رفض الاخوان ونهجهم، من جميع شرائح المجتمع المصري
*إن اسقاط الشعب المصري، خلال عام واحد، لنظامين متتاليين: مبارك ثم الإخوان، هو إعجاز تاريخي وإنجاز بالغ الدلالة على حيوية هذا الشعب؛ كما أن إسقاط حكم الإخوان يعني، في الوقت ذاته، انهيار مشروعهم الذي عملوا له، بمختلف الوسائل منذ تأسست حركتهم عام 1928؛ وقد كان عام واحد في السلطة كافيا لتعرية حقيقة شعاراتهم، سواء في الموقف من اسرائيل أو من الولايات المتحدة أو من قضايا الشعب المصري الأساسية*
يمكن القول إنه بالمعايير المطلقة، يعتبر تدخل الجيش أمرا سلبيا؛ أما بالمعايير النسبية، فإن تدخل الجيش يعتبر أقل سوءا من استمرار سلطة الإخوان المسلمين. فالمشهد العام الذي تشكل في مصر نتيجة لاستقطاب القوى وضع مصر أمام أحد خيارين لا ثالث لهما : إما حرب أهلية، تتجاوز في عنفها ودمويتها كثيرا ما يجري اليوم في سورية، أو تدخل الجيش. فمن الجانب الواحد عبّرت الغالبية العظمى من الشعب المصري، بوسائل شرعية متعددة، رفضها القاطع لاستمرار سلطة الإخوان المسلمين؛ ومن الجانب الآخر،إصرار حركة الإخوان على تمسكها بالسلطة التي وصلت اليها؛ متجاهلة نزع غالبية الشعب المصري الثقة عنها ورافضة لإجراء انتخابات رئاسية مبكرة.
بمعنى آخر، تعتبر هذه الحركة، في آخر المطاف، أنها تستمد شرعيتها من السماء وليس من المواطن المصري، وأن لجوءها لصندوق الإنتخاب لم يكن أكثر من تكتيك عابر للقفز على السلطة، في فرصة سانحة. وعلى أي حال، من السابق لأوانه الإعتقاد بأنها سلّمت بانتزاع السلطة من يدها، بالأخذ في الحسبان تاريخها الحافل بالاغتيالات والتفجيرات وحرصها دوما على وجود تشكيلات عسكرية لها. ومن هنا، لا ينبغي استبعاد أي احتمال، بما في ذلك تكرار السيناريو الجزائري، في تسعينيات القرن الماضي.
من جانب آخر، ومع الإدراك بأن قيادة الجيش المصري وثيقة الصلة بواشنطن، وبأن خطوتها بالتدخل ليست بعيدة عن التنسيق مع واشنطن والتي، على ما يبدو، توصلت، بعد عام كامل، الى فشل رهانها على حركة الإخوان المسلمين في لجم زخم الحراك الشعبي في مصر، والذي تخشى واشنطن أن يؤدي، آخر المطاف، الى متغيرات راديكالية في مصر، تخرجها من دائرة نفوذها، مما سيقلب التوازنات في مجمل الشرق الأوسط.. مع إدراك كل هذا، فإنه ما كان باستطاعة قيادة الجيش المصري تجاهل ارادة ثلاثين مليونا نزلت الى الشارع؛ ومهما يكن من أمر، فخطوة تدخل الجيش للخلاص من سلطة الإخوان تفتح الطريق الى الأمام. فالتصدي لتدخل قيادة الجيش، عند الضرورة، أهون من الخلاص من حكم الإخوان. فالشعب المصري أثبت أنه يعي جيدا طبيعة ارتباط قيادة الجيش المصري بواشنطن؛ وقد تجلى هذا الوعي بوضوح حين سهّلت قيادة الجيش هذه تسلم جماعة الإخوان للسلطة، عقب سقوط نظام مبارك، حين كانت واشنطن تراهن على هذه الحركة، ليس على مستوى مصر وحسب، بل وعلى مستوى المنطقة؛ حينها، علت هتافات الجماهير الصاخبة، التي أسقطت للتو حسني مبارك: "يسقط، يسقط حكم العسكر!". ولعله بسبب الإدراك لهذا، وللإدراك كذلك بأن المجتمع الدولي يرفض حكم العسكر، لجأت قيادة الجيش المصري الى السيناريو الذي جرى.
وعلى أي حال، فالمتوقع أن تكون السلطة القادمة في مصر بالضرورة خطوة الى الأمام، وليس خطوة الى الخلف، كما وقع عقب سقوط نظام مبارك وحلول حكم الإخوان المسلمين مكانه. مأخوذ في الحسبان أن الشعب المصري، الذي اكتسب خبرات ووعيا سياسيا بالغ الغنى خلال العامين الماضيين من تجاربه المريرة مع المتآمرين من كل شاكلة ولون، سيسد الطريق على فلول نظام مبارك وأمثالهم الذين يتحركون بشكل محموم، هذه الأيام الحاسمة، مدعومين بالسعودية وأموالها على وجه الخوص. وطالما لم يحقق هذا الشعب المناضل الأهداف التي تحركت ملايينه من أجلها، قبل أكثر من عامين، ينبغي الافتراض بأنه سيواصل معركته بعزيمة أكبر، بعد الاطاحة بسلطة الإخوان، حتى تحقيق تلك الأهداف
أما ردود الأفعال في المنطقة على إسقاط سلطة الإخوان المسلمين، فقد تباينت وتعطي مؤشرات ذات مغزى. كان أول المهنئين بالتغيير حكام السعودية، الذين ناصبوا سلطة الإخوان، ومنذ البدء، العداء، حيث اعتبروها منافسا خطيرا لهم على زعامة الإسلام السني. كما أن اعتراف حكام قطر الجدد بالتغييرات في مصر مؤشر على الأبعاد السياسية لما جرى من تبديلات بينهم، حيث كانت قطر أكثر الداعمين لسلطة الإخوان في مصر. أما البلدان المصران على مواصلة الاعتراف بشرعية مرسي فهما تركيا وتونس.
إن اسقاط الشعب المصري، خلال عام واحد، لنظامين متتاليين: مبارك ثم الإخوان، هو إعجاز تاريخي وإنجاز بالغ الدلالة على حيوية هذا الشعب؛ كما أن إسقاط حكم الإخوان يعني، في الوقت ذاته، انهيار مشروعهم الذي عملوا له، بمختلف الوسائل منذ تأسست حركتهم عام 1928؛ وقد كان عام واحد في السلطة كافيا لتعرية حقيقة شعاراتهم، سواء في الموقف من اسرائيل أو من الولايات المتحدة أو من قضايا الشعب المصري الأساسية.
إن الشيء الوحيد الذي أولوه اهتمامهم، خلال هذا العام، هو "أخونة" أجهزة السلطة والمجتمع المدني، ومساعي تمزيق لحمة الوحدة الوطنية المصرية، بإثارة الفتن الطائفية. وقد توجوا كل ذلك مؤخرا بقطع العلاقات مع سورية والدعوة للجهاد الى جانب عصابات المرتزقة فيها.
وما من شك في أن سقوط حكم الإخوان المسلمين في مصر، مهد نشوء هذه الحركة وأكبر بلد عربي، سيكون له تداعيات بعيدة المدى على مستوى المنطقة كلها؛ وسيشكل خطوة نوعية على طريق تحقيق الإصلاح الديني، بفصل الدين عن الدولة، ووضع حد للمتجارة بالدين وابتذاله، ليعود، كما ينبغي له، قضية ضمير شخصي.
