إيران وهذه الأسئلة

single
أيهاجمون إيران قبل الانتخابات الأميركية أم بعدها؟ أتهاجمها إسرائيل وحدها، أم الولايات المتحدة وحدها، أم الاثنتان معًا، أم الاثنتان ومعهما آخرون؟ أتهاجم إسرائيل إيران بإذن أميركي أم بدون إذن، وهل سيصدر الإذن علنًا أو خفية؟ وإذا كانت الولايات المتحدة هي المبادرة إلى الهجوم، فهل ستشارك إسرائيل فيه، أو سيطلب منها ضبط النفس، كما حدث حين هاجم التحالف الذي أنشأته الولايات المتحدة العراق في حرب الخليج الثانية. وما هو الدور الذي سيُناط بدول الخليج العربية، أحفرُ باطنٍ جديد ضد إيران هذه المرة، أم اكتفاء باستخدام أراضي هذه الدول وأجوائها ومياهها وموانئها وتحميلها تكاليف الهجوم المالية؛ كما تحملت تكاليف الحرب على العراق، وكما تتحمل الآن تكاليف الحرب على سورية؟
يشغل الإعلام أذهان متتبعيه بهذه الأسئلة والمناقشات التي تشعلها. ويقدم الإسرائيليون المادة التي تتصدر ما تبرزه وسائل الإعلام، ويصيد مسؤولوهم عصافير عدّة بإعلام عن موضوع واحد؛ يبعدون اهتمام جمهورهم عن أزمات إسرائيل الداخلية؛ ويقلصون الاهتمام بما يفعلون في الأرض المحتلة، في غزة التي يحاصرونها دون أن يكونوا في داخلها، وفي الضفة التي يحاصرونها هي الأخرى حتى وهم في داخلها؛ ويتسترون على ما يقومون به في سورية ومصر وليبيا وتونس والعراق والسودان بشماله وجنوبه والأردن وغيرها. وتشتمل المادة الإسرائيلية التي تغذّي المناقشات على ما قد يكون صحيحًا وما قد يكون مضللا، كما تشتمل على آراء مختلفة أو متفاوتة أو متباينة. كل هذا، دون أن توفّر هذه المادة ما هو يقيني بشأن هجوم وشيك أو بعيد، أحادي أو ثنائي أو متعدد الطرف.
في مقابل هذا الضجيج، تحتفظ دول الخليج بما يكاد يكون صمتًا كاملا فيما هي منهمكة في إعداد ما يلزم لتسهيل أيّ هجوم على إيران. وهذا هو الصمت الذي يستحق أن يوصف بأنه مريب، خصوصًا حين يطمس السؤال الكبير: لماذا نوويُّ إيران المفترض وليس نوويَّ إسرائيل الموجود، لماذا ينتخي عرب النفط ضد إيران ويتعاونون مع إسرائيل، لماذا تجازف هذه الدول بتعريض بلدانها لحصتها من رد الفعل الإيراني المرتقب، لا لشيء إلا لأنهم في إسرائيل والولايات المتحدة يضيقون بالسياسة الإيرانية المتحررة من التبعية لهم؟
وفي الوقت ذاته، تتجنب تركيا الإفصاح عن موقفها بوضوح وتتكتّم على ما يُطلب منها في الهجوم على إيران. فهل ستجيز تركيا للولايات المتحدة استخدام قواعد حلف الأطلسي الموجودة على أرضها، أو ستمنع استخدامها؟ بالرغم من التكتّم الرسمي، هناك مقدمات: المساهمة التركية الواسعة في دعم الحرب الدائرة ضد حلفاء إيران السوريين، والمساعي الأميركية المثابرة لتسوية خلاف إسرائيل وتركيا، الخلاف الذي جعلته تركيا بعد حادث السفينة مرمرة من طبيعة بروتوكولية.. إلخ.
الأميركيون يعرفون لماذا يحاربون إيران، والإسرائيليون يعرفون. فإيران، بنهجها السياسي والاقتصادي المستقل تشكل قوة متزايدة الفعالية تناوئ المصالح الأميركية، وهي بهذا تقدم أنموذجًا لسلوك دولة من العالم الثالث يحرج حكام الدول النفطية الأخرى التي تخدم المصالح الأميركية وليس مصالح شعوبها. فما الذي يعرفه هؤلاء الحكام حين يبيحون أرض دولهم وأجواءها ومياهها لهجوم أميركي أو إسرائيلي أو مشترك على إيران هذه؟ وما الذي سيقوله حكام دول النفط للجمهور العربي، كيف سيسوّغون دورهم في العدوان على دولة تنتهج تجاه الولايات المتحدة وإسرائيل السياسة التي تفتن شعوبهم ذاتها؟ هل سيقولون إنهم اتبعوا الولايات المتحدة وإسرائيل ليُعلوا مكانة الإسلام؟ هل سيدّعون أن إيران هي التي تنهب خيرات بلاد المسلمين وتحتل أرضهم وتفتك بناسها، وليس الولايات المتحدة وإسرائيل؟ أو أن هؤلاء  الحكام سيواصلون الصمت ويسرّبون المعلومات التي تزعم أنهم لم يشتركوا في أي هجوم، لا في الإعداد له ولا في مباشرته ولا في تقديم التسهيلات للمهاجمين ولا في التمويل؟
وتركيا، ما الذي سيقوله نظامها الإسلامي، وما الذي سيسوغ النظام التركي به مساهمته في هجوم أميركي أو إسرائيلي أو مشترك على إيران، هل سيتَّبع أسلوب الإسلاميين المتخلِّفين في دنيا العرب فيستر تبعيته للأسياد الغربيين بدعاوى طائفية؟
وفي المحصِّلة، حين يتعلق الأمر بالجانب الفلسطيني، ما الذي  سيجنيه الفلسطينيون في هذه الحالة، ما الذي سيجنونه إن أفلح الهجوم وأفضت تداعياته إلى إسقاط النظام الإيراني المناوئ للولايات المتحدة وإسرائيل وأحلت محله نظامًا متعاونًا معهما؟ وما الذي قد يجنيه الفلسطينيون إذا صمد النظام الإيراني أمام الهجوم وأفضت التداعيات، كما هو متوقَّع، إلى أن يصير هذا النظام أكثر تطرفًا ويصبّ نقمته على مهاجميه ويدرج الدول العربية التي سهَّلت الهجوم في عداد من سيطالهم انتقامه؟
هذه وغيرها أسئلة تتداعى فيما الضجيج مستمر. ولئن صح أن التنبؤ بما قد يقع وشيكًا أمرٌ صعب، فصحيح أيضًا أن هناك ما يساعد على تلمّس هذا الذي قد يقع: إسرائيل لن تهاجم إيران ما لم تحصل على إذن  صريح من الإدارة الأميركية. والولايات المتحدة وإسرائيلها وعربها لا يحاربون إيران بسبب السلاح النووي، بل بسبب سياستها التي تجعل النفط في خدمة تنمية البلد. ويُحسن صنعًا كلُّ إنسان يوفر على نفسه مشقة الانشغال بهذا الجدل الذي يدور حول الهجوم، فالحرب على إيران قائمة بوسائل متعددة منذ تخلّص هذا البلد من حكم الشاه، والهجوم الذي يحكون عنه لن يكون سوى جولة في هذه الحرب، جولة لن تكون في أغلب الظن الجولة الأخيرة.
قد يهمّكم أيضا..
featured

المطلوب في يوم الطفل العالمي

featured

الخليل بكل معالمها فلسطينية

featured

ضائقة العرب، غطرسة رأس المال والتدهور نحو الفاشية

featured

لا وطن للإرهاب ولا مستقبل!

featured

الاعاقة السياسية!!

featured

أزمات زعيم فصائل اليمين المتطرف..

featured

توفيق .. يا معلّم الأجيال