* "من المحزن والمؤسف أن لا نشاهد فعالية جدية واحدة، لا في القدس ولا في فلسطين ولا في العالم العربي ولا في العالم الإسلامي. لم يتحرك أحد. بيت المفتي يهوي وسقوطه يعرّي زيف كثير من الأشقاء والأصدقاء والأدعياء" *
لذة الإسرائيلي كانت مضاعفة هذه المرة. لذة بطعم الانتقام. كلما هوت شفرة البولدوزر وأسقطت حجرًا أو مدماكًا مما كان يعرف بفندق "شيبرد" في حي الشيخ جراح في القدس العربية، رقص الإسرائيلي بزهو وانتشى.
انه ثأره الدفين من ماض يغلله. يثأر وينثشي كمحتقن أسعفته لحظة التاريخ الرذيل. يثأر مستجيرا بقوة حمقاء، كفيلٍ هائج في حالة اغتلام مرضية!.
هدموا ما كان في الثلاثينات مقرًّا ومأوى لمن استعدتة طلائع الحركة الصهيونية في زمن الاستيطان الأول. شفرات تحرث الماضي وتنبش تاريخ المكان وأصحابه. تنتقم من شاهد آخر على زيف تاريخهم وتمحوه. تقلقهم الأمكنة، كل الأمكنة، إنما هنا، في مقر وبيت الحاج أمين الحسيني، للقلق معنى آخر وطعم آخر، و"للانتصار" طعم النقمة والانتقام.
حكومة إسرائيل الحالية ماضية، بوتائر مهلكة، في إحكام سيطرتها على القدس الشرقية. في هذا الموقع سيقام حي يهودي جديد يغلق حلقه استيطانية استراتيجية تضمن تواصلا جغرافيا استيطانيًا يهوديًا.
جوقات من المندّدين بجريمة إسرائيل هذه. برع أصحابها بتوصيف التمادي الإسرائيلي، بدءًا من انتهاكات للقوانين الدولية، ومرورا بما يعنيه هذا التمادي إزاء عملية السلام المتعثرة أصلا، ونهاية بتنازع قضائي لن يسعف إلا كما تسعف إبرة الصيني في أذن من أنهكه داء السرطان.
الحقيقة هي أن إسرائيل معززة بتجاربها في هذه الحرب، حرب الاستيطان مع الأمكنة، حجارتها وبشرها. والحقيقة هي أن إسرائيل متخمة بما لديها من يقين ومعرفه عن الآخر/الآخرين وما هي إمكانياتهم وحظوظهم في مواجهتها في هذه الحرب. معالم ومقاييس الحلبة تعرفها إسرائيل، وتعرف كذلك قدرة الخصم والحكم والمراقب والمشاهد. هي قوية لأن جميع هؤلاء إما ضعفاء حتى المساومة، وإما شركاء حتى الخيانة، وإما بؤساء حتى الاستحالة.
الاستيطان في القدس يهدف كما يعرف الجميع إلى تدعيم ادعاءات إسرائيل ومزاعمها عن كون هذه المدينة "عاصمتها الأبدية". وإذا كان هناك من سيجبر إسرائيل على إعادتها للفلسطينيين فعندها ستراوغ على ما سيقع عليه تعريف كلينتون حينما قال: الأحياء العربية للعرب والأحياء اليهودية لليهود. هنا تكمن خطورة ما يبنى في الشيخ جراح ومناطق أخرى مشابهة في القدس العربية.
لا أقلل من أهمية ما علا من أصوات وما سجل من مواقف نددت ورفضت وشجبت وأدانت فعل إسرائيل الأخير والاستيطان بشكل عام، وربما أهمها ما جاء على لسان الأوروبيين من موقف سياسي واضح ورفضهم شرعية ضم إسرائيل للأراضي التي احتلتها عام سبعة وستين وما أقامته عليها من استيطان لا سيما في القدس.
بالمقابل، من المحزن والمؤسف أن لا نشاهد فعالية جدية واحدة، لا في القدس ولا في فلسطين ولا في العالم العربي ولا في العالم الإسلامي. لم يتحرك أحد. بيت المفتي يهوي وسقوطه يعرّي زيف كثير من الأشقاء والأصدقاء والأدعياء.
أين أصحاب الشهامة والهمة؟ أين من يغرقنا ويتخمنا مؤكدا أن القدس مهجة المُهَج وعين الأمة وروحها؟ أين المظاهرات تجتاح عواصمنا لتعلي صوت الحق وتمدنا ببعض من أمل وحلم؟.
أسائل نفسي وأعرف أن غياب هذه المشهدية يشكل عاملًا هامًا في منسوب الإحباط العام الذي يعتري أهل القدس خاصة وفلسطين عامة. أقول هذا وأعرف أن الوضع الذي آلت إليه المدينة هو وضع كارثي خططت له إسرائيل بإمعان وحنكة، ونجحت في أن تهدم، إلى حد بعيد، كثيرا من البنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي عملت وتفاعلت وحمت مجتمعا وحدويا، هويته الوطنية واضحة المعالم والانتماء إليها افتدي بكل غال.
أقول هذا وأعيش الحالة المقدسية منذ أكثر من ثلاثة عقود. لم أكن فيها بعيدًا عن الحدث وتفاعلاته. لكنني أعيش اليوم وأشاهد وأسمع وأقرأ ولا شيء يقنع ولا شيء يطمئن، فهنالك حالة من الضياع الطاغي وفقدان الشهية والحماسة. يئسٌ من غياب قيادات ومرجعيات ذات مصداقية، وضياع لغياب نضالات ذات أفق وجدوى.
لا أحد في القدس عاجز عن تشخيص الأزمة ومسبباتها. الكل يعرف. فالكل يعيش الحالة ويدمنها، وإلى حد بعيد يألفها فيغدو، عن علم أو بدونه، جزءًا من السبب والحالة.
لا أكتب لأشيعَ يأسًا على يأس. فأنا أعتقد أن الوضع السائد لا يحتمَل، وإمكانيات تغييره جائزة.
فأولا هنالك إرادة واضحة وموقف حازم عبرت عنه وتتمسك به القيادات السياسية الأولى في فلسطين، من رئاسة وحكومة، وإلى جانبها الفصائل على اختلافها. وثانيًا هنالك موقف دولي واضح يرفض الوضع القائم ويستوجب الالتفات إليه والاستثمار فيه بشكل مسؤول وجدي. وثالثًا هنالك قوى في داخل إسرائيل ذاتها ترفض ما يجري، وربما كانت مظاهرات الشيخ جراح الأممية تجليًا واضحًا زرع بعض الأمل وعرّى من يكتفي بترداد الشعارات الخفاقة وكيل الاتهامات والتخوين لكل من يعمل، ولو بقدر نملة، في القدس، وهذه تجربة يجب تطويرها وتفعيلها أكثر. ورابعًا هنالك ما يكفي من هوامش تتيحها الحالة الإسرائيلية، رغم قمعها المتزايد والواضح، يجب استغلالها شعبيًا وجماهيريًا، وهذا لن يتم إلا إذا أعيد بناء ثقة هذه الجماهير بالطريق وبالمرشد. وخامسًا هنالك العامل الديني الذي انحصر وأبرز إسلامية المدينة، وعلى أهميته يبقى هذا بعدًا واحدًا، فمسيحية هذه المدينة، وما ترمز إليه وتعنيه في أوروبا تحديدًا وفي العالم المسيحي، تستدعي الالتفات والاستثمار المركز والجدي فيها.
لن أكتب أكثر، فأحجار بيت المفتي تسقط وينتشي المحتل بطعم آخر، بالمقابل تملأ حناجر كل من يعرف المدينة حرقة وغصات، لذا سأبتعد عن المشهد وألجأ مرة أخرى لخيمة درويش في القدس، فهناك: "أمشي كأني واحد غيري/ وجرحي وردة بيضاء إنجيلية/ ويداي مثل حمامتين على الصليب تحلقان وتحملان الأرض/ لا أمشي، أطير، أصير غيري في التجلي/ لا مكان ولا زمان. فمن أنا؟".
أنا شاهدٌ، أطل على جراح شيخ وشعب طال نزيفها، وأرثي لحال زهرة منسية.
