نستميح العذر من الفنّان السوري: قُصيّ الخولي /أبو قاعود، زبّال حارة الضّبع شكليًّا، ومنظّفها من العملاء فعليًّا/في مسلسل باب الحارة ج /5، نستعير لازمته الصّادرة عن قلب يجيش بالوطنيّة الصادقة، ينفطر ألمًا وحزنًا، ممّا يجري في حارة الضّبع، من جرّاء:الجواسيس، العوايليّة، العيون، المُخبرين والدّساسين، لصالح المستعمر الفرنسي الغاشم الذي يستعين بفئة من المرتزقة المحلّيّين الرخيصين الخائنين.
مجتمعنا العربي المحلّي والخارجي يطفح بِهيكْ أشكال وزبالة، من محيطه الى خليجه، ومن بحره الى نهره، ولا يُحمد على مكروه سواه!
*تجلس في ديوان عادي مع مجموعة من الخلاّن والأصدقاء، لِفَشّة خلق والتّنفيس عن بعض الهموم والسّموم المحيطة بِكَ، تعتقد لوهلة أنّكَ بعيد عن القيل والقال ولغط العيال، فجأة بِنُطِّلَّكْ الفشّ من القشّ، يدحش أنفه متطفّلًا، لا شور ولا دستور! كالحمّص بالزّفر، يغيّر الموضوع الجدّي الى موضوع ردح ومسح أجواخ للسلطة التي نهبت أرضه، وألزمته لدفع غرامات باهظة، لأنّه بنى بيته على أرضه دون ترخيص، متناسيًا أنّ تلك السّلطة هي التي أرغمته على ذلك، من جرّاء سياسة التّضييق والتّنكيل، أشكرة خبر!
*تُدعى الى اجتماع تشاوري لمعالجة موضوع طارئ، وطرح ما هو عالق من بعض أمور السّاعة، تحاول الصّمت لفسح المجال للآخرين لإبداء آرائهم، حتى لو كانت مغايرة! فينطلق الرويبضة والإمّعة، بكلّ قلة أدب وذوق معًا، كأنّه سحبان وائل، معاذ الله، أو قِس بن ساعدة الأيادي!دون أن يدري بأنّه كالثّور المشَيِّر الذي يلحقه صاحبه لتجنيبه الخطر المحدق، ولكن لا حياة لِمَن تنادي، بِدِبّ كلّ دبّة لا بتنزان في ميزان، ولا بتنشال في قبّان! فيفرط الاجتماع، تيتي تيتي، مثل ما رحتي جيتي!
* يستضيفونك في ندوة ما، لتدليَ برأيك مع مجموعة من ذوي الشّأن، يعرفون مسبقًا أنّ رأيكَ مغاير، لا تبخل بقول الحقيقة، حتى لو دفعت الثّمن غاليًا! ينبري لك، من باب المناقرة أمّيّ، لا هو في العير ولا في النّفير، يبدأ في التّنظير والتّأطير، كأنه حكيم زمانه وإياس العدالة والنّزاهة، في أحكام قراقوش، كلّ متّهَم مذنب حتى لو ثبتت براءته!تشعر بالاختناق والامتعاض، يحاول البعض إخراس ذلك الصّوت النّشاز، صوت البوم والغراب، لكن لا حياة لمن تنادي، فقد سبق السّيف العذل، إلّلي قضاه قضاه، واللي كتبو سوّاه!
*تُكَلَّفُ من قِبَل بعضهم لمشورة في أمر ما، يختلط الحابل بالنّابل، مين حضر السّوق باع واشترى، حتى لو كان السّعر بائسًا، الصّمت ليس دائمًا علامة الرّضى والقبول! تتجهّم الوجوه، يخيّم جوّ من الوجوم والاكفهرار، تتلبّد الغيوم منذرة بسيل جارف كأمطار أيام زمان، حين كانت تحلّ حَبْسَة، زَرْبَة، تحبس النّاس في بيوتها، كما هو في سعد ذابحُ أو سعد بلع، يتمادى طفيلي غرّ خرج لِتَوّه من أتون الصّناعات العسكرية المتطوّرة، يطلقون عليها لقب: سلطة تطوير الوسائل القتاليّة، فيحرق الأخضر واليابس، ولات ساعة تنفع فيها النّدامة!
*الانتهازيّون، الوصوليّون، طالبو التّوصيلة المجّانيّة، حسنة لوجه الله، كثيرون في مجتمعنا، يقفون على قارعة الطّريق، يؤشّرون بأياديهم، غير النّظيفة، طالبين توصيلة، الى هدف جديد وقِبلة أخرى، بعد أن نالوا مبتغاهم وإربهم في هذا الموقع، ودون أن يقولوا:خلف الله عليكو، يبصقون في الصّحن الذي ترامَوا عليه مرارًا وتكرارًا، مين أخذ إمّي صار عمّي!هم مدّاحون، هجّاؤون، حسب الطّلب والتّسعيرة، الرّقبة سدّادة، هلا والله، يا حيى الله، مع الاعتذار للنمس في باب الحارة، إدفعْ بِكَفّو وْدورْ خلفو! كما قال طيّب الذِّكْر، أبو داوود، البقيعة/المرج!
*يطلب منك أن تعالج معضلة ما والإدلاء برأيك في حدث معيّن!فسرعان ما تنهال عليك الكلمات الجارحة، أبعد ما تكون عن النّقد البنّاء، يأتيك مَن هو في الوجه مراي، وفي القفا مذراي / صرماي!عليك اختيار الكلمة المناسبة، حتى لو كانت جارحة، في زمننا الرديء، ما بْيُسْتْرَكْ فيه غير وجهك! *حين تنوي السّلطة الغاشمة هدم بعض البيوت، مظاهرات وعراضات كبيرة تخرج الى الشوارع، تتماثل أمام ناظريك مشاهد الوطنيّة السّوريّة، هاتفة بصوت جهوري: يا حارتنا حِنّا رْجالك/الروح بْتِرْخَصْ كُرمالك، رْجال الشّام ما بيرضوا/على كيفهن يْهدّوا، نحنا رجالك سوريّة/واحنا سباعِك البرّيّة، يا مُحْتَلّ لَبَرّا/سورية بِتْظلاّ حُرّا!يخرج زُلُم داعش /النّصرة /الجيش العربي الكرّ، المحلّيّون، مكبّرين مهلّلين على ذبح الأطفال والنّساء والعجّز، ذارفين دموع التّماسيح على إرهاق الدم العربي السوري، مشيدين ببسالة وإقدام محاور الشّر: امريكا أمّ الجرائم، ذيولها، أذنابها، زعانفها، مخالبها، كلابها....فيدافعون عن الحرّيّات المُنْتَهَكَة! لا حياة ولا خجل! فاقد الشيء لا يعطيه! من هالأبَر المشرّمة عنّا قُفَف معرّمة!
*يتجوّل بين ظهرانينا الكثيرون من الانتهازيين، المزواجين المطلاقين سياسيًّا، يرتمون في أحضان هذا الحزب، وبعد نيل إربهم، سرعان ما يضطجعون في أحضان حزب آخر، إقلب قلبنا! يزايدون، يراوغون، يُلمِّعون ويُلَمَّعون، هم أشبه بمأمون بك/فايز قزق/ وعوايليّته، عملائه وعكاكيزه /باب الحارة /منهم من يمثّل دور أبي هلال، أبي شاكر، أبي الورد، أبي ساطور، النّمس... وحين ينتهي دور العين، سرعان ما يلجأ مأمون بك لتصفيته، والحبل ع َ الجرار، الثاني يدقّ المسمار الأخير في نعش الأوّل، وهكذا دواليك، الزّعيم الأوحد شوفوني يا ناس، اشتراكي باشا، يشتري الماكانات، الحوانيت، أراضي الوقف، يبلع ويلتهم الأخضر واليابس!هو في كافّة الولائم والشّتائم، حاضر سنكة طقّ لحين الطّلب، شبّيك لبّيك، عبدك بين ايديك، يُؤَلّب، يُغلّب، يشقلب، يشطّب، يوظّب، حسب الطّلب والتّسعيرة، بمقدور أموال أسياده يلعب ويغرّر بالبسطاء والسّاذجين، ولا ينفضح أمره إلّا بعد أن يصطاد الكثيرين في زعانفه الأخطبوطيّة.
*أناس بسطاء، سُذّج، ع َ البركة، رخيصون، يباعون ويُشْتَرون في سوق النخاسة، ربّما قسا الدّهر عليهم في غفلة من الزّمن، أمِّموا من حيث القيم، المبادئ والأخلاق، اشترتهم السلطة بأبخس الأثمان. دائمًا نقول، حارتنا ضيّقة ونعرف بعضنا البعض، ولكن تخفى علينا أمور عديدة، لا نكتشفها إلّا بعد فوات الأوان، ولات ساعة ندامة تنفع حين تقع الواقعة! فنردّد مع أبي جاعود: الحارة مليانة زبالة والنّاس مش دريانة /عرفانة، مْشَحّر أنا، معثّر أنا! رغم ذلك، لن نتشاءم أبدا! لن نفقد الأصالة، لن نلزم بيوتنا وأعقار دورنا! ففي الزّوايا خبايا، وإن خِلِتْ بِلِتْ، يتألّق أمام ناظرينا طيف الشاعر اللبناني المتفائل ميخائيل نعيمة:
اذا سماؤك يومًا تحجّبت بالغيوم / أغمض جفونك تبصر خلف الغيوم نجوم!
والأرض حولك إمّا توشّحت بالثلوج /اغمض جفونك تبصر تحت الثلوج مروج
وإن بُليتَ بداء، وقيل داء عياء /اغمض جفونك تبصر في الدّاء كلّ الواء
وعندما الموت يدنو واللحد يفغر فاه /اغمض جفونك تبصر في الّلحد مهد الحياة! ولدينا في مجتمعنا من أمثال أبي قاعود الكثيرون مِمّن يكنسون الزّبالة والقمامة، مهما تراكمت ْ وَنَتُنَتْ! ورمضان كريم!