آراء المفكّرين في نشأة المعتزلة، تّسميتهم ومواقفهم (2-2)

single

السبب والنتيجة
شكّلت حركة المعتزلة تنظيرا وإدراكا عقلانيا للواقع. وفرضت وتوصلت أنّ لكل حادثة مسبباتها، وهناك ارتباط عضويّ بين السبب والنتيجة. دفعها تفكيرها هذا لإنكار الصدفة، لأنّها في نظرها، هي مسبّبات لأسباب قد تكون مجهولة لنا اليوم، أو مجهولة لبعضنا إلّا أنّها ليست معدومة. إذا يكون التعريف لبعض الحوادث بأنّها صدفة لا لانعدام أسبابها، إنّما ناجم عن ضعف وقصور في القدرة الإنسانية لكشفها. وبرأي محمد عمارة فرضت المعتزلة أنّ تطوّر القدرة البشرية في المعرفة سيُؤدّي لكشف العلاقة القائمة بين هذه المسبّبات التي يحسبها البعض مصادفات.


يُستدل ممّا تقدم أنّ جوهر الإنسان في فكر المعتزلة يكمن في الحرية، العدل والعقل، وإيمانهم أنّ الإنسان قادر ويستطيع بإرادته وحريته وعقله تذليل العقبات وتغيير واقعه نحو الأفضل.
الوعد والوعيد:  يحدده القاضي عبد الجبار بأن" الوعد- هو كل خير يتضمن إيصال النفع الى الغير او دفْعِ الضرر عنه في المستقبل. اما الوعيد -فهو كل فعل يتضمن إيصال الضرر الى الغير او تفويت النفع عنه في المستقبل" (منقول من كتاب سامي النشار نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام ج١-ص٤٣٦). ويضيف القاضي عبد الجبار "هو العلم بأن كل ما وعد الله به من الثواب لمن أطاعه، وتوعّده العقاب لمن عصاه..... ولا يجوز له الخُلْف في وعده ووعيده، ولا الكذب في الأخبار فيه، بخلاف ما ذهب اليه المرجئة" (الاصول الخمسة ص٧٠). وقصدت المعتزلة ان عقل الانسان وارادته، تدفعه لاختيار وتحديد أعماله، فعليه هو المسؤول عن نتائج أعماله الإيجابية والسلبية.فلقد انطلق هذا التوجه بفعل رفضهم موقف حركتي الجبرية والمرجئة بالامتناع عن مقاومتها الحاكم الظالم -مرتكبة الكبيرة ، وتبرئته من العقاب (الخلود في النار)، اذا مات بلا توبة. ان الثواب في فلسفتهم ينطبق على كل فعل استحسنه العقل ونجم عنه الخير ،ويكون العقاب على كل فعل استقبحه العقل،وحمل معه الأذى والظلم للأفراد والمجتمع.فكل انسان في تصورهم هو حر في خياراته وقراراته، ويجب ان يدفعه ذلك لتصدي لكل ظلم، وإذا تقاعس في هذا الواجب ، سيفقد كل بارقة أمل للتحرر من الاستغلال والاستعباد.   المنزلة بين المنزلتين: قرروا فيها موقفهم الأخلاقي بأنّ مرتكب الكبيرة ليس بكافر ولا مؤمن (هو بمنزلة بين المنزلتين). ينسب دارسو هذا المبدأ الى تأثير الفلسفة الرواقية على فكرهم، حيث كان الرواقيون يميّزون بين قيمتي الخير والشر وقالوا إنّ هناك أشياء خيرة وأُخرى شريرة وأشياء بين البينين. وبرأي محمد عمارة، هذا موقف تسوية، هدفت في حينه بقاء المعتزلة في إطار الجماعة الإسلامية، وعدم تحوّلها الى عدو. هذا معناه أنّ الرابطة مع المؤمنين غير مقطوعة، والكفاح ضد الظالم والخروج عليه أحد الأمور والواجبات المشروعة (محمد عمارة، ن.م.، ص، 68).
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر:  قصدت به المعتزلة مشاركة كلّ مسلم مؤمن في تقويم المعوجّ من أمور الحياة العامة. وهذا، عملا بحديث الرسول الكريم "إنّ خير الناس آمرهم بالمعروف وأنهاهم عن المنكر". والنهي برأيهم يكون "بالقلب إن كفى. وباللسان إن لم يكفِ، وباليد إن لم يُغنيا، وبالسيف إن لم تكْفِ اليد (أحمد أمين، ظهر الإسلام، ج 4، ص، 65). وموقفهم هذا بالأساس هو دعوة لتحديد موقف الناس من السلطة الحاكمة وأعوانها. طبقت المعتزلة موقفها هذا "حين استخدمت سيوفها في أواخر الدولة الأموية بتأييدها الخليفة يزيد الثاني المستنير ضد الوليد الثاني المشهور بفسقه (إسماعيل المهدوي، الفكر الاسلامي بين العقل والخرافة، مجلة الكاتب المصرية ، 1967، ص، 99).


* موقفهم من الصدفة والغيبيات


شكّلت حركة المعتزلة تنظيرا وإدراكا عقلانيا للواقع. وفرضت وتوصلت أنّ لكل حادثة مسبباتها، وهناك ارتباط عضويّ بين السبب والنتيجة. دفعها تفكيرها هذا لإنكار الصدفة، لأنّها في نظرها، هي مسبّبات لأسباب قد تكون مجهولة لنا اليوم، أو مجهولة لبعضنا إلّا أنّها ليست معدومة. إذا يكون التعريف لبعض الحوادث بأنّها صدفة لا لانعدام أسبابها، إنّما ناجم عن ضعف وقصور في القدرة الإنسانية لكشفها. وبرأي محمد عمارة فرضت المعتزلة أنّ تطوّر القدرة البشرية في المعرفة سيُؤدّي لكشف العلاقة القائمة بين هذه المسبّبات التي يحسبها البعض مصادفات. إنّ موقفا كهذا يطرح تحدّيا للفكر الإنساني لأن يثابر في البحث لاكتشاف مسبّبات الحدث الذي حُدّد كصدفة" (محمد عمارة، ن. م.، ص 158). كما أدّى اعتقادهم بقدرة الإنسان تشكيل ،هيكله وتغيير واقعه، لرفضهم كلّ تفسير غيبيّ، سحريّ وأسطوريّ للواقع. يذكر أحمد أمين أنّهم أنكروا السحر لأنّ الساحر لا توجد له القدرة على قلب الحقائق أنّما يملك القدرة على قلب أوهام الرائي (ضحى الإسلام، ن. م.، ص، 86). ونجد الجاحظ المعتزلي يهزأ من الخرافات الشائعة في عصره... ولا مجال لذكرها هنا (ضحى الإسلام ص٨٦). كما أنكرت المعتزلة الجنّ والأرواح الشريرة والأفعال الغيبية. واعتاد كلّ معتزلي تأنيب كلّ من اعتقد بالجنّ أو رؤيته. ولذا يؤكّد التنوخي أنّ "نساء المعتزلة لم تكن تخشى الجنّ والأرواح الشريرة، وكذلك صبيانهم، لأنهم لم يعتادوا سماع روايات الجنّ من آبائهم" (ضحى الإسلام، ن. م.، ص، 88). أمّا إبراهيم النظّام فيذكر "أنّ الإيمان بالقضاء والقدر، خيره وشره، فهو مِنّا" (الشهرستاني، الملل والنحل، ص، 61). يمكن الاستنتاج مما تقدّم أنّ عقلانيتهم حرّرتهم من ذلك، وأثبتوا أيضا أنّ للتربية دورها في تحرير الانسان من عبودية الأوهام والخرافات والسحر والجبرية.


* المعتزلة والسلطة والإمامة


تشكّلت رؤيتهم السياسية استنادا الى أصولهم الخمسة، وأبرزها ارتباطا بالسياسة هو أصل العدل، والذي قرّروا فيه حرية ومسؤولية كلّ فرد عن أفعاله. والعدل هو من أهمّ دعائم الدولة الأخلاقية، لفرضهم أنّ كلّ صاحب سلطة مسؤول عما يرتكبه أو يُرتكب باسمه من مظالم. وانشغلت المعتزلة في محاربة الأسس الفكرية التي استندت الى عقيدة الجبر والإرجاء، والتي اعتبرت تسويغا لسلطان الأمويين الجائر. وكانت نقطة إدانتهم الأمويين، تحويلهم الخلافة من شورى الى مُلك عضوض، حُبّا منهم في الدنيا، وهو أمر أُرْتكبت في ظلّه مظالم كثيرة. إلّا أنّ ذلك لم يمنع المعتزلة اعتبار خلافهم مع الأمويين سياسيا وليس دينيا، مصدره تغيير نمط السلطة في الدولة، بتعطيل إقامتها على الشورى. فكان خلافهم مع الأمويين ليس دينيا إنّما سياسيا مدنيا، باعتبارهم ملوكا وأمراء نبذوا العدل، فيتوجب الخروج عليهم عند التمكين.
 ولَم يعتبروا الإمامة من أصول الدين وخاصة الموقف بأنّها أعظم أركان الدين، "فلم يعتبروها شأنا من شؤون الوحي، بأيّ حال من الأحوال، فالإمامة كما فهمها المعتزلة قضيّة مصلحيّة في المقام الأول للدين والدنيا. والإمام ليس إلّا رجلا عاديا، قد برز في حقلي العلم والعمل (الأصول الخمسة المنسوب الى القاضي عبد الجبار، تقديم وتحقيق: د. فيصل بدر عون، ص، 11). إنّ المعادلة السياسية التي بلورتها المعتزلة خلال مسيرتها ترتبط بشكل وثيق بأصولها، وتشمل طريقة اختيار الحاكم وطبيعة العلاقة بينه وبين الرعية، وحقّها في عزله محاسبته والثورة عليه، إن قام بأمر أو حدث مشين. وأكّدوا ضرورة وجود دولة وسلطة حاكمة، "لأنّ الإنسان برأيهم مخلوق اجتماعي مدني، الأمر الذي سيدفعه الى نوازع الشرّ والأطماع. إذًا، فواقع كهذا يتطلب الحاكم لإقامة العدل بين الناس" (رسائل الجاحظ، ج 1، ص، 161). ونجد بعضهم قد ذهب إلى إلغاء الدولة في حالة "تعادل وتعاون وتناصر الناس على الْبِرّ والتّقوى، واشتغال كلّ واحد من المكلّفين بواجباته، عندها يمكن الاستغناء عن الإمام (الشهرستاني، الملل والنحل، ص، 87).
تتفق المعتزلة على أنّ اختيار الحاكم وتولّيه السلطة يكون بالشورى والاختيار والعقد والبيعة له من الأمّة. واعتبروا اختياره، محاسبته، انتقاده وعزله حقّ شرعي للأمّة. واعتبروا ان عملية الاختيار والمبايعة والتنصيب، تعاقد بين طرفين، الطرف الأول الخاصة (أهل الحل والعقد لأن كفاءتهم تخوّلهم اختيار الأفضل). وهم ممثلو الأمّة والناطقون باسمها ومصلحتها. والطرف الثاني الحاكم. وأكّدت ضرورة عدم مخالفة الحاكم لشروط العقد وخاصة قيامه بالاعتداء على حقّ وحرية الأمّة في تقرير شؤونها وتوقّفه عن خدمة مصلحتها. الأمّة هي وحدها صاحبة الحقّ الشرعي لعزل الإمام حتى باستعمال القوة. ويذكر القاضي عبد الجبار "أنّ فُسق الحاكم، ظلمه، أو أيّة مخالفة منه لشروط العقد، يتوجب على الأمّة التمرد عليه (ص، 575). ولا تكتفي المعتزلة بعزله إنّما القيام بتغييرات جذرية لتحسين أوضاع المجتمع. إنّ الأوضاع الجائرة في المجتمع، ووجود حكّام ظالمين، فكل ذلك عند المعتزلة لا يجوز أن يُردّ الى الله. فكما الفرد يتحمّل مسؤولية أعماله، فيتوجب انطباق ذلك على الحاكم، لذلك ينبغي التصدّي لهذا الظلم والفساد وإجراء تغييرات من جهة البشر لمصلحة المجتمع، والفرد والمجتمع تقع على عاتقيهما تحمل مسؤولية التغيير، ويكون التغيير بالأمر عن المعروف والنهي عن المنكر (الأصول الخمسة، ن. م.، ً، 10-11) أمّا معتزلة بغداد فأقرّت حُكْم المفضول على من هو أفضل منه، إذا كان أقدر على قيادة الشعب أو أكثر علما في شؤون السياسة والإدارة. ويجب تقديمه على من يسبقه في العبادة وخاصة إذا كان للمتغلّب شوكة مكنته من الولاية (الأصول الخمسة، ن. م.، ص، 10).


* المعتزلة والمرأة


من الطبيعي أن تتطرّق حركة المعتزلة التي تركت بصماتها بوضوح على خريطة الثقافة الاسلامية، بتعظيمها دور العقل كوسيلة للفهم، وتأييد موضوع المساواة بين الجنسين. فنجد الجاحظ يؤكّد ضرورة معاملة المرأة وإعلاء شأنها بقوله "لسنا نقول ولا يقول أحد ممن يعقل، إنّ النساء فوق الرجال، أو دونهم بطبقة أو طبقتين وأكثر. ولكن رأينا ناسا يزرون عليهن أشدّ الزراية، ويحتقرونهن أشد الاحتقار، ويبخسون حقوقهن. وأنّه من العجز أن يكون الرجل، لا يستطيع توفير حقوق الآباء والأعمام إلّا بإنكار حقوق الأمهات والأخوال، فلذلك ذكرنا جملة ما للنساء من محاسن … وعليه لا ينبغي لمن عظّم حقوق الآباء للذكور أن يصُد ويتنكر لحقوق الأمهات (رسائل الجاحظ، ص، 68). إنّ ما كتبه الجاحظ هو مطالبة جلِيّة للرجال لاحترام حقوق المرأة، ودعوته هذه في ظروف عصره هي مطالبة جريئة ومتحدّية وتفوق كل تصور لإعلاء مكانة المرأة. ونجده يعارض أن "لا تكون ديّة المرأة مثل ديّة الرجل"، وينتقد التسرّي وفساد الأخلاق، والمتاجرة بالنساء، فكيف لا يمكن توصيفه بأنّه من المبشرين بتحرير المرأة.      


               
* المعتزلة في الحكم


لقد تحوّل الاعتزال الى أيدولوجية الإمبراطورية العباسية في مرحلة أوجها، إبان عصر المأمون حتى اعتلاء الواثق سدّة الحكم. وهناك تحليلات ووجهات نظر مختلفة بالنسبة لهذا الموضوع. فجولدتسهير وغيره يفرض أنّ ثمامة بن الأشرس وأحمد بن داوود (قاضي القضاة)، كان لهما تأثير واسع لنشر الاعتزال في الدولة العباسية. وهما اللذان أوعزا للمأمون لأن يقرّر الاعتزال أيدولوجية الدولة  (جولدتسهير، ن. م.، ص، 150).
  ونجد  ايضا احمد  أمين يؤيد "أنّ المعتزلة هي  التي أقنعت المأمون بتحويل الاعتزال مذهبا رسميا للدولة، وذلك لحمل الخليفة في تسخير الدولة لنشر وتعميم فكرها.... وقِبل المأمون هذا العرض لأنّه رأى فيه واجب الخليفة، حفظ الدين وإقامة العمل والعدل بحقّ الرعية" (ضحى الإسلام، ن. م.، ص، 165-166). إلّا أنّ هناك من يفرض أنّ الدافع لاختيار المأمون الاعتزال كمذهب رسمي للدولة كان بدافع مصلحته لمواجهة التمزّق في إمبراطوريته، وكسبه التأييد والدعم عن طريق إعلانه العقل منهجا للتفكير ورابطة جديدة للمجتمع في عصره (اسماعيل المهدوي، ن. م.، ص، 99). ومن الطبيعي أن تستغلّ السلطة قوّتها ومواردها وجبروتها بتجنيدها، فئات من المعتزلة ، بدعم سياسة الخليفة ، لرغبتها في تطبيق نظريتها في الحكم وأيضا هذا لا ينفي ان محفز بعض المعتزلة لدعم هذا الموقف لتحقيق المكاسب الشخصية وأوضح مثال لذلك تحمس قاضي القضاة من المعتزلة لذلك) . فاعتمدت هذه العناصر سيف الخليفة في فرض الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الى وسيلة تستغلّها وتوجّهها السلطة، لمقاومة أعدائها ،بحجّة عدم قبولها أيدولوجية المعتزلة التي تبنتها الدولة. فتحوّل الاعتزال في عصر المأمون الى فكر وأيدولوجياتها مفروضة قسرا وبالقوة على الشعب (خاصة المعارضة) .فأوجد الخليفة باسمهم وبمشاركة مجموعات اخرى مختلفة من أنصاره وأعوانه أشبه ما يكون بمحاكم تفتيش تمتحن عقائد الناس، وترغمها على القول بخلق القرآن، ومن يرفض ذلك، كان يتعرّض للعذاب والحرمان من الوظائف والقتل (مثال: محنة أحمد بن حَنْبَل).
وعليه فإن كلّ من شارك في أعمال القمع هذه ،يكون قد تنكر لمبادئ المعتزلة الداعية لحرية الاختيار والبحث وحرية الإرادة. لقد أثارت الممارسة الاستبدادية لعناصر من المعتزلة أسئلة كثيرة. منها هل مارسوا هذا العنف لوحدهم ووفقا لخياراتهم الفكرية والسياسية؟ أم كانوا أداة وظّفها الخليفة العباسي لخدمة حكمه؟ من الصعب لخليفة في أوج سلطانه ان يسلمهم استقلالية تامة لاتخاذ القرارات. وعليه فكل من تعاون منهم في الحكم كان اداة اغرتها السلطة ومكاسبها وهيبتها، فانخرطت لدوافع مختلفة ومتناقضة في ممارسات متضاربة مع مبادئها. برأيي كان من الأفضل لهذه الحركة بألّا تنزلق وتتوّرط في فخاخ ومكائد السلطة، وخاصة أنّ الفئات الشعبية كانت مُجيّشة ومُهيئة، لمعاداتها، والانقضاض عليها،وخاصة أنّ نهج المعتزلة العقلاني غريب عنها (لذا صدق القائل بأنّ سواد الشعب لم يكن تتوفر له الظروف لتقبل تصوّر ديني مؤسس على العقل لتحكم مركب العاطفة عليه). لذا صدق من عرّفهُم ،بأنّهم كانوا نخبة ثقافية فكرية، عجزت عن توفير الطابع والقاعدة والدعم الجماهيري لمذهبها، وهذا حال دون تقبّل دين مؤسس على العقل. ولقد أخطأ بعضهم حين مارس التكفير لمعارضيه، وتطبيق النظرية بحدّ السيف، مما أدّى لتحوّلها من حركة تعتمد على قوة العقل الى حركة تعتمد على عقل القوة. لقد امتلأت السجون في عهد مشاركة فئات منها في الحكم بسجناء الرأي، وكان معظمهم من القائلين بأولوية النقل مثل أحمد بن حَنْبَل. وتعكس تجربة المعتزلة كنخبة مثقّفة مارست السلطة السياسية أو بشكل أدقّ شاركت فيها، لتحوّلها السلطة الحاكمة وسيلة لتدعيم سلطانها، ولتواجه عن طريق فكرها أزمة ومعضلة تلازم الدين والدنيا، الجمع بين النظرية والممارسة، التي من الصعب حتى اليوم الفصل بينها في عالمنا العربي والإسلامي.
لقد أدّى واقع مأزوم كهذا إلى قيام السلطة بتوظيف واستغلال أدلجة فكرها لخدمة مصلحتها بإنتقاء  وتفسير القيم التي تدعم مصلحتها وتُشرعن استمرار تسلطها. فنجم عن ذلك تورّط أو اندماج بعض قيادات المعتزلة في خدمة  مخطّطات السلطة لقمع كل من تسوّل له نفسه بتحديها (ولا نُبرّئ هنا بعض المشتركين من تهمة الانتفاع الشخصي). إنّه من الخطل تناسي عصرهم لنُسقط عليه تصوّراتنا المعاصرة، لأن حدود عقلانيتهم ومواقفهم يجعل من المستحيل بأنّ يتجاوزوا حدود عصرهم، وخاصة حين يمتزج عضويا الدين بالسياسة (هذا واقعنا حتى اليوم). وتوحي لنا تجربة المعتزلة بأنّه في ظروف انعدام حرية الرأي والفكر، يغدو المثقّف المندمج في السلطة أداة تساهم في إنتاج القهر والقمع. ويمكن أن نفرض هنا أنّ تقدم الأمم منوط بإقامة علاقة صحية وسوية بين الفكر النظري والعمل السياسي (وهذا يستحيل تحقيقه عندما يكون الدين والسياسة منظومة شمولية تسخّر كلّ شيء لخدمتها)، لتتحول الى أداة للقهر السياسي أو الاستقواء الفكري، بإسم الدين ، لتصبح السلطة السياسية والدينية اداة بل حربة بيد تيار فكري لمواجهة وقمع تيارات أخرى، وتتحوّل السجالات المستندة الى العقل واللسان الى معارك يتم التسلّح فيها بنفوذ السلطان وقهر السجّان. فالأفكار مهما كانت تمتلك من سلامة وتكامل منطقها وقوة برهانها، ستفسد عندما تتحوّل الى أيدولوجية تبرّر وتشرعن ممارسات السلطة. ولعلّ الجاحظ أدرك نسبية الأفكار البشرية وطابعها التطوّري بقوله "ينبغي أن يكون سبيلنا بعدنا كسبيل من كان قبلنا فينا، لأنّنا وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من سيكون بعدنا سيجد عبرا أكثر مما وجدنا (الجاحظ، كتاب الحيوان). وهذا معناه ان الجاحظ الوحيد ، تمكن ادراك وإستبصار تاريخية الفكر والعقل وهذه معضلة كل حركة وفكر بكونه وليد عصره .
بعد هزيمة المعتزلة وما حصل من تنكيل بأقطابها (منذ خلافة المعتزّ)،  اعمال القتل لمناصريها وحرق كتبها ، توفرت الظروف والمناخ لدخول الفكر العربي في عصر الجمود والحرب على العقلانية بفعل عوامل كثيرة من بينها فشل المعتزلة بفرض فكرها بالقوة في مناخ كان من المستحيل توفير نجاحها، ويسمّى محمد أركون هذه الحقبة "غير المسموح التفكير فيها، أو المستحيل التفكير فيها" (أركون، الفكر العربي، ترجمة عادل العوّا). فمنذ دخول المجتمعات العربية عصور الانحطاط، كان لفشل تجربة المعتزلة في فرض تصوّرهم العقلاني للدين، ردة ونكوص، تميّزت بهيمنة الفكر المحافظ والسلفي، المؤسس على الإيمان بعجز العقل في فهم أمور السلطة والدين، والجزم القاطع بأنّ المعرفة فقط بالنقل، وتحريم الجدل والحوار في الدين وانتصار الجبرية التي ما زالت متفشية حتى عصرنا. إنّ تورّط بعض المعتزلة في فرض فكرها بالقوة، ما زلنا نعاني وطأة انعكاساته السلبية حتى يومنا، حيث الفكر النخبوي التنويري في مجتمعاتنا المعاصرة ينحصر في نخبة مثقّفة متنوّرة، ولا يتوفّر له بفعل عوامل متعددة القاعدة الجماهيرية ،لتقبّله من الغالبية الساحقة للشعب، فقوى القهر أقوى من قوى التنوير ، لانها تملك التحالفات ،القوة ، والامكانيات للترويج للفكر السلفي الغيبي الذي يُكرّس استمرارية بطشها واستغلالها من قبل السلطة واعوانها  . 
  إلّا أنّ أحمد أمين يتطرق الى مدلولات وأبعاد الخسارة الفادحة لطمس فكر المعتزلة بقوله "إنّه لو سادت تعاليم المعتزلة في هذين الأمرين، أعني سلطان العقل وحرية الإرادة بين المسلمين في عهد المعتزلة، لكان للمسلمين موقف آخر في التاريخ غير موقفهم الحالي ... الذي أعجزهم فيه التسليم، وشلّهم الجبر، وقعد بهم التوكّل"... فكان موتها من اكبر وأفدح مصائب المسلمين (ضحى الإسلام، ن. م.، ج٣ص، 62-63، ٢٠٧). ويضيف المؤرخ الحيفاوي بولس فرح "إنّ الإنسان العربي يجد في فكر المعتزلة في حاضره مادة للتفكير الحرّ ولانطلاق العقل من مستنقع الجمود والخرافة والغيبيات والاستسلام المهين للطغاة والظالمين. إنّهم المفكرون الأحرار في الاسلام، إنّهم صوت احتجاج العقل ضد العقيدة الجامدة (مقدمات في تاريخ العرب ص، 162). ومن مظاهرها التقدّمية والإيجابية أيضا "سعيها لطرح نهج جديد لتوحيد الأمّة على أسس ومنطلقات جديدة، تعتمد على العقل وقدرتها على توفير قاسم مشترك عقلاني، لخلق ثقافة وهُوية مشتركة".
  وفي الختام فإن حركتهم على صعيد الممارسة لم تخل من مفارقات وأخطاء، الا ان ذلك لا يطمس إيجابياتها والتي فاقت كثيرا سلبياتها. فيكفيهم فخرا انهم كانوا رواد الفكر العقلاني في حضارتنا، وجسمت حركتهم : العقلانيةبإعتمادها العقل ، أساسا لنظريتها في المعرفة الشاملة في كل المجالات، لكونها الأداة المعرفية الاساسية، التي يمكنها لوحدها ان تفسر وتعالج كافة المجالات.ولقد قامت بدور الريادة في قضايا عديدةمنها: مبدأ الشك ،العلم، تأكيد الطابع العقلاني للدين ، أي تأسيسه على العقل والمنطق ليصبح مرجعا وحَكْما في امو الدين والعقيدة، بلورة نظرية العقد الاجتماعي في الحكم ، وشرعية عزل الحاكم الفاسد حتى باستعمال القوة، تحديد وتقرير مبدأ حرية الاختيار . ان النظر اليها في سياقها التاريخي، يجعلنا نثمنها ونقوِّمها كحركة تنويرية، تقدمية  ونقلة نوعية حضارية ،ساهمت في تطور وتبلور الفلسفة الاسلامية في القرن الثالث هجري . كما شكلت أبحاثها العلمية امتدادا طبيعيا للعقلانية، المستمدة من اليونان بشكل خاص .فكل ما تقدم يجعلها مدخلا لتحقيق الحداثة في مجتمعنا ،وايضا مؤشرا، بأن النزعة العقلانية وحرية الفكر والبحث، قد رافقت الأطوار التي كان فيها المجتمع الاسلامي في حالة تقدم وازدهار، بينما أطوار الإنكماش ، النكوص والجمود ، فقد أفرزت الفكر المحافظ والمتزمت، الفكر السلفي، والجبرية.

قد يهمّكم أيضا..
featured

تحت الضربات وليس الصفقات ستقرع أجراس النصر الفلسطينية

featured

إيّاكم واليأس، فاليأس قاتل

featured

فوضى السلاح الأمريكية تقتل المواطنين

featured

ليبرمان وخطوة الالف ميل تبدأ بالانسحاب اولا

featured

صفقة القرن لن تمر لأنها "طبخة شايطة"

featured

مستنقع الاحتلال لا يمكن أن يصبح نبع سلام

featured

نـقــف مـع سـوريــا

featured

"اصوات النهضة"