سياج الآلام الذي يحيط حياتنا، أصبح لا يُطاق، لم يعُد بمقدورنا عبوره لأن أسلاك الأنين شائكة جدًا... الوعكات الصحيّة الفجائيّة باتت تحاصر أجسادنا، فنرتاع منها... لتحتلّنا آلامًا نفسية فظيعة، حتّى تؤرّق عيشنا، بعضنا الآخر يتغاضى عن رؤية المواكب الجنائزيّة، التي نعيشها يوميًا، الناجمة عن ارتفاع نسبة العنف إلى أقصى درجات الإجرام الوحشي...غالبية المجتمع العربي عاجز عن الاحتجاج أو التظاهر ضد العنف بأشكاله كافّة، لأن أعصاب المواطن تخدّرَت، ولم تعُد تبالي بهذه الحوادث الرهيبة، لأنها باتت شبه روتين مُقلق!!
ما أستغربه في هذه القضية، أن بعض مواقع الإنترنت المحليّة الشهيرة، العالقة في الشبكة العنكبوتيّة، تُحوّل تلقائيًا أي حادثة قتل أو طعن إلى خبر عاجل! وكأنها نادرة الحدوث أو عديمة الوجود، أم تعتقد أنّنا نعيش في الدول الإسكندنافية، ربّما لا أدري! مع أنها تَحدُث يوميًا وفي كل دقيقة في مجتمعنا الذي تحوّل مع مرور الزّمن إلى حديقة سفاري بشريّة!!
اليوم صرنا نسير في الأزقة متلفّتين خوفًا من قُطّاع الطرُق المتربّصين الذين يريدون نهب ما في جيوبنا عنوةً، وذلك نتيجة تردّي الأوضاع الاقتصاديّة، وارتفاع الأسعار. التقليصات الحادة التي تفرضها الحكومة على الطّبقة المتوسّطة والمسحوقة، لتحافظ على نموها الاقتصادي!هُما المتضرّرتان الرّئيسيّتان من هذه العقوبات المعيشيّة، وتنسى أنها تقضي على العيش الكريم للشّعب، وتُساهم الحكومة بشكل غير مباشر في نشرالعنف!
نمُر بين الأحياء متوترين، لئلاّ نصادف عراكًا شبابيًا على خلفية طائفيّة أو شخصية، فبعض الشّبان تمردوا على القيَم... الوقاحة والفوقيّة هُما آلية تعاملهم مع أهاليهم... يستهترون بتدخّل الكبار، فهُم يعتبرون تدخّلهم إخمادًا لثورة غضبهم، الرّافضة تمامًا لأية تسوية بين أبناء هذا الجيل. لذا نجد الأنا يتصارع مع كبريائهم... خلفياتهم تتنافى مع تصرفاتهم المشينة... غريزة الشر تُحرّض أخلاقهم على الفسق، لأنهم يعيشون في حلبة المصارعة، ليفوزوا بميداليات فُتوّات الأحياء.
كم نحلُم في كثير من الأحيان أن نقود سيارة مصفّحة، لئلا يصيبنا عيار ناري طائش، يخترق زجاج السيّارة، يطلقه علينا أحد سماسرة المخدّرات، فيغتالنا في لحظات، دون ذنب، فالشرطة عاجزة (الارادة!) تمامًا عن اتخاذ أي إجراءٍ وقائي ضد منظمات الإجرام المنتشرة في مجتمعنا، عاجزة عن ملاحقة المجرمين، وكشف هويّتهم، لتقدّمهم إلى العدالة... تتغاضى عن تهريب السّلاح، لأنها معنية بانتشار العُنف وبيع الأسلحة الممنوعة، في المجتمع العربي تحديدًا، كي نَظَل مُتصدّرين عناوين الصحف الإسرائيليّة، كأصحاب أعلى نسبة إجرام في إسرائيل!!
العنف لم يعُد محصورًا في منطقة معيّنة، بل أصبح منتشرًا في كل أنحاء المجتمع العربي، إنّه يُغطّي كل مساحته... يغّطي كل مجالاته، فنجده مستشريًا بين أفراد الأسرة الواحدة، على خلفيات متعدّدة والأكثر شيوعًا على خلفية شرف العائلة!... كذلك في المؤسسات العامّة... في الملاعب الرياضيّة... لقد طال العنف حتّى كبار السّن والمستضعفين... هذه الحالات تصب في خانة العنف الاجتماعي النّاجم عن ارتفاع أدرنالين التوتّر في دم بعض الشبّان، بسبب عولمة مفاهيمهم الشبابيّة غير التقليديّة!
العنف بمفهومه الحديث لم تعُد بُنيته الانتقام، إنّما هو عبارة عن خلايا ترهيبيّة خاملة، موجودة في كل مكان، توقظها نماذج لشخصيات شاذّة اجتماعيًا، تعاني من عقدةٍ نفسية، أو ربّما نمت في بيئة مفكّكة أسريًا. هذه الشهامة الوحشيّة، تحرّكهاغريزة التسلُّط بالقوّة على أي شيءٍ صعب المنال!مهنتها البلطجة... تفكيرها سادي، فتضطر لاستخدام أي شكل من أشكال العنف، لكي تُثبت أحقيتها في كل شيء، عن طريق فرض سياستها العدوانيّة على الآخرين، مهما كلّفها الأمر!!
بالفعل نحن نعيش في حديقة حيوانيّة بشريّة مفتوحة، وكما تُسمّى "حديقة السفاري"، إذ نخاف أن نسير وحدنا في الشّارع، صرنا بحاجة لحرس شخصي مسلّح يدافع عنّا،عندما يهاجمنا حيوان بشري شرس على غفلة! في حديقة السّفاري، نتوقَع مُسبقًا أن نصادف حيوانات بريّة، من فصيلة آكلي اللحوم، تسرح في أرجائها، لتنعم بشبه الحريّة...
... بينما في حديقة السفاري البشرية، نجد فصيلة بني البشر، تطوَّرت طبيعتها إلى ما بعد نظرية داروين للنشوء والتطوّر، وتنعم بحريّة التنقّل، لكنها للأسف الشّديد أصبحت عدائية إلى حدٍ كبير، ولا يمكن ردع هذه النوعيّة من البشر، وأي عملية تأهيل لهم، غدت شبهَ مستحيلة في ظلِّ اللامبالاة والتجاهُل من قبَل الدوائر الرسمية المسؤولة.
