أحاسيس وهواجس أعلى من أسوار السجن

single

اليوم يوم أربعاء والتاريخ 31/10/2012. شهر من أشهر فصل الخريف.. المشهور بتقلباته الجوية.. هذا الشهر متقلب المزاج يتأرجح ما بين الحر والمطر والبرد الخفيف والذي سرعان ما يبدأ بطرد حر الصيف الحارق والذي يُلهب أجسامنا طيلة فصل الصيف في هذه البقعة من منطقة بيسان الفلسطينية المشهورة بحرارتها الملتهبة والحارقة.
إن هذه النسمات الخريفية تبشرنا دائما باقتراب فصل الشتاء بعواصفه ورعوده وزخات مطره. كنت في ذلك اليوم وذلك التاريخ المذكور أعلاه سائرًا في ساحة السجن وحدي متعمدًا ان لا أرافق أحدًا من الأسرى وذلك لكي يتسنى لي ان أحلّق بأفكاري خارج الأسوار الإسمنتية العالية وخارج الشبك الذي يزنر هذه الأسوار حرصا على الأمن ومنعا من هروب أي من الأسرى الذي قد تسوّل له نفسه ذلك.. وأيضًا لكي أتمتع باللمسات الخفيفة لنسمات الهواء والتي كانت تغطي كل مساحة السجن الضيّقة.. هذه اللمسات والتي تشبه خصلات شعر متطايرة من عشيقة على وجه حبيبها أثناء تبادل الغرام بينهما في احد الأماكن الرومانسية الممتعة. فبينما كنت سائرًا الهوينا في ساحة السجن وإذ بنسمات ناعمة كنعومة ريش النعام تتسلّل من خلال الفتحات الصغيرة جدًا من التي تُغطي سماء ساحات السجن.. هذه الفتحات وهذا الشبك المتراص بإحكام خُصص لكي يحجب عنا بهاء وصفاء السماء في الصيف وغيومها في الشتاء ولكي يُشوّه وجه القمر المضيء الذي يحوم في سمائنا بدون ان نتمكن من التمتع بمشاهدته على حقيقته وطلته البهية.. وبالاضافة الى ذلك يحجب عنا هذا الشبك وهذه الأسوار الصماء كصانعيها مشاهدة القرص الذهبي للشمس عند الغروب أثناء ممارستها الغرام مع أمواج البحر، وذلك عندما تبدأ بالاقتراب من أمواجه المتلاطمة والتي تهدأ عند اقتراب حبيبتها الشمس لكي تلثم أمواجه. ان هذه النسمات الناعمة والمشبعة ببرودة خفيفة جدًا ترد الروح وتنعشها وتغازل الجسد وتتحرش بالمشاعر والوجدان وتنعش الذكريات الجميلة عندي وخصوصًا عندما كنت مع زوجتي وحبيبة عمري نقوم بشطحات وحدنا عند الغروب في سهول جت كنوع من الرياضة الجسدية والعشقية والرومانسية. ان هذه النسمات تجاوزت كل هذه الفتحات الصغيرة ودخلت إلينا متسللّة بكل خفّة وهدوء لكي تخفف عنا عذابات السجن. فأثناء هذه اللحظات الممتعة من الغزل المتبادل بيني وبين هذه الرعشات اللذيذة والتي حدثتني بها هذه النسمات الناعمة شعرت وكأنني على رأس تلة مرتفعة من تلال هذا الوطن الجريح.. حقا.. لقد اخترقت هذه النسمات كل الحواجز الخانقة جسديًا ونفسيًا وتسللّت إلينا لكي تُذكرنا بجمال الطبيعة.. طبيعة بلادنا وهوائها النقي وأزهار ربيعها النضرة. ان أسير الحرية وبسبب الحرمان القاتل يتمسك بأبسط التفاصيل ويبدأ يُنقّب عنها بدقة في دفاتر ذكرياته لكي تصبح هذه التفاصيل من الذكريات ذات أهمية وذات معنى كبير جدًا. لان هذه التفاصيل وعلى تنوّعها تشكل للأسير زاده ووجدانه اليومي لكي تُعينه على الاستمرار داخل قبر الأحياء هذا.. والذي كل شيء فيه صامت ومُملٌّ وساكن وفاقد لكل معاني الحياة ولكل مبادئ احترام بني البشر، ويشعر فيه الأسير بل يعيش الواقع المر وكأنه في القرون الوسطى من حيث انعدام مواكبته للتطور بل معايشته بسبب زجه في هذه الأماكن المظلمة. ان كل وسائل المعيشة لكل من يتذوق مرارتها تعيدنا إلى حالة التخلف ومراحله البدائية ولا نشاهد مثل هذا التطور بكل أشكاله الا من خلال القنوات الفضائية المحدودة جدًا والتي خُصصت وسمح بمشاهدتها بما يخدم سياسة إدارة السجن وسياسة الدولة العبرية. لا يكسر حاجز الصمت والرهبة الا الأصوات المزعجة عند فتح الأبواب وإغلاقها ولا يُحرك هذا السكون الا التفتيشات الاستفزازية اليومية وصوت السماعات المزعجة وصفارات الإنذار والتي تُبشر دائمًا بحالات من الاستنفار القصوى، اما من اجل التمارين الروتينية أو للهجوم واقتحام الأقسام بالهراوات والغاز عند حدوث أي احتجاج من قبل الأسرى أو النهوض من النوم باكرًا من اجل الوقوف للعد أربع مرات، كل يوم تبدأ من السادسة صباحًا حتى السابعة مساءً حيث لا استقرار ولا أي هدوء عند الأسير الا لساعات محدودة وخصوصًا بعد العد المسائي.. حقًا.. ان هذه النسمات الخريفية الرومانسية أيقظت عندي الحياة من جديد وحركت عندي المشاعر وأيقظت عندي كل تفاصيل الذكريات الحلوة والممتعة من أفراد أسرتي وأحبائي وزادت عندي الرغبة الجامحة للانعتاق من بين جحيم القيد وأنيابه المفترسة أملا ان تحل محل ذلك زغاريد التحرر والحرية.

 


(الأسير السياسي وأسير الحرية – سجن الجلبوع – قسم 2)

قد يهمّكم أيضا..
featured

هل الخطان الفلسطينيان المتوازيان يلتقيان ...؟؟؟!!!

featured

حذار من الحماقات

featured

اللُّعب بالسياسة باسم "النقاوة القومية"

featured

أصابته رصاصة بظهره عندما كان عمره 13 سنة ومنذ ئذ توقّفت حياته

featured

الطالب اليهودي يحظى بتسعة أضعاف ما يُخصّص للطالب العربي!

featured

الخدمة المدنية من الترغيب للفرض والترهيب

featured

كل شيء سياسي طبقي في هذه البلاد – حتى الهواء الذي نتنفسه

featured

الحكام العرب ولعبة شد الحبل