من الأسماء الحسنى الأقرب إلينا والمرتبط بوجودنا اسم الجلالة – "الخالق" ومن حروفه يمتد امتدادنا كبشر وغير بشر فنحن مخلوقاته أي عبيده وعبدته.
كثيرًا ما نسمع اليائسين منّا يخاطبونه جلَّ جلاله: "لماذا خلقتنا؟" سؤال مألوف نسمعه من أفواه المرضى والمتعبين.. ونسمعه لوجعنا من آباء وأمهات يتمرمرون من جحود أولادهم.. ذرية العقوق الذين بانحرافاتهم يخالفون وصايا رب العالمين!
هذه التساؤلات المرتبطة بالخالق وبمخلوقاته من ناكري المعروف والنِعَم تعيدني إلى أسطورة كنت قد قرأتها في صورة لمخطوط قديم وجدتها في قاعة استقبال احد الفنادق العربية حيث يتركون كمًّا من المجلات والصحف ليقرأها الجالسون في ردهات الراحة والانتظار. تحكي الأسطورة قصة الوجود:
خلق الخالق الحمار وقال له: كُنّ حمارًا عاملًا.. مارس الاعمال الشاقة من شروق الشمس إلى غروبها! إحمل على ظهرك الأثقال وليكن طعامك التبن والحشيش والشعير.. وخُذْ من العمر نصف قرن". فهز (أبو صابر) رأسه قائلا: "سأكون يا خالقي حمارًا كرغبتك.. لكن نصف قرن من العمر كثيرٌ عليّ.. فمثلي يكتفي بعشرين سنة!" وقبل الخالق طلب الحمار.
بعد هذا خلق البارئ (الكلب) وقال له: "كن حارس البرايا وخير أصدقائهم.. كلْ بقايا ما يأكلون وسيكون لك ربع قرن من العمر". تأوّه الكلب قائلا: "كثير عليَّ أن أبقى كلبًا فأعطني عَقدًا من السنين!" ولبّى الخالق طلبه. وبعد النابح خلق الخالق القرد وقال له: "كن قردًا قافزًا من غصن إلى غصن راسمًا الفكاهة على وجوه البشر ولك من العمر خُمس قرن." واستكثر القرد بدوره ما أعطاه المعطي من عمر طالبًا نصف ما أعطاه.. وكان له ما طلب.
بعد هذا خلق الرب عبده آدم قائلا:
"كن إنسانًا.. احكم بالعقل هذه المعمورة.. ولانجاز هذا أمنحك عشرين سنة من العمر!" فسجد عبد الخالق أمام خالقه قائلا: "أمرك مطاع يا رب. لكن العشرين سنة الممنوحة لي لن تكفيني.. أعطني الثلاثين سنة التي تنازل عنها أبو صابر والخمس عشرة التي تنازل عنها النابح والعشر التي كنت ستعطيها للسعدان.. أعطني هذه لأعيش وأحيا آدميًا راضيًا". فلبّى الخالق طلب عبد الخالق ومن يومها يعيش الآدمي عشرين سنة آدميًّا متزوجًا منجبًا للأولاد والبنات كادحًا كالحمار على امتداد ثلاثة عقود.. وعندما يتركه أولاده يقضي عقدًا ونصف عقد وحيدًا كالكلب.. وعند وصوله سن التقاعد يعيش عقدًا كالقرد منتقلا من بيت إلى بيت من بيوت أبنائه هازئًا ساخرًا لإضحاك أحفاده وحفيداته!
عشرون سنة هبة من الخالق وثلاثون من عمر الحمار ومعها ربع قرن من عمرَيِ الكلب والقرد.. سنوات مجتمعة تجعل معدل عمر الإنسان خمسًا وسبعين سنة من الكدح والوحدة وسخرية الأقدار.
في سفر التكوين هذا نجد ان الله زوّدنا بالعقل ليكون ديننا وديدننا.. أرادنا سبحانه وتعالى استعماله لعقدين من العمر، لكننا لم نكتفِ فأردناه أطول.. في طوله وعلى امتداده ننسى العقل والتعقل.. مبتعدين عمَّا وهبَنا الوهاب متماهين مع غرائز الحيوان!