر، لرفض الخدمة العسكريَّة في جيش الاحتلال، التي فُرِضت على الطَّائفة العربيَّة المعروفيَّة دون غيرها، عام العدوان الثُّلاثي البغيض على مصر النَّهجِ القوميِّ المقاومِ والممانعِ والمنحازِ لصالحِ أمَّتهِ، الأمر الذي سبَّب في وضعِ حياتهِ على كفِّ عفريت، ولم يأبه لكلِّ إغراءات الحكومات المتعاقبة من بن غوريون إلى..
إنَّ جبل حيدر يشهدُ صولات وجولات أهله في قرية الرَّامة، حين هبُّوا لنصرةِ الثُّوَّار في قريتي هوشة والكساير، وكيف آوَوا الفارِّين من ملاحقة عساكر بريطانيا وكيف حالوا دون طرد مسيحيي الرَّامة بعد سقوطها بأيدي عصابات الهجناة، بعد أن بعث أهل القاسم وغيرهم من دروز البلد أولادهم ليرسموا شارات "نفداك"(فُحِصَ) على بيوت النَّصارى باللون الأزرق، لحمايتهم من التَّفتيش أو الطَّرد.
لكنَّ جنود الاحتلال "راحوا يُطلقون النَّار على أقفال البيوت والدَّكاكين وينهبون محتوياتها" (ص 68).
لم يَفقدِ البوصلة..
لم يَرمِ سهمًا حين اشتدَّ ساعدُه..
لم يهجُ من علَّمه حرفًا حين قال القوافي..
لم يَرمِ في البئر التي نهلَ منها حجرًا..
أسعد الله صباحَ أبي وطن محمَّد وصباح محبِّيه، وما أكثرَهم..