لاجئون (للمرة الثانية؟ الثالثة؟) من شمال غزة في مدرسة، تحت تهديد وقصف وقتل الاحتلال الاسرائيلي
(1)
في خريف 2012 شنّت حكومة وقوات الاحتلال الاسرائيلية عدوانًا آخر على غزة. وتزامن يومها مع مبادرة فلسطينية لإخراج "المفاوضات" من مربعها الصدئ المتآكل. المبادرة سعت لرفع مكانة فلسطين في الأمم المتحدة، وكان لافتًا التحليل الذي قدمه بالذات نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" موسى أبو مرزوق.
بعد تصريح له، حينذاك، بأن منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، عاد وأكّد بعد يومين على ضرورة المضيّ في المبادرة الدبلوماسية الفلسطينية على الرغم من العدوان الاسرائيلي الهمجي المستمرّ على قطاع غزة. وزيادة في التوضيح قال ان "العدوان قد يكون رسالة اخرى للسلطة الفلسطينية من إسرائيل بأن لا تتوجه إلى الامم المتحدة... ارجو ان لا يحول (العدوان) دون الذهاب للامم المتحدة حتى لا نعطي هدية مجانية لإسرائيل في هذا الموضوع". (وقد اختلف أبو مرزوق في موقفه عن أحد فروع قيادة حماس الذي اعتبر أن التوجه للأمم المتحدة "تجاهُلٌ للمصلحة"، هكذا دون تسويغ ولا تفسير!).
الفزع الاسرائيلي من أي تحرّك فلسطيني خارج حدود اللعبة المرسومة بـ"ألوان أمريكية" كان ولا يزال قائمًا. وإذا كان عدوان 2012 وضع على مهدافه اغتيال المبادرة الفلسطينية لرفع مكانة دولة فلسطين في الامم المتحدة، لما تعنيه من رفع القامة فوق "السقف الأمريكي" – فهناك من يقرأ العدوان الراهن بكونه يستهدف اغتيال المصالحة الوطنية الفلسطينية. لأن حكومة الاحتلال الاسرائيلية لا تخاطر/ تقامر بخطوات عسكرية بهكذا حجم من أجل أهداف تكتيكية. فالصواريخ، يدوية الصنع وغيرها في غزة، ليست جديدة على حكومات اسرائيل.. والأنفاق التي جعلوا منها ذريعة للاجتياح البري لم يتم حفرها قبل خمسة أيام.. "إسرائيل تعرف بوجودالأنفاق قبل اتخاذ قرار بحملة عليها يوم الثلاثاء الماضي، فما الذي حدث الآن"، تساءل محلل في القناة العاشرة، أمس الأول!
هذا العدوان العسكري سياسيّ الهدف. هدفه اغتيال المصالحة الوطنية الفلسطينية. وإفشال العدوان يكون أيضًا بحماية المصالحة.
(2)
"تبلغ تكلفة الطائرة الحربية إف-16، بطرازها الجديد (F-16-I-2006)، نحو 70 مليون دولار. وهذا لا يشمل وقودها ولا تسليحها بتقنيّات القتل. سماء غزة تتمزّق بمئات ملايين الدولارات الأمريكية أو أكثر، على صورة سرب من طائرات اف-16 الأمريكية التي قادها شبّان إسرائيليون، وألقوا منها، بأرفع المنظومات الرقميّة، حممَ القتل والتدمير على إحدى أفقر بقاع العالم، على قطاع غزة المكتظّ المحاصَر المحتلّ.
"إن مشهد، أو مجرّد فكرة، قصف قطاع غزة الفقير بهذا الكمّ الهائل من البارود القاتل، بهذه النوعية الدقيقة من السلاح ومن هذه الطائرات عالية التطوّر، هو أمر يسمّم العقل والقلب والحلق بالغثيان. هو الغثيان من بشاعة هذا الاستعلاء وهذه الغطرسة المتوحّشة. هناك انعدام تام صارخ حتى السّماء لأي تكافؤ عسكري، بالأحرى لتكافؤ القوّة، لكن هذا لا يمنع دولة الترسانة العسكرية الأكبر في هذه المنطقة من إخراج كامل قوّتها للفتك بمن يكادون لا يملكون شيئًا. هناك وحشية بلا حدود في هذا، لكن هناك أيضًا جبنًا وخسّة بأقصى الحدود. إنها خسّة مَن لا يملك ذرّة من شهامة المحارب، وسأفترض أنه يجب أن تكون شهامة لدى المحارب أيضًا. إن المتيقّن من تفوّق قوته ولا يتورّع عن إخراجها بالكامل الى حيز التنفيذ ضد ممن لا يقاربه أبدًا في القوّة، هو نذل. هذا الجيش الاسرائيلي الكبير القوي المدرّب المجهّز يتصرف كنذل يتلذّذ بساديّة بتفوقه العسكري على أهالي إحدى أفقر بقاع العالم.
"حتى لو استطعنا، افتراضًا، تجريد المشهد الدموي من جميع خصائصه السياسية؛ حتى لو نجحنا في إخراجه من جميع سياقاته السياسية؛ سيظلّ المشهد العاري الوحيد، هو قتل جماعي ينفذه شبان من شرائح إسرائيل الغنية، بحق فقراء غزة الفلسطينيين، بواسطة أحدث وأغلى الطائرات الحربيّة الأمريكية. من الصعب العثور على تجسيد أدقّ لمفهوم الغثيان مقابل أحد أدنى أشكال التبلّد الإنساني".
هذه فقرات منقولة حرفيًا من مقال لي بعنوان "غزة" نشرته هنا في "الاتحاد" بتاريخ 1.1.2009. ما الذي تغيّر؟! هل تغير شيء؟!
(3)
"أثبت العدوان الهمجي الاسرائيلي على قطاع غزة، مجددًا، أن المشكلة تتجاوز سياسات إسرائيل الرسمية. بل هي تمتدّ عميقًا في المجتمع الاسرائيلي بغالبيته الساحقة. قبل سنتين ونصف السنة، نجحت المؤسسة الاسرائيلية بسهولة كبيرة في وضع المجتمع الاسرائيلي كله تقريبًا، في طابور واحد داعم وزاعقٍ للحرب العدوانية على لبنان – تموز 2006.
"كان المشهد مخيفًا، فبعد عقود من سياسات الحرب والتوّسع والقتل والتدمير والعدوان الفاشلة، لم يتبيّن فقط أن حكّام اسرائيل لم يتعلّموا أيّ درس، بل ان المجتمع برمّته تقريبًا فاقدٌ لأي ذاكرة أو رشد أو يقظة. بدا المشهد مأخوذًا من وحي دولة سبارطة اليونانية القديمة، حيث كل شيء وكل فرد مجنّد لآلهة الحرب.
"عاد المشهد البشع نفسه ليتكرّر في غزة. حكومة ترسل جيشًا لاقتراف عدوان دموي بل مجزريّ، وتنجح في صَفّ مجتمع بأكمله في طابور واحد مهلّل للقتل بعيون معميّة وبصيرة منغلقة. ولا حاجة للتوقّف مطوّلا عند سلوك الصحفيين (فيما عدا من يمكن عدّهم على أصابع يد واحدة) وقد تجنّدوا بخسّة وجبن خلف سادة الحرب والقتل وقد انعقدت ألسنتهم إلا عن النفاق لسياسة الموت.
"حكام هذا المجتمع وجيشه يقتلون أطفال ونساء ورجال جيرانهم في غزة، لكن هذا لا يهزّ في قطيع المشاهدين البليدين أي ضمير ولا يثير أيّ قلق. ليس الحديث عن اليهود كشعب. الأمر غير متعلّق بالأعراق، بل بالتشوّه الأخلاقي الذي يضرب مجتمعَ أغلبية في دولة احتلال، يتصرّف بأنانية وانغلاق، ويغوص في ثقافة النهم والاستهلاك والمنفعة الذاتية الرخيصة".
"الحقيقة مرّة. ربما هذا هو طعم الحقيقة حين تطلّ من قلب الحضيض. فمنظومة الحرب في اسرائيل، التي باتت هوسًا مرَضيًا، لا يمكن إلقاء المسؤولية عنها على عاتق "الحكام" و"المؤسسة" وما شابه، فحسب. بشاعة اللحظة لا تحتمل أيّ تجميل أو تخفيف. إن هذا المجتمع الاسرائيلي يتصرّف كمريض مصاب بالعمى الأخلاقي والسياسي، وهو مُنقاد الى حتفه فيما هو يهلّل للموت ويرقص رقصة الموت ويسجد لآلهة الموت.
"من المرعب التيقّن مجددًا أن هؤلاء لم يتعلموا شيئًا رغم كل دماء الماضي البعيد والقريب، ومن المرعب التفكير أنهم سيسلكون بالعمى نفسه في العدوان القادم.. بقي أن العلاج الوحيد لهذا المرض الجماعي هو نفس العلاج الذي لا يزال المريض يرفضه: إنهاء الاحتلال الكولونيالي واحترام جميع الحقوق الفلسطينية كاملةً. ولا مفرّ من فرض هذا العلاج عليه، سواء شاء أم أبى. هناك أمراض تحتاج لعلاجات قسريّة بالصدمة!"
هذه الفقرات من مقال لي بعنوان "الحقيقة المرة" نشرته هنا في "الاتحاد" بتاريخ 9.1.2009. ما الذي تغيّر؟! هل تغير شيء؟!
(4)
يبحث بعض العرب الأنذال، دون أن يجدوا ويا للشفقة، عن سببٍ واحد يجعل قطاع غزة ينجب مقاومة مسلحة تطلق الصواريخ وتحفر الأنفاق. فيما يلي مساهمة متواضعة للمساعدة في حل اللغز:
في آذار 2006 وقف دوف فايسغلاس، مستشار رئيس حكومة اسرائيل الأسبق أريئيل شارون، ليشرح المنطق الاسرائيلي في منع تحويل عائدات الضرائب للفلسطينيين، والتي تجمعها اسرائيل عمليًا باسم السلطة الفلسطينية. وقال لكبار مسؤولي البيت الأبيض: "إن الأمر يشبه لقاءً مع أخصائية تغذية. يجب أن نؤدي بهم (بالفلسطينيين) إلى أن يكونوا نحيفين أكثر بكثير، ولكن ليس إلى درجة أن يموتوا". بهذه الكلمات المتهكمة الباردة لخّص مدير مكتب رئيس حكومة اسرائيل قيام دولته بخنق الفلسطينيين اقتصاديًا، بكل ما يعنيه ذلك من تبعات. وليس صدفة أن الايحاء الأول الذي راوده هو الجوع والتجويع والمجاعة، بل وشبح الموت أيضًا. فهو يعرف جيدًا حجم حصار الخنق وإلى أية درجة يصل. إنه لا يقتصر على منع الكماليّات، بل يشمل كل شيء.
المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، جون دوغارد، كتب في تقريره المنشور بتاريخ 5 أيلول 2006:
"يبلغ معدل انتشار الفقر في غزة 75%. وهذا يُعزى أساسا إلى الحصار المفروض عليها. وترجع حالة انعدام الأمن الغذائي إلى أسباب منها عدم وجود قوة شرائية، إذ لا يتوفر سوى لعدد قليل من الناس اليوم ما يكفي من المال لتلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية لأسرهم. وقد تضخمت أسعار الأغذية وتم تقليص الدعم الغذائي نتيجة للعملية الجارية حاليًا. وكما لوحظ آنفًا لم تعد الأسماك متوفرة في السوق المحلية نتيجة للحصار المفروض. وقد اضطرت مطاحن دقيق القمح والأفران ومصانع إنتاج الأغذية إلى خفض إنتاجها بسبب النقص في الإمدادات الكهربائية. وعلاوة على ذلك، فإن فقدان القدرة على المحافظة على المواد الغذائية القابلة للتلف في جو غزة الحار يسفر عن خسائر كبيرة في إمدادات الأغذية. وقد أصبح هناك نقص شديد في إمدادات السكر ومنتجات الألبان والحليب نظرًا لأن شحنات هذه الإمدادات من اسرائيل محدودة".
مطلع حزيران الأخير 2014 أكد تقرير مشترك صادر عن منظمة الأغذية والزراعة الدولية (الفاو)، وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين وبرنامج الغذاء العالمي أن مستوى انعدام الأمن الغذائي في غزة لا يزال مرتفعا جدا ويصل إلى 57%. لفهم الصورة: ما يقارب 3 أضعاف المستوى في الضفة الغربية (الفقيرة جدًا!).
لم تتغيّر أحوال قطاع غزة حتى من حيث الأمن الغذائي بل ساءت أكثر فأكثر. ولم تتغيّر كذلك مقولة الصحابي أبو ذرّ الغفاري: "عجبت لمن لا يجد القوت في بيته كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه"!
