هذه جريدة قانونية، وطنية، يجب ايصالها لجمهور المعلمين
في احد لقاءاتي مع احد فروع حزبنا،للتداول في افضل الطرق والسبل لزيادة انتشار جريدة "الاتحاد" "الحيفاوية" كما يعرّفها البعض، سمعت ملاحظة من رفيق معلم متقاعد "مدمن" على حبه للاتحاد منذ ايام شبابه.
قال: تنشر الاتحاد الكثير من عبارات النعي والرثاء لرفاق واصدقاء نحبهم. وعادة ما تكون تكرارا للمضمون مع اختلاف المنعيّين. فدائما يكون التركيز على مناقب المتوفّى. لانه ليس كل متوفى،سواء كان شخصية اجتماعية او وطنية،او علمية، له بصمات في هذه المجالات.
والحقيقة انني تماثلت مع ملاحظة رفيقي العزيز،مع معرفتي التامة انه من الصعب تلبية وتنفيذ ملاحظته اوطلبه.
فليعذرني القراء سلفا،لانني وجدت نفسي ملزما بكتابة بعض السطور عن معلم، ازهري،وطني لم اتمكن من السير خلف نعشه ووداعه الوداع الاخير.فقد تعرفت على الاستاذ الازهري،عمر شبيطة، كما كانوا يسمونه، في بداية السبعينيات من القرن الماضي،عندما كان يافعا. سافر الى الازهر في مصر لتلقي العلوم الدينية وقبل ان ينهي دراسته اشتعلت حرب فلسطين -1948.
وقد رأى نفسه ملزما بترك مقاعد الدراسة ،والعودة الى فلسطين،الى بلده،من اجل الذود عن الوطن،عن البيت كما قال لي في احد لقاءاتنا الاسرية.
الا ان مبتغاه لم يتحقق،سقطت فلسطين،احتلت بلدته "مسكة"،هُجر اهلها الى الضفة الغربية،منهم من بقي في الوطن واستقر في قرية الطيرة (حينذاك)واليوم مدينة الطيرة العامرة،ومنهم من تشتت في الوطن العربي الكبير،وفي غيره من الدول في العالم .
بعد النكبة وجد نفسه معلما في دولة اسرائيل وفي ظل اوضاع صعبة للغاية، حيث الحكم العسكري اصبح جاثما على صدر البقية الباقية المنغرسة في تراب الوطن .
بعيدا عن قريته "مسكة"بضعة كيلو مترات وممنوعا من الدخول اليها وشاهدا هو وغيره على هدم مسكة.
لقد"نفي" تنقل للتدريس آنذاك في العديد من القرى العربية في المثلث الذي قدم هدية لاسرائيل على يد الملك الاردني سيئ الصيت"عبدالله "في كفر قاسم ،معاوية،كفر قرع جسر الزرقاء وفي كل قرية حل بها لقي الاحترام والمحبة من قبل الاهالي، لانه كان متواضعا، ولانه رأى في التدريس رسالة اولا وقبل كل شيء .
اهالي معاوية يتذكرونه حتى اليوم، يتذكرون عمر الازهري ،المتواضع الخدوم ،المصلح بين الناس والاهم الانسان الشجاع الوطني الذي لا يخاف.هذا ما سمعته من بعض اقاربي وجهاء القرية التي هَزمَت مؤامرات الهدم والترحيل.
في سنوات الستينيات الاوائل ،ايام الحكم العسكري البغيض، كان عمر الازهري يدّرس في قرية كفر قرع.
في تلك الفترة، كان رفاق الحزب الشيوعي من فرع ام الفحم يقومون بتوزيع جريدة الاتحاد النصف اسبوعية، في كل قرى وادي عارة.
في احد الايام عندما كان طيب الذكر الرفيق محمد يوسف شريدي،يوزع الاتحاد في كفر قرع التقى صدفة بالاستاذ الازهري عمر شبيطة الذي طلب منه جريدة الاتحاد ومصرا على ادخال الجريدة بشكل مستمر الى غرفة المعلمين وهكذا كان. بالطبع علم المدير بالامر،فقام باستدعاء الاستاذ عمر محتجا على ذلك وطالبا ايقاف ذلك وفورا.
الا ان الاستاذ عمر،كما روى لي ذلك، سأل المدير المرعوب، لماذا تريد منع جريدة الاتحاد القانونية،التي تخضع لمراقبة "التسنزورة " من الدخول الى غرفة المعلمين.. قال المدير. يا استاذ ..يا استاذ انت سيد العارفين. المفتش ومن هو فوق المفتش.
الا ان الاستاذ عمر اصر على موقفه، حقه، واستمرت الاتحاد بالدخول الى غرفة المعلمين، كما اكد لي طيب الذكر الرفيق شريدي.
في اواخر السبعينيات من القرن الماضي، بدأ نشاط الجماعات الاسلامية الفتية في قرى المثلث الصامد. وقد اتخذت هذه الحركات من التحريض على الشيوعية والشيوعيين ،وعلى الرئيس الراحل طيب الذكر الوطني عبد الناصراتخذت لها دينا وريدناً.
واذكر ان الشبيبة الشيوعية في منطقة المثلث، قررت تقديم محاضرة لطلاب المدارس الثانوية في فروع المثلث بعنوان – الشيوعية والدين.وقامت بدعوة الرفاق، والطلاب الثانويين غير الشيوعيين لسماع هذه المحاضرة. وكان لي شرف تقديم هذه المحاضرة. وقد اكتظت قاعة نادي الحزب الرحبة باكثر من مائة طالب وطالبة.
قبل ان ابدأ بتقديم المحاضرة. واذا بالاستاذ الازهري عمر شبيطة، برفقة مدير قريب له يدخلان قاعة النادي يجلسان مع الشباب والشابات، استمعا للمحاضرة والنقاش والملاحظات.
وعندما سألته بعد المحاضرة عن رأيه وملاحظاته، قال لي كل الاحترام لكم .لا يمكن للانسان ان يكون متدينا حقيقيا، ووطنيا حقيقيا وان لا يكون صديقا للحزب الشيوعي والاتحاد السوفييتي. زيدوا من هذه المحاضرات.
للاسف الشديد في السنوات الاخيرة اقعد المرض الاليم الاستاذ الازهري عمر شبيطة، الا ان استاذنا، ابى على ما يظهر، الا ان اراه لآخر مرة . وهو يمسك بيديه حبيبته التي احبها حبا جما. ليست احدى حفيداته،بل حبيبته الاتحاد وهو يجلس على الكرسي، لا يستطيع الحراك، او التحدث مع من حوله.
لم استطع الاشتراك بجنازة المربي الوطني عمر شبيطة. الا اني استطيع التأكيد له،اننا سنعمل كل ما في وسعنا حتى تبقى حبيبتك الاتحاد،جريدة الحزب، جريدة الشعب ،جريدة الوطنيين الشرفاء، منارة تهتدي بهديها جماهير شعبنا وكل العقلاء والشرفاء من العرب واليهود في هذه البلاد.
(ام الفحم )
