وانتصرت غزة

single



نعم رأيتها شارة النصر واضحة في عيون أطفال حي الشجاعية وحجر الديك والفاخورة والشيخ رضوان والزيتون وغيرها من أحياء غزة المنكوبة.
حي الشجاعية! آه يا شجاعية الموت والحياة، كم كنت أتمنى أن أتجول بين أزقتك المنكوبة المدمرة واقفاً صارخاً على ركام البيوت المدمرة، صارخاً بمونولوج الموت والحياة مخاطباً الضمير الإنساني، أين أنتم يا أصحاب الضمائر الحرة؟ أين أنتم وأحياء غزة تحولت إلى ستالينغراد القرن الواحد والعشرين، فالأطفال الذين خرجوا فرحاً في نفس لحظة سريان وقف إطلاق النار هم نفسهم الأطفال الذين كانوا قبل لحظات بنك الأهداف المفضل لطائرات الموت الإسرائيلية التي حولت غزة وأحياءها إلى جحيم من الدمار والقتل.
51 يوماً والقلب يعتصر الألم والمرارة والغضب ونحن لا حول لنا ولا قوة سوى مراقبة أشلاء الموت والدمار.
انتهت محطة أخرى من محطات هذا الصراع الوجودي مع عدو لا يحترم سوى لغة الإرهاب والقوة، وهو يظن بأنه يستطيع أن يحسم الموقف من خلال سياسة غطرسة واستعلاء جبان وهو يتمترس خلف أجهزة الدمار والموت الأمريكية. ولكن حقيقة الموقف تؤكد بأن هذه الجولة من الاعتداءات الإرهابية حسمها الموقف الواضح: انتهى عصر الغطرسة الإسرائيلية وللأبد، انتهى الزمن الذي استطاعت من خلاله قاذفات الموت الهمجية أن تخضِع المقاومة الفلسطينية الباسلة، أو تحدِث شرخًا ما بين المقاومة والشعب نتيجة الدمار الفادح، آلاف القتلى وعشرات الجرحى.
ما أفرزته النتيجة كان العكس. لقد رأينا تلاحماً ما بين المقاومة والحاضنة الشعبية، شاهدنا عشرات النساء والرجال، آباء وأمهات يحملون أشلاء أعزائهم من الأطفال ويقولون بأنهم فدا المقاومة ومن اجل استمرارية الحياة على هذه الأرض. لوحات متعددة من الملاحم الإنسانية الخالدة والتي سطر حروفها أهلنا في غزة هاشم، هذا الاسم الرمز التي تحول في عصرنا الحاضر إلى رمز شامخ يتغنى به كل أحرار العالم وثواره، من أمريكا اللاتينية وحتى بلاد النرويج حملة تضامن وتلاحم مع أهلنا الصابرين في غزة وصرخة غضب نحو آخر احتلال في العالم وحكامه المتغطرسين!
الأمر المؤسف أن سكان هذه البلاد ما زالوا لقمة سائغة لقادة هذه الحكومة الفاشية، يتلقون أخبارهم من شاشات تلفزة مسيرة تعتمد على نخبة من المحللين (المستعربين)! يحاولون الاستهتار بالطرف الآخر مصورين الأمور على أنها مسألة وقت وتحسم الأمور ويتم القضاء على صواريخ المقاومة، وذلك من خلال أجواء تحريض وقد حولت حالة الهستيريا القومية جماهير هذه البلاد إلى فريسة سهلة للأصوات الفاشية والتي حاولت وباسم الديمقراطية والأكثرية النيابية أن تضغط نحو المزيد من التصعيد، ولكن الفشل العسكري والميداني قد حسم الموقف باتجاه إجبار هذه الحكومة على قبول اتفاق لوقف إطلاق النار خوفاً من التورط وعدم الخروج من  وحل الحرب!
السؤال الذي يُطرح وبشكل متكرر وأنت في قمة المعاناة والحسرة على آلاف الضحايا من زهرات فلسطين أطفال غزة: ألم يقتنع أسياد هذا الكيان بأن الأمور تتغير بشكل دراماتيكي وليس بمقدور أحداث ما أنتجته مصانع الموت الأمريكية أن توقف عملية التطور الحتمي للتاريخ، فالتاريخ والتحولات لا تصنعها القنابل، بل تصنعها إرادة الشعوب وقوة الحق والمنطق.
المأساة أن أصوات الحق والمنطق في هذه الدولة تقلصت لصالح قوى الشر والعدوان وبأساليب العربدة العسكرية. يظن حكام هذه البلاد المغرورون بأنهم يستطيعون حسم الموقف وتركيع المقاومة الموحدة وجعلها تخرج وهي تحمل شارة الاستسلام. ولكن ما حدث هو العكس تماماً، فالمقاومة الفلسطينية بقيت صامدة وجاهزة ترد الصاع صاعين، وأفشلت كل الأحلام من اجل تركيع غزة وتحويلها إلى محمية إسرائيلية مسلوبة الإرادة!
دخلت معركة غزة التاريخ العسكري من أوسع أبوابه، أضافت الى نظرية فن المقاومة المعاصرة، الى مدرسة حرب العصابات من أجل الدفاع عن الوجود ومواجهة الحصار الجائر ومن أجل كنس المحتل الغاصب والقضاء على آخر احتلال عسكري في هذا العالم الواسع!
أما على الجانب الإعلامي فقد استطاعت معركة غزة أن تضع القضية الفلسطينية على مصاف الأحداث العالمية وإحداث تحول أساسي  في الرأي العالمي وخروج مئات المظاهرات الجبارة نصرة لغزة وفلسطين وإدانة للنهج البربري الإسرائيلي، متمثلا في قذائف الموت القاتلة على الأطفال والبنية التحتية. وهذه المتفجرات التي ألقيت على أهلنا في غزة ربما تفوق بقدرتها التدميرية القوة التدميرية للقنبلة النووية التي ألقيت على هيروشيما!
وبعد كل ما جرى فلا بد لسكان هذه البلاد الإصغاء إلى صوت الحق والمنطق وعدم الانغلاق وسط أجواء من التحريض، وعدم السماح لقادة هذه الحكومة بالدفع نحو التصعيد والترقب لجولة قادمة من النزال نحو المزيد من الدمار وسفك الدماء! فدرس غزة يجب أن يحسم النقاش نحو الاعتراف والإقرار بصوت الحق والمنطق بأنه لا يمكن ترويض الإرادة لهذا الشعب وحقه في الحياة، ولن يسمح بعد الآن بتحويل غزة إلى معتقل رهيب من خلال الحصار والتجويع والمعاناة. ولن يرضى الشعب الفلسطيني الذي احتضن هذه المقاومة الباسلة بـ"أوسلو جديد" والمزيد من سنوات الضياع من خلال مفاوضات عبثية، بل يجب الإصغاء إلى صوت الحق والمنطق وانهاء هذه المعاناة وإعطاء الشعب الفلسطيني حقه في إقامة دولته المستقلة على ترابه وأرضه ووطنه التاريخي!



(شفاعمرو)

قد يهمّكم أيضا..
featured

بين الانتماء القومي والموقف الأخلاقي

featured

ندين ولا نتهم

featured

لجنة المتابعة مرة أخرى

featured

الحاج أبو أحمد وأعياد النصارى

featured

أنصِفوا المعلمين وارفعوا أجورهم!