سنظل نحرس الحلم. حلمنا بسيط جداً، وهو أن نقول دائماً الحقيقة، وأن نمنع الانهيار من أن يدخل إلى فكرنا وذواتنا... الجرح كبير. لكنَّنا نحاول كتابة "الحرية". أمنية غريبة ومستحيلة أحياناً. لا أعرف! ولكنَّ كل هذا لا يمنع من أن نروي الحكايا
// ربما كانت عندي المقدرة، رغم صغر سني على تحديد المسؤولية، وقلت: إنَّ هذا التفاوت الطبقي ليس من صنع الله، بل هو من صنع الإنسان. كل هذا سببه خلل كبير في نظام اجتماعي فاسد، جعل أحدهم ينوء من ثقل الثياب على جسده وآخر ليس عنده مقدرة على شراء جوارب صغيرة
// وقبل أن يسمع الرد على سؤاله، يباغتك بانتقاداته. متحمِّساً. عنيداً. يستوعب تجربة الماضي. ويقول رأيه دائماً بصراحة... كان عتبه كبيراً على الأجيال الجديدة من الشيوعيين. كان يقول: الحق عَالحزب!.. يقول ويؤكد: يا رفاق، لو قدَّمنا شهيد تلو الشهيد، وفي الوقت نفسه ما كان عنا وضوح فكري وفهم عميق لمشاكلنا، كل إنجازاتنا ما إلها طعمة. انتبهوا يا جماعة
//
لم يتم ذلك صدفة...
منذ الصغر وأنا أخترع أبطالي الصغار، أفتِّش عن حالات التوهُّج والتمرُّد بسلوكهم اليومي، لأنتمي إليهم.
وكانت البدايات، بدايات الصراع الحقيقي. السلوك النضالي اليومي المتكامل مع أسماء صغيرة، مع أسماء عديدة، كانت تشكِّل لي الإطار العام لحفلة المبارزة مع الواقع الذي نعيشه.
أشخاص "كُثُر" لا أحد يعرفهم بمواجهة الطبقة المسيطرة، انتسبتُ إليهم، وإني لفخور بالانتساب للكادحين، على ما في هذا الأمر من صعوبة.
وما زلت لليوم أعتقد، ورغم كل الظروف الصعبة التي نمرُّ بها، أنَّ انتساب المرء للحزب يعني قيامه بكل ما هو ممكن، لكي تزداد حياة الناس سعادة يوماً فيوماً.
ورغم كل هذا القتل، قتل الناس والبيوت والأفكار، بقي هؤلاء الأنقياء يدافعون بأجسادهم عن الوطن، لقد تعلَّمتُ منهم ومن تضحياتهم حب الحياة.
الرفيق "أسد"، وقبل أن يرحل بأيام معدودة، وفي سهرة حميمة قال بصوتٍ عالٍ، بعد أن انتهينا من رندحة أغنية حب:
- "إنَّها لحظات صعبة نمرُّ بها، لم يعد أمامنا سوى خيار واحد، وهو التماسك بحلم الحياة وبعنادٍ كبير".
لكنَّ الحياة عند الرفيق "أسد" كانت مصادفةً. لم يحصل إلاَّ على الموت وهو يدافع عن الحرية. وعندما تكلَّم في تلك الليلة، رأيت بكلامه حياة الآخرين، حياة لا تخصّه وحده، تكثر فيها الجماعة.
لقد سقط كل شيء. إلاَّ الحلم، وسنظل نحرسه، وحلمنا بسيط جداً، وهو أن نقول دائماً الحقيقة، وأن نمنع الانهيار من أن يدخل إلى فكرنا وذواتنا.
الجرح كبير. ولكنَّنا نحاول كتابة "الحرية".
أمنية غريبة ومستحيلة أحياناً!
لا أعرف!
ولكنَّ كل هذا لا يمنع من أن نروي الحكايا. أعود إلى تلك الخبريات، كما لو أنَّني عشتها، وذلك بعدما سمعت الرفيق "أسد" يحكيها ويكرِّرها ألف مرَّة، منذ أن صار لي ذاكرة.
" أسد" روحانا ابن "طانيوس نخلة روحانا"، وهو من بلدة "عمشيت" في قضاء "جبيل". وُلد سنة 1926 لعائلة فلاحية فقيرة تضم تحت جناحيها ثمانية أولاد. لقد حكى قصته ببساطة. وأعتقد بأنها أتت في وقتها لأنها ضرورة. وأورد هذه الحكايا اليوم بالذات، لأننا ربما قد ابتعدنا عن الناس حتى كدنا أحياناً أن نكون في عزلة.
هذا "الختيار الطيّب" عاش مع الناس وامتلك ذاكرة حيّة، وهي تتواصل وتتواصل دون انقطاع، وحتى بعد غيابه. كثيرون من أمثاله لا أحد يعرف عنهم شيئاً. بدأت رحلته في العشرينات من القرن الماضي، حيث شارك ببساطة بالنِّضالات الأولى لشيوعيي لبنان.
"أسد" لم يتغيَّر. صدى نقاشاته المستمرة باقٍ، يتفاعل مع الحياة. كان ينفعل، "ينرفز" أحياناً، "يسبّ"، "يكفر"، "يبحّ" صوته لإفهام أمرٍ ما لرفيق جديد وتبقى في أعماقه قضية الثورة ونقاؤها.
يرنَّ "التليفون"، ودائماً في ساعة متأخرة من الليل، والرفيق "أسد" على الخط :
- آلو...
- آلو...
- مرسيل؟
- مين?
- أسد. أسد!
- أهلين، وينك يا عمي؟
- انطرني بكرا الساعة عشرة الصبح جايي لعندك!
وهكذا كان في كل مرة يتلفن ويحضر. ويبقى ساعات حتى يقطع المعابر أيام الحرب، ذهاباً وإياباً، "وعا قلبو متل العسل..."، وهو لم يكن يعترف بمعابر.
ـ أيش في شي جديد؟
وقبل أن يسمع الرد على سؤاله، يباغتك بانتقاداته. متحمِّساً. عنيداً. يستوعب تجربة الماضي. ويقول رأيه دائماً بصراحة... كان عتبه كبيراً على الأجيال الجديدة من الشيوعيين، لعدم اضطلاعهم المكثَّف والقراءة المنتظمة والمناقشة الحية وعدم مواكبة التطورات.
ـ الحق عَالحزب!
يا رفاق، لو قدَّمنا شهيد تلو الشهيد، وفي الوقت نفسه ما كان عنا وضوح فكري وفهم عميق لمشاكلنا، كل إنجازاتنا ما إلها طعمة. انتبهوا يا جماعة.
" أسد روحانا" من "عُرمط عمشيت"، الذين كانوا في كل الظروف حصناً من حصون النضال. شبَّ مع الكثيرين من أبناء جيله، حيث كان مجتمعنا ينبض بحياة جديدة وأمل بالاستقلال وجلاء المحتل. يتلمَّسون الطريق في الأحياء الفقيرة التي كانت تتكدس فيها عائلات العمال والحرفيين والفلاحين.
بكل الحساسية الجميلة، عاشوا حياتهم وأصداء أصواتهم ترتعش من الفاقة والجوع، من القهر والظلم. وهذه الأصداء انسابت عميقة الأثر إلى قلوبهم.
إنه مثل الكثيرين من أبناء طبقته، وجد نفسه مسؤولاً وفي سن مبكرة عن أسرته، فاشتغل وكدَّ وذاق الأمرَّين من أجل اللقمة. وإبَّان شروق الحزب الشيوعي في المنطقة أخذ "اسد" مكانه في صفوف الطليعة، وفي صميم الأحياء الشعبية، حيث كان يغوص في الأوحال ليصل إلى بيته وإلى بيوت رفاقه البسطاء الذين كان يحبهم بكل خفقة من خفقات قلبه.
جماعة ثورية تسير في طليعة الثورة. وحكاياها تدل على أنها مدرسة لها أهداف تناضل من أجلها. مدرسة بسيطة، ولكنَّها فاعلة وقوية، أحدثت أثرها في قوة وعمق. مدرسة فهمت جذور الثورة الشعبية، وادركت أهدافها.
لقد استخدمت هذه المدرسة لغة الحياة اليومية، اللغة البسيطة، التي نقرأها ونحكيها ونعيشها، ولا نحس أحياناً بجمالها.
لا بد أن نشعر بأنَّ الحضارة التي ورثناها عن رفاقنا القدامى هي حضارتنا. يجب أن يكون لدينا قدرة على "الخيال"، وقدرة على تحويل "الحلم" إلى واقع. ونحن في أمس الحاجة إليه اليوم، أكثر من أيِّ وقت مضى. هذا هو جوهر أن تعيش في عصرك، دون المساس بالأشياء التي نراها جميعاً عزيزة علينا.
إنَّ الحاضر لا يلغي الماضي، لأنَّ القديم جزء من التقاليد والوعي، هو ثقافة الوطن الواحد غير المقسَّم وغير الطائفي، والذي لا يلغيه أحد.
أصالتنا اليوم، هي في مدى إبداعنا في المعاصرة. والأصالة ليست الانغلاق على الماضي، وإنَّما هي قدرتنا على الإبداع في الحاضر مستندين إلى ماضينا.
يجب أن يتحرَّر الإنسان، سواء أكان هذا الإنسان خلاَّقاً، أو مستهلكاً للخلق والإبداع، أن يتحرر من كل ما يعوقه من الإبداع الحقيقي في الحياة. وأن يصحو ويستيقظ حتى ينير داخله ويحاول أن ينير دواخل الآخرين.
إذا لم يتمكَّن اليوم نضالنا من التأثير العميق في الناس، لا يمكن عندها أن نطرح البدائل.
وكما قال "أسد":
ـ انتبهوا يا جماعة...
التعبير عن النفس الرافضة، لكل هذا "الغلط"، هو الحاجة الأولى. والأهم في الحياة تعبير الحياة عن ذاتها لذاتها.
في إحدى الليالي رأيت "أسد" وهو آتٍ لتوِّه من جلسة نقاش حامية مع أصحابه القدامى، ولم يدعني أنام في تلك الليلة الكانونية:
- مش جاييني نوم يا مرسيل!
- ليش؟
- ......
وسهرت معه حتى صباح الليل.
"أسد" تذكَّر الروَّاد الأوائل. في تلك الليلة، تذكَّر طفولته وبدأ يروي :
[....من زمان بعيد، كنت أذهب إلى البحر، "أغطس" إلى القعر بجانب الصخور الكبيرة التي تشبه صخور "الروشة" أمام مغارة "البابور" في بحر "عمشيت"، وأحياناً كثيرة في "بعِشتا"، لآتي بـ"البروما" ( كما يسمونها عندنا، وهي معروفة بالتوتياء: صدف بحري له شوك حاد). أبقى أكثر من ثلاث ساعات أغطس وأعوم والسلَّة الكبيرة متدلية من على الصخرة حتى أصل إلى خمسمائة حبة. أحمل السلَّة على كتفي وأذهب لأبيع التوتياء في المنطقة. كنت أصعد إلى قرية "حصرايل"، أحياناً كنت ألتقي على الطريق الترابية الوحيدة آنذاك، بـ"فرج الله الحلو" وطربوشه على راسه، وكان يبادرني دوماً:
ـ أهلاً، أهلاً بالغضنفر!
يقترب مني، ويُنزل عن كتفي القفَّة، ويتابع:
ـ ارتاح شوي! عفاك! عفاك يا نشيط !
وقبل أن يتركني، كان يدلّني على "الشرَّايي، الدفّيعة" بالضيعة. وكنت أعمل دائماً بنصيحته. ولا زبون منهم كان يخذلني. وهكذا كنت أعود "منفِّق" بضاعتي في حصرايل، بعد نصيحة "فرج الله".
وأنزل بعدها جرياً على الأقدام في وادي حصرايل، مختصراً طريق العودة إلى "عمشيت"، وأعرِّج في طريقي على "ليمونة الشيخة" وكان معي دائماً سكين أربطه في السلَّة وقليل من الملح في "قصقوصة" ورق خشنة في جيبي. آكل الحامض والملح بعد النهار الشاق الطويل.
أصل إلى البيت، أعطي كل غلَّة التوتيا لوالدي المغلوب على أمره. ويبلغ المحصول حوالي الليرة وربع. أفرح عندها كثيراً، لأنَّ إخوتي الصغار سيأكلون جيداً بالليرة وربع، وعلى مدى أيام معقولة.
في موسم قطاف الزيتون أيام الخريف، كان دوامي شاقاً. إذ كنت أنهض باكراً للقطاف، آخذ معي رغيف خبز وبعض قوالب التين المجفَّف. وكانت هذه زوَّادتي اليومية. خمسة عشر يوماً من الكدّ المتواصل. أحصل بعدها على خمسة أرطال زيتون تأخذها أمي إلى معصرة "شلّيطا" في حي جميع القديسين، حيث تقايضها بثلاث تنكات زيت.
الفقر يعمُّ الجميع! السواد الأعظم من أهل بلدتي فقراء.
كنت في العاشرة من عمري عندما بدأت الحركة الشيوعية آنذاك في بلدتنا تنبلج. وهذا الانبلاج الرائع لم يفارق مخيلتي أبداً.
نحن كنا نسكن في حي "المعبور"، بالقرب من كنيسة "مار إليشاع"، وعندما كان يدق الجرس ثلاث دقات متتابعة، كنا نهرول إخوتي وأنا إلى الكنيسة، حفاة القدمين مع أبناء حيِّنا لحضور القدَّاس. نصل إلى الكنيسة مسرعين كي لا يفوتنا شيء من كلام الخوري "بطرس"، ندخل من الباب البحري ولحم أرجلنا على الأرض. كنت أحس دائماً بالدفء مع أنفاس جموع المصلِّين المحتشدين في الداخل، وأكثرهم يهربون من البرد القارس ليتدفؤوا ببعضهم البعض. وكانت أضواء الشموع الكثيرة في كافة أرجاء الكنيسة تضفي على الجو حرارة إضافية " كأنَّ هناك تدفئة مركزية".
يوم من أيام كانون الباردة، أذكر صبياً مثلي يدعى "بشارة روكز"، آتٍ لحضور القدَّاس، وأنا أنتظر أخي الصغير لندخل سوية إلى الكنيسة، مرتدياً "شورت" وقميصاً نصف كم، في عزِّ "البردات"، حافي القدمين دون "كلسات". فقط العشر سنوات من عمري كانت تحميني من البرد القارس، إذ إنَّ الطفولة تحمل مناعتها العنيدة أحياناً، ضد العوامل الطبيعية القاسية. وأنا بانتظار أخي، دخل الطفل "بشارة" مرتدياً معطفاً سميكاً وتحت المعطف "جاكيت" وتحت "الجاكيت" كنزة. بنطلون جوخ طويل وكلسات صوف، وحذاء وفوق الحذاء حذاء آخر من الكوتشوك الخفيف ليرد عن الحذاء الأصلي ورِجلي "بشُّورة" الناعمتين الرطوبة.
بدأتُ لحظتها، أتأمَّل عُريي الكامل، ولباس "بشارة" المتكامل، ونسيت: فوق كل ذلك، كان يحمل شمسية كبيرة تغطيه حتى أخمص قدميه لتقيه زخَّات المطر المتساقطة.
دخلنا سوية إلى كنيسة "مار إليشاع" القديمة، دخلنا لنتوحَّد أمام الخالق. دخل "بشارة" أمامي، ودخلت من ورائه. سحب شمسيته من فوق رأسه. نفضها قليلاً فتطايرت منها كتل مياه صغيرة إلى صدري المشرَّع. الكنيسة تغص بالناس، وأنا أتطلَّع إلى ثراء البعض القليل من أهل بلدتي، وفقر الكثيرين المستعصي.
عندها لم أعد أحتمل هذا التوحُّد أمام "يسوع المسيح" في الكنيسة. أغنياء وفقراء. قلت: فلنتصارع. وعندها "كفرت" وبصوتٍ عالٍ، أمام جمهرة المصلِّين:
ـ هذا ليس بعدلٍ !!!...
وخرجت، وغضب شديد يلفُّني من برودة الطقس خارج أسوار الكنيسة المحصَّنة بجموع المصلِّين.
ربما كانت عندي المقدرة، رغم صغر سني على تحديد المسؤولية، وقلت: إنَّ هذا التفاوت الطبقي ليس من صنع الله، بل هو من صنع الإنسان.
كل هذا سببه خلل كبير في نظام اجتماعي فاسد، جعل أحدهم ينوء من ثقل الثياب على جسده وآخر ليس عنده مقدرة على شراء جوارب صغيرة.
الحل !؟
قلت: الحل في الشيوعية... وهكذا.
بالطبع كنت على علم بأنَّ هناك تنظيماً شيوعياً في الضيعة، يضم: "أسعد سليم" و"يوسف ضومط"، و"حبيب بنبينو" وغيرهم...
ذهبت لتوّي، وبعد خروجي من الكنيسة، عند الإسكافي "يوسف ضومط"، رأيته يقفل "تخشيبته" الصغيرة بقامته القصيرة وبـ"غنبازه" الطويل. "يوسف، فلتة زكا" في بلاد "جبيل". كان يهتم كثيراً بإيصال الفكر الجديد إلى النشء الجديد الذي سيحمل الراية ويكمل مع الروَّاد الأوائل الذي بدأ الشيب يغزو مفارقهم.
ودائماً كنا نحن مجموعة من الأولاد الصغار نرتاح في ظل "يوسف" ونستأنس لحديثه وتوجيهاته، بالنسبة لي بالذات، كنت قد حضرت عن طريق الصدفة، مع والدي جلستين استثنائيتين، وكنت رغم صغر سني أعجب بالأفكار التي كانت تُطرح في هذه الخلوات.
كنت أستمتع دائماً في "تخشيبة يوسف"، وهو يقرأ على زوَّاره أخباراً ومواقف، محاولاً خلسةً، إدخال أفكاره الشيوعية في عقولهم وقلوبهم. كان يتململ ويجلجل كلما رآهم يرفعون الشفة عالياً، حاملين على سماتهم آثار الشك فيما كانوا "يلفّون السيجارة" تلو الأخرى متعمّدين التباطؤ والتأني، فيتابع "يوسف" بذكائه اللماح مداخلته إلى النهاية، فلا يعدِّل من موقفه السياسي، بل يستمر في سرد الأرقام والوقائع.
عندما رآني "يوسف" مسرعاً باتجاهه، والغضب، "يشرقط" في عيوني، قال:
- ما بك؟
- دخلت الكنيسة و"كفرت" بكل شيء! "كفرت" بالعدل الكاذب داخل الكنيسة. "بشارة روكز" يدخل متلحِّفاً بثيابه الغضة، وأنا عارٍ حتى العظم، حافي القدمين. بسرعة يا معلِّم "يوسف" أريد "شاروخي" (حذاء من الكوتشوك العتيق) وعدتني به الأسبوع الماضي في ذلك الاجتماع، ليقي لحم رِجْلَي رطوبة الماء وأريد مع "الشاروخ" بطاقة الحزب الآن! الآن! الآن!
- طوِّل بالك عالبطاقة! بعدك صغير، ولكن "الشاروخ" سيجهز حالاً !
- أريد البطاقة قبل "الشاروخ".
في النتيجة، هدَّأني "يوسف ضومط"، عاد وفتح "تخشيبته"، وأقعدني بجانبه على مقعد من جزع نخلة عتيقة، ليكمل لي "شاروخاً" من دواليب الكوتشوك العتيقة، وبين مسمار ومسمار يغرزه في الكوتشوك، كان يُفهمني بأنَّ الحل لكل المعضلات البشرية هو الشيوعية.
وانكببت بعدها على قراءة المتوفِّر من مؤلفات "ماركس" ومجموعات "لينين"، لأنني أحسست منذ البداية، بأنَّ اعتناقي للشيوعية ليس اعتناقاً عاطفياً. وإنما فهم منطقي للنظرية وفلسفتها. المهم أن أفهم مصلحتي ككادح فقير في الحياة التي هي مصلحة أبناء طبقتي.
فإذاً لا بد ألاَّ أكتفي بأنَّ الشيوعية هي المنقذة، بل يجب عليَّ أن أعرف لماذا؟ وثابرت على المطالعة، وكنت كلما قرأت موضعاً أنتقل إلى آخر. وعلى هذا الأساس، تابعت دراستي وما زلت أتابع...]
وهكذا يروي "أسد" بأنَّه تابع دراسته ووصل إلى السادسة عشرة من عمره، عندها تسنَّى له حمل البطاقة.
(في الاسبوع القادم مرسيل خليفة يكتب الجزء الثاني والأخير من حديث الذاكرة)
