أنتِ سورية بلادي أنتِ عنوان الفخامة
كلُّ من يأتيكِ يومًا طامعًا يلقى الحِمام
على هذه الأبيات من الشعر العربي الوطني السوري نشأت وتعلّمت في قريتي عين ابل التابعة الآن للبنان، التي ضُمت إليه بعد التقسيم المشؤوم الذي فرضته علينا الدولتان الاستعماريتان بريطانيا وفرنسا اللتان كانتا تتحكمان بمصير شرقنا العربي، وقسّمت وطننا الكبير إلى أربع دويلات وأصبحت قريتي التي كانت تنتمي تاريخيًا وجغرافيًا إلى سورية الكبرى التي كانت تُعرف ببر الشام. وهكذا أصبحت قريتي بعد التقسيم تابعة لما يُسمّى الآن بلبنان وتابعًا لفرنسا التي جعلت منه دولة تحكمها طوائف وليس حكومة مركزية، ولكني ما زلت أحفظ وبفخر كبير هذين البيتين من الشعر قبل عشرات السنين لتعلّمي لهما.
كنت في الثامنة من عمري عندما تعلمت هذين البيتين من الشعر الوطني العربي، وأنا اليوم في السابعة والثمانين لكني ما زلت أتذكر تلك الأبيات الشعرية وكأني تعلمتها البارحة، لأنها تعبر عن حبي وانتمائي إلى وطني الكبير سورية متمنيًا لها الصمود في وجه تلك العصابات الإرهابية التي تطمح إلى تقسيم ذلك التقسيم المشؤوم الذي فرضته علينا الدولتان الاستعماريتان بريطانيا وفرنسا بغرض تقسيمنا من جديد إلى كنتونات طائفية ومذهبية وخلق شرق أوسط جديد تتناحر فيه تلك الطوائف والمذاهب فيما بينها، بغية القضاء على الانتماء القومي العربي الذي يجمع ويوحِّد كل الطوائف والمذاهب والأديان، بينما المذهبية والطائفية تقضي على الوحدة وتزرع الحقد والبغضاء بين أبناء القومية الواحدة والوطن الواحد وهذا ما يريده تجار الأوطان والأديان.
كنت وما زلت اعتبر تركيا الرسمية من ألد أعداء الحركات القومية العربية حتى ولو كانت، أي تركيا، تنتمي بالوراثة إلى الدين الإسلامي. فقد كان وما زال لي عدة نقاشات صاخبة مع الكثيرين من أبناء شعبنا العربي ومنهم من يدّعون أنهم "يساريون" الذين آمنوا وصدّقوا ان النظام التركي بزعامة اردوغان أصدقاء لنا، فقلت لهم كيف يمكن ان تكون تركيا الرسمية صديقة لنا وهي عضو في حلف الأطلسي، لكنها وبتأييد من الدول الاستعمارية وخاصة الولايات المتحدة تريد أن تحتوي الدول العربية وتُرجع سيطرتها على تلك الأنظمة بمحاولة إحياء سلطنة عثمانية جديدة ومحاولة القضاء على الحركات القومية العربية وخاصة العلمانية منها تحت شعار "الإسلام هو الحل" وضم كل الوطن العربي إلى السلطنة العثمانية التي حكمت وطننا العربي لأكثر من أربعمائة عام وأنستنا من تعلّم لغتنا العربية واستبدلت الحرف العربي للغة التركية بأحرف لاتينية، وكل ذلك بتأييد وتوجيه الدولتين الاستعماريتين آنذاك بريطانيا وفرنسا اللتين أيدتا فصل لواء الاسكندرونة عن وطننا العزيز سورية وضمه إلى تركيا آنذاك، وتركيا اردوغان اليوم تحلم بإرجاع سلطنتها على كل العرب تحت شعار الرجوع إلى "الشريعة" والقضاء على كل فكر علماني وقومي عربي وبتأييد من عدة أنظمة عربية. ولأن الدولة العربية الوحيدة التي تعارض وتقاوم أطماع "العثمانيين الجدد" هي برأيي فقط سورية العروبة الأصيلة والصامدة في وجه وضد اكبر مؤامرة عالمية استعمارية بعد الحرب العالمية الثانية، يشترك فيها حلف دنس يجمع كلا من أمريكا، بريطانيا، فرنسا، تركيا، قطر والسعودية. والقاعدة إسرائيل تجار الأوطان والأديان و"المفكر العربي الكبير" آخر زمان والفضائيات كالجزيرة والعربية وقسم كبير من المشايخ، ولكن رغم "عظمة" تلك المؤامرة فسورية صامدة رغما عن كل الطامعين وتقدم الكثير من قوافل الشهداء الأبطال للحفاظ على أمن واستقلالية قرارها الوطني الداخلي. وكلي إيمان بان هذه المؤامرة الدنيئة لن تمر لأن سورية وشعبها هما اللذان سينتصران رغم كل التآمر ضدها ورغم كل الأموال التي "يبرطل" بها "حاكم" قطر هؤلاء الإرهابيين، ورغم التأييد لهم من أمريكا وتركيا وبريطانيا وألمانيا وكل من يدور في فلك تلك الدول التي تدرّب أولئك الإرهابيين والقتلة على أراضيها كتركيا والأردن وإرسالهم إلى سورية الصمود للقتل والنهب والتدمير. ولكن عليهم ان يعلموا أن التاريخ لن يرحم أحدًا من هؤلاء الإرهابيين والمتعاونين مع أعداء شعوبهم وأوطانهم أمثال سعد حداد "اللبناني" الذي حاول إقامة "دويلة" في الجنوب بتأييد وحماية الاحتلال الإسرائيلي، وأين الذي جاء بعده المدعو أنطوان لحد الذي يتسكع في شوارع تل أبيب وغيرهم الكثير من الذين كانوا يعتقدون انهم محميون من أمريكا أمثال مبارك وعلي عبدالله صالح وزين العابدين التونسي الذي نهب أموال الدولة فماذا نفعتهم "حماية" أمريكا لهم عندما هبت شعوبهم وطردتهم وهم الآن يتسكعون كل في المكان الذي لجأ إليه كمنبوذين ومحتقرين من مواطني الدولة التي خدموها "كاللبنانيين" مثلا ظنًا منهم ان إسرائيل دولة لا تقهر، لكنهم نسوا أو تناسوا ان كل احتلال آخره إلى الزوال، وربما لم يكن عندهم الوعي الكافي لأن التعصب الطائفي والمذهبي أعمى أبصارهم وعقولهم وتفكيرهم، وقد صدق خالد الذكر أبو العلاء المعري الذي حطّم الإرهابيون المتعصبون طائفيًا ومذهبيًا تمثاله في مدينته الخالدة معرة النعمان، لأن أبا العلاء يُعد من أعظم المفكرين والفلاسفة في العالم شرقًا وغربًا وقبل الأوروبيين بمئات السنين عندما كتب وقال: "اثنان أهل الأرض واحد مع عقل بلا دين وآخر ديّن لا عقل له" وقد قال وكتب أيضًا: "لقد كنتُ بالأمس اكره جاري عندما لم يكن دينه على ديني داني". فأين انتم أيها الحاقدون والمذهبيون والطائفيون من أفكار أبي العلاء العبقري والفيلسوف المتنور "والاممي" ولأنكم أغبياء متعصبون حطمتم رأس تمثال أبي العلاء اعتقادًا منكم بأنكم ستقضون على صمود سورية المتنورة العلمانية قلب الأمة العربية الصامد والنابض ضد كل العملاء والإرهابيين واللصوص الذين ينهبون بيوت المواطنين السوريين لكنهم يقتلون فيما بينهم عندما يبدأون بتقاسم الذي ينهبونه من البيوت السورية بعد قتل أو طرد أهالي تلك البيوت، وزيادة على ذلك يأتي قسم كبير من الذين يدّعون "التديّن" إلى معسكرات اللاجئين السوريين مع "مشايخ" ليعقدوا قرانهم على بعض اللاجئات السوريات مقابل قليل من الدنانير أو الدولارات بادعاء إنقاذهن من البرد والحالة السيئة التي وصلوا إليها بسبب تلك الحرب الجهنمية التي فُرضت على سورية وشعبها عقابًا لها لصمودها في وجه المؤامرات الاستعمارية واللصوص والإرهابيين وتجار الأوطان والأديان.
وأخيرًا أُهيب بكل إنسان شريف وبغض النظر عن انتمائه الطائفي أو المذهبي في العالم كله، أن يستنكر ويعارض تلك الأعمال المشينة ويقاومها بمظاهرات واحتجاجات شعبية وحتى بأحاديث عادية ونقاشات مع الذين لا يعرفون الحقيقة، لأن الصحافة العالمية ومحطات تلفزيونية كالجزيرة والعربية وبعض الصحف والصحافيين المأجورين وكل الأنظمة التي تدور في فلك الدول الاستعمارية والتي تريد من شعوبها ان تظل عبيدًا لها ليتسنى لها الاستمرار في نهب ثرواتنا النفطية والتي بدلا من ان تكون نعمة لنا جعلوها نقمة علينا ونعمة لهم بسبب حكام وملوك "الدول" العربية والذين هم عبيد حقيرون لأصحاب شركات النفط التي تتحكم بتلك الأنظمة، كما كان يتحكم الإقطاعي بفلاحيه الذين كانوا بمثابة عبيد له ولعائلته، ولهذا السبب يريدون تحطيم سورية الصمود كما حطموا ليبيا وغيرها، ولكن ذلك لن يحصل أبدًا، وستبقى سورية حرة ابيّة بجيشها وشعبها وقيادتها، والخزي والعار لاوغلو واردوغان وحلفائهما من عملاء البترودولار وتجار الأوطان والأديان.
(حيفا)
