قومية عربية

single

بدون مشروع قومي عربي ووطنية أساسها المواطن

 

يطرح د. رائف زريق، ابتداءً من هذا العدد، وجهة نظر جديرة بالقراءة، تستثير من حولها العديد من الأسئلة التي يحاول ان يجيب عليها، وهي أسئلة تتعلق بالحالة العربية الراهنة ارتباطًا بما يجري من أحداث في العالم العربي.  مقالة "القومية العربية" هي واحدة من ثلاث مقالات، ثانيها يحمل النقاش حول "التدخّل" ومفهومه وثالثها عن "نظرية المؤامرة"،  سننشرها تباعًا في ملحق "الإتحاد". وبطبيعة الحال فان صفحات الملحق ترحب بأقلام اضافية تتناول، اذا رغبت، هذه الطروحات وتقوم بمناقشتها. وهذه دعوة لحوار مفتوح!

 

لم يرفع الثوار في مصر اي شعار يتعلق بالوحدة العربية، ولم ينظروا لمشروع قومي عربي من المحيط الى الخليج، الا انه بالرغم من ذلك فان الثورات العربية وحّدت العالم العربي بشكل لم يسبق له مثيل، وبدا ان العالم العربي جسّد روح واحدة، تتألم وتتأمل على نفس إيقاع الحزن والفرح وتشكو من نفس الأمراض والمشاكل وترنو لنفس الأدويه والحلول. صحيح ان لكل بلد عربي خاصيته وتاريخه وتشكلاته الاقتصادية والاجتماعية والطائفية، الا ان التوق للحرية والكرامة والعدالة مشترك للجميع، وان كانت تجلياته مختلفة.
بهذا المعنى فان انتصار الثورات هو انتصار وهزيمة للفكر الناصري في آن واحد، وللفكر البعثي ايضا. هو انتصار لأنه أعاد اكتشاف البعد القومي لجميع المشاكل القطرية، لكنه يمثل هزيمة للفكر الناصري والبعثي، لان الحالة القومية العربية الحالية ليست حالة نظرية رمادية جاهزة ومعدة مسبقا تفرض نفسها على الاقطار الوطنية.
اذا شئنا القول فان القومية العربية التي تبرز على السطح ابان الثورات العربية تعبر عن تناغم في المزاج والحالة والحاجة لهو اقرب الى ارتجالات جازية (jazz) يحافظ فيها كل عازف على تفرده وخاصيته وشخصيته، بينما يظهر الانسجام كحالة ناتجة عن التفاعل الحر والوجداني بين العازفين، في حين كان المشروع القومي بشقيه الناصري والبعثي اقرب الى مشروع اوركسترالي سيمفوني، نصه مكتوب اصلا وما على العازفين الا الامتثال للنص المكتوب ويحظر الخروج عنه. وكي يجري التنسيق بين الادوات المختلفة هناك حاجه لشخصية "المايسترو" الذي ينسق بين جميع العازفين، وهم ينتظرون حركة من رأسه او ايماءة من يده حتى يقوموا بدورهم المعد سلفا، والذي يحتاج الى "المايسترو" حتى يخرج الى حيز التنفيذ.
تمثل الثورات العربيه نوعا جديدا من الفكر القومي العربي، الذي لا يهمل تفاصيل الحالة العينية، ولا يتعاطى مع الدولة الوطنية القطرية فقط بكونها حاجزا او عبئا على المشروع القومي الجاهز اصلا، وما على الدولة الا الامتثال لمشيئته. هنا تحضر القومية العربية ليست كايديولوجيا جاهزة انما كأفق للتنسيق والتشاور والتعاضد وبموجبها يبقى مشروع الوحدة العربية حلما شرعيا، يكون فيه المستقبل اخا للحاضر وليس ابا له يوبخه متى يشاء. ان المشروع القومي العربي الذي نراه يتشكل امام اعيننا نابع بالاساس من حقيقة الهموم العربية المشتركة التي تستوجب تنسيقا عربيا، اي انه نابع من حاجة ملموسة وعينية.
الامر نفسه باعتقادي ينسحب على الموقف من القضية الفلسطينية، الموقف من اسرائيل والموقف من الولايات المتحدة. لم ترفع خلال الثورات شعارات دعم للشعب الفلسطيني، ولم يتم حرق الاعلام الامريكية او الاسرائيلية، الا ان ذلك يجب ان لا يعمي ابصارنا. لقد تركزت الثورة بالجوهر وبمهمة اساسية مباشرة وواحدة الا وهي اسقاط النظام، واعادة بناء الدولة بشكل تحفظ كرامة المواطن وتصان حقوقه الاساسية، وباعتقادي كان هذا التكتيك العفوي غايه في الذكاء الفطري.
آجلا ام عاجلا سوف يصطدم النظام العربي الجديد بامريكا وباسرائيل، لكن ليس بالضرورة ان يتحول هذا الصدام الى ايديولوجيا. وبالتالي يجب عدم استعجاله. سيصطدم بهما بقدر ما سيقفان حجر عثرة امام خطط التنميه وامام تحرر فلسطين وشعبها، وعندها لا بد من المواجهة، وهي قادمة بمرحله ما حتما. ليس من الضروري مطالبة الثورات ان تعادي الجميع. عليها ان ترتب أوراقها اولا، وتمنع محاولات اختراقها بحيث تستطيع اقامة نظام ديموقراطي حقيقي تصان فيه كرامة المواطن وحرياته الاساسية وحقوقه الاقتصادية والاجتماعية ايضا. وامامها لائحه طويلة جدا من المهام الملمه ابتداء من محو الامية والتأمين الصحي وانتهاء بالتنمية الاقتصادية وترسيخ اسس النظام الديموقراطي الوطني.
ان لفلسطين مكانة خاصة في قلب كل مواطن عربي، وبالتالي فان احترام ارادة المواطن ستقود الحكومات الجديدة الى تبني مواقف تتجاوب مع رغبات شعوبها، وعليه فان الطريق الى المواقف الوطنية تمر عبر المواطن، والكرامة الوطنية لا تستقيم الا بكرامة المواطن، والانتصار لفلسطين سيكون النتيجة الطبيعية وليس القسرية, لانتصار الثورات العربية. وعليه ليس هناك شيء مفاجئ في الدور الفعال والناشط الذي قامت به مصر من اجل احقاق المصالحة الوطينة الفلسطينية.
بهذا المعنى فان الثورات تعيد ترتيب الاوراق بحيث ان الدور الوطني ومفهوم الوطن يجري اشتقاقه من فكر المواطنة، والفكر القومي يجري تطويره اخذا بالاعتبار المشاريع الوطنية القطرية. عليه اعتقد ان الثورات الحاصلة مؤهلة لتعيد ترتيب المعاني بكل ما يتعلق بمفهوم المشروع القومي، والمشروع الوطني تجعل المواطن وكرامته وحريته بيت القصيد في هذه المشاريع.
بهذا المعنى, وحتى تنجح هذه الثورات هناك حاجه لاجراء بعض المصالحات:
المصالحه الأولى بين المشروع الوطني و المشروع الديموقراطي الليبرالي الذي يضمن الحريات الاساسية و حدا ادنى من الاتونوميا الفردية. يجب ضبط المعادلة بين الفردي والجمعي وبين المواطن و الوطن.
كثيرا ما اغفل الفكر الليبرالي – الاوروبي خاصة - اهمية ومركزية الدولة\ الجماعة. لقد نشاْ هذا الفكر في حقل الدولة الوطنية الاوروبية وبالتالي فان وجودها كان امرا مفروغا منه، ولذلك اكثر هذا الفكر من نقد الدولة باعتبارها عدوا للفرد ومصدر تهديد له ولحرياته الاساسية، ومن هنا عداؤه للجماعة ولمؤسسة الدولة. الا ان هذا الفكر اغفل ان الدولة\ الجماعة هي الشرط الاساسي الذي بدونه لا يمكن ان ينشأ خطاب الحقوق والحريات، ففي حين يطالب الفرد المواطن بالحرية، فاْنه يطالب بالحرية في وطنه، وليس في  الحرية من وطنه، اي ان ألف باء الحقوق الفردية وحقوق المواطن هو حق الجماعة في تقرير مصيرها على شكل دولة (او باْي شكل اخر تراه مناسبا)، وبهذا المعنى فاْن حق تقرير الشعوب لمصيرها هو المدخل والشرط الاساسي لحق الافراد المواطنين في تقرير مصيرهم. صحيح ان الدوله قد تتحول لمصدر خطر على الحريات الفردية، الا ان الدولة ايضا هي المؤهلة لحماية المواطنين و لضمان حريتهم. لا توجد حرية خارج الدولة وبدونها، و تجربة اولئك الذين يعيشون بدوم الانتماء الى دولة والى وطن لا تشير الى ان هؤلاء يعيشون حالة من فائض الحقوق والحريات انما يعيشون بدون ابسط الحقوق و الحريات، وعليه يعيشون حياة اللجوء والتشرد، وبالتالي فان الحق الأول والأساسي هو الحق في الانتماء الى دولة ووطن وجماعة، لانه هذا هو شرط الحقوق الأخرى.
كل هذا صحيح تماما، الا ان المعادلة لا تنتهي هنا، انما تبدأ من هنا. صحيح انه لا امكانية لانجاز حق تقرير المصير للفرد المواطن، الا في اطار حق تقرير المصير للجماعة.  وصحيح انه لا يمكن ان يكون الانسان حرا اذا لم يكن الوطن حرا، وصحيح ايضا انه لا كرامة للمواطن اذا كان الوطن مستباحا ومحتلا... كل هذا صحيح كما قلنا، الا ان هذا نصف الحقيقة. النصف الاخر للحقيقه هو انه لا معنى ولا مغزى ولا فائدة ترجى من حق تقرير المصير للشعوب اذا لم يكن ذلك مقدمة لحق تقرير المصير للافراد المواطنين وحرية الشعوب بتخلصها من السيادة الاجنبيه والاستعمار. لا معنى لها ان لم تكن مقدمة لحرية الافراد انفسهم كي يستطيعوا ان يقرروا حياتهم بانفسهم ويرسموها ويعيشوها.
ان حق تقرير المصير للجماعة/ للشعوب هو ما يجعل حق تقرير المصير للافراد ممكنا،  لكن حق تقرير مصير الافراد على حياتهم هو ما يجعل حق تقرير المصير للشعوب مبررا وذي معنى. ان الحق الاول هو الشرط الضروري من ناحية فعلية كي تحقق الحق الثاني، والحق الثاني (الفردي) هو الشرط الاخلاقي والمبرر المبدئي للحق الاول.
بهذا المعنى هناك ضرورة للمصالحة بين المشاريع الجماعية والمشاريع الفردية، لان المشاريع والحقوق الجماعية اذا لم يكن هدفها النهائي تحقيق حرية الفرد ورفاهيته فان مصيرها ان تتحول الى مشاريغ صنمية متحجرة، والى شكل اجوف فارغ في احسن الاحوال، والى مشاريع قمعية بدل ان تكون مقدمة لخدمة مواطنيها تطلب من مواطنيها ان يخدموها وان يقدموا انفسهم على مذبح الجماعة. من الناحية الثانية فان من الواضح ان الحديث عن الحريات وحقوق المواطن يفترض وجود الدولة القوية وبدون وجودها يصبح الحديث عن الحريات مجرد اضغاث احلام ونرجسية فردية غير واعية لشرط وجودها.
اما المصالحة الثانية والتي على اليسار العربي ان يقوم بها، فهي المصالحة بين الحريات السياسية والمدنية وبين مشروع العدالة الاجتماعية بما يعنيه الأمر من ضمان الحد الأدنى من المعيشة، حقوق العمال، العاطلين عن العمل، والنساء ومشاريع التكافل والتضامن الاجتماعي.
هناك تراث لا يستهان به لدى اليسار العربي يتعاطى مع الحريات السياسية باعتبارها ترفًا، وان الحريات والحقوق الاساسية هي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية. يجب وضع حد لهذا الجفاء والفتور بين الحريات السياسية ومشاريع العدالة الاجتماعية. هذا من ناحية، لكن من ناحيه اخرى فكلنا أمل ان لا تعتقد الحركة الثورية في العالم العربي ان الحقوق السياسية والحريات الفردية هي نهاية المطاف، وان جل التغيير ينحصر في تغيير النظام واشاعة الحريات السياسية. ان مطالب العداله الاجتماعيه وموضوعة توزيع الثروة يجب ان تكون مواضيع توضع على الطاولة بموازاة مواضيع الحريات السياسية. بهذا المعنى فليس من الممكن القفز عن الانجازات التي حققتها الديموقراطية الليبرالية من ضمان الحقوق والحريات، ولا يوجد اي مبرر لهذا العداء للحريات السياسية، لكن من ناحية اخرى لا يمكن الاكتفاء بذلك وهناك ضرورة ملحة للتعاطي مع موضوع العدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية المجتمعية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

نفسي فيه وأخ تفو عليه

featured

ظاهرة التهديد والابتزاز عبر الفيسبوك خطيرة على مجتمعنا

featured

ما بين القشّة والخشبة

featured

نصارى العرب... جذور وتاريخ!!...

featured

الطّبقة الوسطى إلى أين؟

featured

الانتخابات المحلية القادمة

featured

من تقسيم بدأ التغيير