حيفا في نيسان

single
منظر عام لحيفا اُخذ من جبل الكرمل في اتجاه الشمال، بعد سقوط حيفا في العام 1948

*تمرُّ على حيفا أربعٌ وستون نيسان وما زال هواؤها وبحرُها وأرصفتُها وشوارعُها وحجارتُها تتذكَّرُ الحجَّارين والبنَّائين والصَّيَّادين والبحَّارة وعمَّال المصانع وسكك الحديد والفلاحين والمعلِّمين والمثقَّفين وغيرهم من الذين سكنوا المدينة، تتذكَّرهم وتذكُرهم وتُذكِّرهم بأنَّ العودة أكيدة مهما كانت المكيدة*

  • هل تسمعُ عائدتُنا صوتَ الأهلِ هنا، وهل نسمعُ نحنُ صوتَ عائدتِنا هناك، لا هناك يا عائدتي سوى هنا، فحيفا ودمشق شقيقتان وتوأمان من جسدٍ واحدٍ، وكذلك تعيش دمشق في كلِّ جوارحنا، رغم جراحنا/ جراحها النَّازفة التي بدأت تباشير التئام النزيف ظاهرةً ومؤكَّدة، فهل ستلتقي الحواسُّ الخمس مع العائدة، ليكون اللقاءُ لقاءَ بقاءٍ أم أنَّه سيبقى لقاء هاتف

//

لا يستطيعُ أيُّ نسيانٍ أن يُنسينا أحداثَ نيسان. ولا يقدرُ كتمانُ أيِّ إنسانٍ أن يُخفي عنَّا، بين طيَّاتهِ، الحقيقةَ الجليَّة، ولن يقوَى على هزيمةِ ذاكرتِنا، التي تعيشُ بين تلافيفِ دماغِنا، والتي تلُفُّ ذكرياتِنا وحنينَنا وتاريخَنا لفًّا، لتحفظَها، كما لفَّت العمامةُ رأسَ النَّاصرِ صلاح الدِّين الأيُّوبي مُحرِّرِ بيتِ المقدس، فوق رأسِه في معركة حطِّين الفاصلة والمفصليَّة لأهل بلاد الشَّام، لتُعيد الأرض لأهلها، ولتحفظَ فينا الشَّيء الذي نعتزُّ به، ذاكرتنا وحقّنا في موطنِنا، كي لا يذهب مع الرِّيح، وحتَّى يطيرَ الطَّيرُ الواقف على رأسِ من يحلو له ان يبقى خانعًا أو قانطًا أو متجاهلاً ومتناسيًا "وَكَأنَّ عَلَى رُؤوسِهِم الطَّيرَ"، فالكتمانُ والنِّسيانُ سيَّانُ.
تمرُّ على حيفا أربعٌ وستون نيسان وما زال هواؤها وبحرُها وأرصفتُها وشوارعُها وحجارتُها تتذكَّرُ الحجَّارين والبنَّائين والصَّيَّادين والبحَّارة وعمَّال المصانع وسكك الحديد والفلاحين والمعلِّمين والمثقَّفين وغيرهم من الذين سكنوا المدينة، تتذكَّرهم وتذكُرهم وتُذكِّرهم بأنَّ العودة أكيدة مهما كانت المكيدة، بعد أنْ رُحِّلوا قسرًا وطُرِدوا ?ظُلمًا وعُلُوًا..? وغَدرًا عبر البحر واليابسة في نيسان من ذلك العام المشؤوم، بعد أن أخذَ عسكرُ "كرميلي"، على عاتقِهِ، ترحيلَ أهلِ البلدِ، كي تبقى حيفا لعساكِره، يسرحُون ويمرحُون فيها كما يحلو لهم، يعيثون بالمدينة فسادًا ودمارًا، مُنجِّسين مقدَّساتها، لتبقى حيفا "مُطَهَّرةً عرقيًّا"..
تصبو حيفا للقاء أهلها ومحبِّيها ولقاء من تعِب وعملَ في بناءِ المدينةِ وامتزج عرقُهُ بترابِها وسكَنَ بيوتَها وركبَ لُججَ بحرِها واصطادَ سمكَها وشقَّ طرقاتٍ شاقَّةً لحناطيرِها وسيَّاراتها وقطاراتها وعلَّم طلابها وطالباتها ليساهموا في بناءِ أصرح علميَّة وثقافيَّة وفنِّيَّة وأدبيَّة وفي بناء مستقبل عزيزٍ وشريفٍ، لكنَّ العسكر قطع الحلم الواعد.

  • حيفا تصبو لعُشَّاقها

وتصبو، كذلك، حيفا لعُشَّاقها الذين ما برحوا يتوقون للعودة ويعملون على تنفيذ حقِّ العودة، التي طال بُعدُها وطال فُراق غيَّاب الأحباب والأتراب، الذين ما انفكُّوا يحلمون برجوعهم لَّلهوِ في موارِسها واللعبِ في ملاعبِها وقطفِ زهورِ وورودِ مروجِها وساحاتِها ولقاءِ الاحبَّة في باحاتِها والاستجمامِ والاستحمامِ في شواطئها ويعلمون أنَّ "بَعْضِ العِشْقِ ذبَّاحُ"، ولا يسألون عن ثمنٍ، فكلُّ الأثمان زهيدةٌ ورخيصةٌ، فما أجمل هذا العِشق، فلا غالٍ أمام هذا الغالي..
"ولَو شرَّحْتُم جَسَدِي لَسَالَ مِنْهُ عَنَاقِيدٌ وَتُفَّاحُ"
"وَلِو فَتَحْتُم شَرَايِيني بِمِدْيَتِكُم سَمِعْتُم في دَمِي أَصْوَاتَ مَنْ رَاحُوا"..
هل يسمعُ الذين راحوا ورُحِّلوا وطُرِدوا من الوطن أصواتنا، كما نسمع نحن، أصوات من راحوا.
تُرى هل سيعودُ عمَّال القطارات لترميم سكَّة درعا وسكَّة الحجاز أو خطِّ حيفا بيروت وهل سيعود البوتاجي إلى تلِّ السَّمك يجلس في عليَّته فوق البحر يراقب البحرَ والصَّيَّادين العائدين بصيدهم الوافر والمستجمِّين العائدين مع أمواج البحر، وهل سيجد أبو نصُّور مكانًا لجلوسِهِ ليُدخِّن نرجيلتَه على شاطئهِ قربَ مستشفى حمزة الحكومي ينظُرُ إلى الأفق البعيد الذي يخبِّئ له عجائبَ العجائبِ وينتظرُ عودةَ المراكبِ والفُلُكِ، ويعودُ نعيمُ العسل؟ إلى تجارته في حانوته في سوق الشوام مقابل الجامع الكبير، الجرينة، حيث كنتَ تجد عنده من العرَق حتَّى الورَق والعَلَق ومن الحامض إلى الحلو، ومن الإبرة حتَّى الوِزرة، وسيعود أبومعروف! إلى حانوته، "العشرة بقرش"، الواقعة في حارة حارة الكنائس، بعد أن يستحمَّ في حمام الباشا، حيث كنت تشتري عشرة أغراضٍ بقرشٍ واحدٍ، وهل سيعود أبو غالامبو، السُّودانيُّ الأصل، بينما يذكره البعض بأبي جميلة، ليرقُصَ بلباسه "ودناديشه" التي كانت من "كراعين" الماعز وأجراسِها في ساحة الحناطير، وينادي بأعلى صوته يا الله دندر البوظة (الدندرمة) يا سعيدة، التي كان يبيعُها أبو محمود في شارع يافا مقابل سينما الأمين الصَّيفيَّة، بجانب مقبرة الرُّوم الكاثوليك، حيث كان يُعَلِّقُ كتلة البوظة المليئة بالمُستكة، على "الكُلاّبة" ويقتطع منها أجزاءً لبيعها في كأسٍ أو في قطعة من البسكويت، وهو يُنادي حليب وإيما يا بوظة ثلاث أشكال الفوركيتا، (يقول والدي أنَّ الفوركيتا هي العربة التي كان يستعملها في بيع بوظته في الحارات وكانت على شكل فُلُك ملوَّن بألوان زهيَّة وزاهية ومزركش بدُمى وألعاب) ويعودُ الغجرُ! لبرامجهم التَّرفيهيَّة أيَّامَ الأعيادِ والمناسبات الجميلة، حيث كانوا ينصبون خيمهم وأراجيحهم ويعرضون حيواناتهم التي كانت تُشاركهم العابهم البهلوانيَّة، تُرى هل ستعود عائدتُنا إلى شارع ياقوت؟ أم شارع ما يوحنَّا؟ أم إلى درج دور؟ في حيِّ وادي النِّسناس، لتلقي بعائلتها وبأترابها، وهل ستستطيع، يومًا، أن تزورَ قبرَ والديْها لتضعَ على ضريحيْهما باقة من القرنفل الأحمر أو الورد الجوري القاني؟ هل سيعودُ أهل حيفا لترميمها كما كانت وأفضل، أم أنَّ عساكر "كرميلي" سترمِّمها كما "رمَّمَت" بيوتًا أخرى في المدينة، كما في غيرها، حين "حَلَقَتها عَ الصِّفر"! (أنظر الصورة على الصَّفحة الأخيرة من هذا العدد).
بيوتٌ كانت بإمكانها أنْ تُسكَنَ لسنواتٍ بعد سنواتٍ إلى تلك السَّاعة..

  • صوت عائدتِنا


هل تسمعُ عائدتُنا صوتَ الأهلِ هنا، وهل نسمعُ نحنُ صوتَ عائدتِنا هناك، لا هناك يا عائدتي سوى هنا، فحيفا ودمشق شقيقتان وتوأمان من جسدٍ واحدٍ، وكذلك تعيش دمشق في كلِّ جوارحنا، رغم جراحنا/ جراحها النَّازفة التي بدأت تباشير التئام النزيف ظاهرةً ومؤكَّدة، فهل ستلتقي الحواسُّ الخمس مع العائدة، ليكون اللقاءُ لقاءَ بقاءٍ أم أنَّه سيبقى لقاء هاتفٍ، أم تواصلاً  عبر الرَّسائل البريديَّة التي جفَّ دمعُها من الشَّوق والحنين، أم عبرَ التَّواصل الاجتماعيّ (الفيسبوك) أم عبرَ البريد الالكترونيّ..
لكنَّ نيسان يعود على حيفا كلَّ سنةٍ كما تعودُ الجمعةُ العظيمةُ على المؤمنين، تذكِّرهم بجلْدِ وجَلَدِ المسيحِ على أعتاب الجُلْجُلة، وتعذيبه لخلاص البشريَّة، حيث أنَّه، بعد عنائه هذا، قام من بين الأموات في اليوم الثَّالث، بينما ما زال مسيحُنا مصلوبًا ومعذَّبًا ومُغتصبًا، يرزح تحت أقدام العساكر ستَّة عقودٍ ونيِّف دون أن يرى خلاصَه في آخر النَّفق، منتظرًا يومه الثَّالث..
سؤالٌ مفتوحٌ وجوابُهُ أكيدٌ في غمدِ المناضلِ داود تركي، تُردِّدُهُ عائدتُنا العائدة:
سنَعودُ يا حَيفا وإِنْ وقفَتْ في وجهِنا الأشرارُ والسَّفلُ.
ملاحظة: أقدِّم خالص شكري وامتناني لوالدي أبو خالد الذي يشحنُني دائمًا بذكرياته وشوقه "لأيَّام زمان".

 

(حيفا)

قد يهمّكم أيضا..
featured

الخدم على دين أسيادهم

featured

حديث الذاكرة (1) - (إلى الرفيق أسـد)

featured

"يوم الأرض" أسطع من تشويهاتكم!

featured

لمواجهة مرتزقة التكفير بحزم

featured

أو...ماي... أوباما

featured

" على حفاري القبور "

featured

شهادات نسويّة: معركة انتزاع الحقوق

featured

"شهادات على القرن الفلسطيني الأول" للكاتب والصحفي الياس نصرلله: كرم الكتابة بشفافية ومسؤولية