أيها الراحل العزيز!

single

الرفيق الراحل يني لاذقاني

 

 

اربعون يوما مرت كيوم وبضع سنوات مرت منذ ان التقيتك اول مرة على مقاعد الدراسة في مدرسة يني الثانوية! اجل هكذا تمر الايام والسنون فتأكل من عمرنا ما تأكل ونحن نعيش في غفلة من عيون المحبين والناظرين وفي غفلة من عيون الزمن!
يموت الاحبة في غفلة من رجاء المصلين والضارعين وفي غفلة من دعاء الشجن!
فكيف تموت النسور ولما يزل في الجبال شموخ ولما تزل في الصدور الهمم؟ لماذا تموت القمم؟ أكنت تردد ما قاله شاعرنا الكبير محمود درويش: أنا امشي قبل ميعادي مبكرا!! عمرنا اضيق منا، عمرنا اقصر اقصر! هل صحيح يثمر الموت حياة؟ هل سأثمر في يد الجائع خبزا، في فم الاطفال سكر؟ أنا ابكي! لا اريد الموت ما دامت على الارض فضائل ورجال لنقاتل! وعيون لا تنام! هل تذكر آخر لقاء لنا على مدخل ساحة اول ايار حيث سألتني قائلا: من يضفر الاحزان اكليل ورد في جبين الزمان؟ رددت عليك يومها قائلا: من سيضفر الاحزان مرايا وأكاليل ورد في جبين الحياة؟! وتابعنا قائلين: نيسان هذا الشهر الجميل يعربش على جدران بيوتنا، تليه مواكب العنادل الاتية مع الربيع! لقد مر نيسان وجاء صيف حارق فصارت اغاني العنادل ورقا يابسا في مهب الريح!!
ايها الاخ الراحل الى احضان الابدية!
فراقك افرغ الكلمات من مضامينها ومن اي جمال! فتحولت الى مرايا كما تحولت الرياح الى اشواك وتحولت قمم الجبال فجعلت القلب ينقلب قذيفة وتحولت ضلوع الباكين من حولك الى صوار للبيارق! لقد افترشت النار تحت اسرة مغتصبي حقوق الانسان، الفلسطيني وانتشر سماسرة الخطب يتفوهون تحت اصفاد الموت فيهربون الى ظل يمينك! حين غادرت على ضوء القمر بكت الاقمار فقدك في ضوء القمر/ بقيت في البيت صور / ظل في البيت عزيزا ذكر ما شاء انفجر... وصور / وعرفنا ما الذي يجعل صمت المقبرة مهرجانا وبساتين حياة... وقمر.
كلما استشهد جندي على ارض بلادي / استقبلته الارض وامتصت رحيق الشهداء / كيف صار العطر عطر الياسمين؟ / والشباب اليانع الغض تحول / شاخ عكاز له وتيتم؟ / خيم الصمت على كل الاماكن / هذه زاوية قد كان فيها فعل نبض للحياة / وتحول... سيطر الجزن مكان الفرح... هيا / لنقاوم، ولنعش دوما نقاوم /  ليس يستسلم من في فكره ثورة شعب / ثار حتى الموت حيا ليقاوم /...
ايها الأخ المفارق!
لقد عرفنا مدى اصرارك ومقاومتك من أجل الحياة وعرفنا ايضا ان الطريق في آخر السرداب سوف تؤدي الى واحدمن هدفين: اما الى بصيص النور الذي يبشر بالحياة، واما السقوط في آخر المشوارفنفقد كل شيىء مهما كان عزيزا، لأن روائح اللوز وعطر الجلنار والياسمين ليست تكفي من اجل استعادتنا من درب الموت الى الحياة او الى الابدية ولو باكرا؟!
ها هي الغيمة الليلكية تبكي فراقك فلا يجدي البكاء. وانتن يا ازهار اللوز والسنديان والريحان تزهرن في كل عام وتتجددن في كل عام فلماذا لم تعلمننا كيف يكون التجدد والعودة من سبات الشتاء الى حياة الربيع؟! لماذا لم تعلمن فقيدنا الغالي سر تجدد الحياة وما زال في قنديل عمره زيت كثير؟!
فيا امطار الخريف ويا ايتها الراية الالهية انشدوا معي كي تطلع الزنابق البيضاء حول القبر الطري علّ النشيد يعود صداه فيعزّي القلوب الحزينة ويبعث الامل في الحياة من جديد!
ايه يا رياح الخريف! كان لمرورك فوق ارضنا فعل العواصف العاتية فأخذت معك زهرة يانعة بعد ان لبست ثياب القتلة وعقدت مهرجانا للموت على كل رصيف!!
اجل ايها الاستاذ الكبير، كنت انت البطل الذي خرّ جسدا على سياج النصر في اوج انشيد!
رحمك الله رحمة واسعة وأسكنك فسيح جناته فالرب اعطى والرب اخذ ليكن اسم الرب مباركا!

 

*استاذ وزميل وصديق الراحل الكريم

قد يهمّكم أيضا..
featured

أمريكا تكشر عن انيابها

featured

السلام آت آت..

featured

غريب وبيلقّ حليب..

featured

جنوبا وشمالا اجواء حرب

featured

الاحتفالات المدرسية في نهاية السنة

featured

مكاسب السياسة الواقعية لأيران

featured

على هامش مبادرة الجنرالات العسكريين والنخب الاسرائيلية

featured

هل يأتي مؤتمر انهاء الانقسام بالبشائر؟