ما يهدئ المواجع

single

بعض جثث ضحايا المجزرة

 

* ..ظهرت سيّدة فلسطينية في شارع الحمراء في رأس بيروت وراحت تصرخ مرددة: "إنهم يذبحون الناس في صبرا وشاتيلا"..*

 

  • المؤرخة الفلسطينية المرموقة بيان نويهض الحوت في استجلاء الحقائق المتصلة بالمجزرة وبأدق تفاصيلها. جُهدُ المؤرخة، وكفاءتها، وخبرتها في التقصّي، أثمروا كتاباً أجمل نتائج بحثها الطويل، الميداني والنظري. وفي هذه النتائج، اتضح بما لا يُبقي مجالاً لأي شكوك ضلوع أرييل شارون في التخطيط للمجزرة كما في تسهيل تنفيذها.
  • جنود الحاجز شكّوا في أن يكون الدبلوماسي قد اشتم شيئاً مما كان يجري داخل المخيم وحاججوا ضابطهم بهذا الشأن. أما الضابط فقد استبعد الشك: "انظروا إلى شكل هذا المصري، هل ترون فيه إلا ما يدل على الغباء"!. قال الضابط المعجون بروح الاستهانة بالعرب هذا، ورفض اقتراح محاججيه بأن يعتقلوا المصري.

 

ذكرى مجزرة صبرا وشاتيلا تؤجج في روحي وجع جروح لا يدملها الزمن. وها هي الذكرى الثلاثون قد حلت دون أن يندمل أيّ جرح. لم أكتب عن هذه المجزرة قبل الآن؛ عجزتْ أدواتي التعبيرية عن تصوير إحساسي، وعجزتُ عن النأي بنفسي عن الأحاسيس الشخصية لأقدم دراسة لا تتأثر بما هو ذاتيّ. وما سيرد في هذا الحديث ليس سوى جزء يسير مما عرفتُه ومما شهدته بأم العين من هذا الحدث الذي سماه الإعلام مجزرة النصف الثاني من القرن العشرين.
حين وقوع المجزرة، كنت واحداً من فريق العاملين في مركز الأبحاث الفلسطيني الذين بقوا في بيروت، هم ومعهدهم، بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين من المدينة التي حاصرها جيش أرييل في العام 1982. البقاء في بيروت استند إلى حصانتين توفرتا للمركز والعاملين فيه: حصانة دبلوماسية وفرها للمركز قرار صدر عن مجلس النواب البريطاني منذ تأسيسه في العام 1965، وحصانة دولية ظننا أن اتفاق الخروج الذي رعته الولايات المتحدة والتزمته إسرائيل، والذي ألزم إسرائيل عدم المسّ بالمؤسسات المدنية الفلسطينية أو بالمدنيين الفلسطينيين الباقين في لبنان، قد وفره.
اغتيال بشير الجميل الذي عينه الغزو الإسرائيلي للبنان رئيساً لجمهورية هذا البلد أجج شهوتين معاً: شهوة إسرائيل وممثلها جنرال المجازر أرييل شارون لاجتياح غرب بيروت، وشهوة الميليشيا المتعاونة مع إسرائيل، الميليشيا التي كان يقودها بشير الجميل، للإنتقام من الفلسطينيين. اجتماع الشهوتين أدخل جيش إسرائيل إلى القسم من بيروت الذي عجز هذا الجيش عن دخوله قبل ذلك وأوقع المجزرة الرهيبة.
في ذلك الوقت، كنتُ متوارياً عن أنظار الجيش المجتاح لدى أسرة بيروتية مسيحية. وقد وفّرت لي هذه الأسرة ليس المأوى الآمن، فقط، بل القدرة على الاتصال بمن أحتاج الى الاتصال بهم، داخل بيروت وخارجها، أيضاً. وكان أهم ما توفر لي في هذا المجال هو انتظام الاتصال بالصحافيين، بالذين كانوا من هؤلاء في بيروت من قبل، والذين هرعوا إليها بعد الاجتياح الإسرائيلي. وبهذا، كما بغيره، أمكن أن أتابع النذر التي أشارت إلى وقوع المجزرة، ووقائع المجزرة ذاتها، ونتائجها.
أوائل النذر وصلت إليّ في مخبأي عبر قصص أوحت بأن شيئاً غامضاً يجري في منطقة صبرا وشاتيلا. وكان من هذه القصص ما رواه دبلوماسي مصري لصحافية لبنانية صديقة للفلسطينيين. فهذا الدبلوماسي عبر بسيارته الشارع الذي ينفتح عليه مدخل مخيم شاتيلا، فاستوقفه حاجز إسرائيلي أقيم عند هذا المدخل. كان الدبلوماسي يتقن العبرية لكنه تجنّب أن يبدر منه ما يُظهر معرفته بها. جنود الحاجز شكّوا في أن يكون الدبلوماسي قد اشتم شيئاً مما كان يجري داخل المخيم وحاججوا ضابطهم بهذا الشأن. أما الضابط فقد استبعد الشك: "انظروا إلى شكل هذا المصري، هل ترون فيه إلا ما يدل على الغباء"!. قال الضابط المعجون بروح الاستهانة بالعرب هذا، ورفض اقتراح محاججيه بأن يعتقلوا المصري. وفي الوقت ذاته، ظهرت سيّدة فلسطينية في شارع الحمراء في رأس بيروت وراحت تصرخ مرددة: "إنهم يذبحون الناس في صبرا وشاتيلا". كانت المرأة المرعوبة في حالة جعلت أغلب المارّة يظن أنها ملتاثه ولا يحمل عبارتها على محمل الجد.
أهم النُذر جسده ما رواه الصحافي الإسرائيلي أمنون كابيليوك لجماعة من الصحافيين في فندق الكومودور. فقد أكد كابيليوك أن الجنرال شارون قضى نهاراً بكامله في مرصد أقامه الجيش الإسرائيلي على سطح برج سكنيّ من الأبراج المحيطة بصبرا وشاتيلا وأنه أعدّ شيئاً له صلة بالمخيمين وهو يشرف على تنفيذه بنفسه.
بهذه النذر والكثير مما يماثلها، ثار فضول الصحافيين وانتهى الأمر بما غدا معروفاً حين بثت إذاعة لندن ما كتبه مراسلها في بيروت: تجري في المخيمين أمور غامضة يخشى أن تكون مجزرة. وكانت تلك هي البداية التي تواترت بعدها الأنباء والصور المروعة فهزّت العالم بأسره.
الفظائع التي ظهرت للعيان أثارت السؤال الكبير: من هي الجهة التي خططت للمجزرة ومن هي الجهة التي نفذتها. وفي معمعان الجدل الذي أثاره السؤال، روى أمنون كابيليوك أنه يملك وثائق تؤكد أن شارون هو من خطط للمجزرة بالاتفاق مع ميليشيا حزب بشير الجميل، وأن هذه الميليشيا هي التي نفذتها بإشراف شارون وجيشه وفي ظل المساعدة اللوجستية التي وفرها هذا الجيش.
مركز الأبحاث الذي بقي في بيروت بعد خروج المقاتلين الفلسطينيين منها جمع كلّ ما كُتب عن المجزرة بالعربية والعبرية والإنجليزية والألمانية والفرنسية. ولمّا لم يكن هذا كافياً للبرهنة على إجابة يقينية على السؤال الكبير، فقد أجرى المركز بحثاً ميدانياً تمّ خلاله، بين أشياء أخرى، جمع شهادات مائة وعشرة من شهود العيان الذين نجوا من الذبح. وبدمج نتائج البحث الميداني مع دراسة ما نُشر باللغات الكثيرة، استخلص المركز ما يؤكد رواية أمنون كابيليوك وغيره: شارون خطط فعلاً للمجزرة، وأشرف بنفسه فعلاً على تنفيذها، وأمر جيشه بأن يمنع سكان المخيمين من مغادرتهما. وميليشيا القوات اللبنانية التي كان بشير الجميل قبل مصرعه هو قائدها المطاع هي التي نفذت عملية ذبح الناس بوحشية ودم بارد. ولو لم يؤد الكشف عن المجزرة إلى تأجيج موجة الاستنكار العالمي الهائلة المعروفة لما توقف الذبح قبل إبادة الجميع.
في الغضون، اتصل مركز الأبحاث بأمنون كابيليوك عبر وسيط لبناني. وقد حمل الوسيط إلى الصحافي الإسرائيلي عرضاً بأن يقايض الإسرائيلي ما بحوزته من الوثائق التي قال إنها تؤكد دور شارون بأي مبلغ من المال يريده. وقال كابيليوك للوسيط إنه سيفكر في العرض، ثم قال فيما بعد إنه يحبّذ أن يستخدم هو هذه الوثائق في الكتاب الذي يشرع في تأليفه عن المجزرة بدل أن يُسلّمها للفلسطينيين. وفي الكتاب الذي نشره كابيليوك فعلاً، وردت إشارات الى دورٍ لشارون أو سواه، دون أن تظهر الوثائق الدامغة.
في مركز الأبحاث، استخلصنا ما ينبغي استخلاصه: إما أن هذا الصحافي الإسرائيلي خشي مغبّة المواجهة مع آلة العدوان الإسرائيلية التي يعرف هو مقدار سطوتها، وإما أنه تصرف بما هو وطني إسرائيلي، فأخفى ما يدين إسرائيل بارتكاب الجريمة الفظيعة، ونوّم ضميره الذي جعله يجهر ذات وقت بهذه الإدانة.
بعد هذا، خلال السنوات العشرين التي تلت وقوع المجزرة، انهمكت المؤرخة الفلسطينية المرموقة بيان نويهض الحوت في استجلاء الحقائق المتصلة بالمجزرة وبأدق تفاصيلها. جُهدُ المؤرخة، وكفاءتها، وخبرتها في التقصّي، أثمروا كتاباً أجمل نتائج بحثها الطويل، الميداني والنظري. وفي هذه النتائج، اتضح بما لا يُبقي مجالاً لأي شكوك ضلوع أرييل شارون في التخطيط للمجزرة كما في تسهيل تنفيذها.
الآن، يعرف القاصي والداني أن ارتكاب المجازر شكل سمة من سمات العدوانية الإسرائيلية، ويعرف كل من يعنيهم الأمر أن الولوغ في دماء العرب شكل، أيضاً، سمة من سمات الجنرال ارييل شارون خلال تاريخه المديد.
إن توفر هذه المعرفة لن يهدئ مواجع الفلسطيني الذي يشهد إطراد المجازر. المواجع قد تهدأ إذا نشأ الوضع الذي تفقد فيه إسرائيل القدرة على إيذاء الآخرين بالمجازر وغيرها. ومن هنا إلى أن ينشأ هذا الوضع، يبدو أننا سنتوجع كثيراً.

قد يهمّكم أيضا..
featured

تقاطعات دامية!

featured

أحقًا أصبح داعش قوة عظمى لا تقهر؟!

featured

احشفا وسوء كيلة

featured

بدون مؤاخذة- الجهل المقدّس

featured

من أجل تحصين الهوية الجماعية

featured

الظروف تغيّرت...

featured

انتقال المعركة من الميدان الى السياسة وهي الاصعب..!