يجري الحديث، بدون شك عن الاحتلال الإسرائيلي الأسود البغيض للأراضي الفلسطينية المحتلة منذ سنة 1967، إذ لم يكن مجرد احتلال ارض فقط، بل مرحلة كولونيالية بالمفاهيم الاستعمارية والصهيونية الواسعة، وتجاوز لكل الحدود والمعايير الإنسانية الاخلاقية، لما تحمله من هدر لكرامة الناس والشعب الواقع والرازح تحت نير الكولونيالية الصهيونية الجديدة، في ظل القوانين والتشريعات العسكرية والديمقراطية التي باتت تستهدف البشر والشجر والحجر.
- لا يوجد احتلال أزلي وشرعي
كل احتلال مهما طال عمره، تبقى نهايته محتومة، فطالما انه يفرض نفسه بالقوة فانه في الوقت ذاته يفقد الشرعية ووجوده من وجهة نظره هو يصبح باعتباره غير مرحَّب به على الإطلاق، والاحتلال الإسرائيلي هو آخر تقليعة لهذا العصر والتخلص منه مسؤولية كبيرة تتحملها ثلاثة أطراف، الأول الشعب الذي احتل أراضي الشعب الآخر أي الشعب الإسرائيلي بجميع ألوانه ومكوناته، بما فيها كل القوى العقلانية والديمقراطية المحبة للسلام والتعايش في إسرائيل وترفض الاحتلال فكرًا وممارسة، وهنا يتطلب بذل المزيد من الجهود بالخروج إلى الشوارع للتعبير عن ضرورة وضع حد لاستمرار الاحتلال، لما يشكله من خطورة أخلاقية واجتماعية واقتصادية وسياسية على مجمل المجتمع الإسرائيلي.
الطرف الثاني وهو المجتمع الدولي والرأي العام العالمي، بدءًا من الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، وصولا إلى المجتمع والرأي العام الأوروبي والأمريكي، اللذين عملا ودعما وشرْعنا قيام إسرائيل قبل 64 عاما، وذلك بالعمل على تنفيذ الشق الثاني من القرار الاممي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، مما يعني إنهاء الاحتلال كليًا إلى غير رجعة.
الطرف الثالث، الشعب الفلسطيني الرازح تحت نير وقمع وبطش الاحتلال، والذي يعمل بكل قوة لتجديد النضال والكفاح عبر تجديد الثقة مع الشعب، الذي انتفض مرتين وأكثر في السابق، تجديد العهد معه لمواصلة أسلوب المقاومة الشعبية ضد الاحتلال كاحتجاج شعبي يومي من خلال التصدي لسوائب المستوطنين، ومن ثم للخروج من دوامة الانتظار والرغبة الإسرائيلية – الأمريكية بالعودة إلى طاولة المفاوضات التي كانت تدور في حلقة مفرغة منذ سنوات عديدة.
ثانيًا تجديد العهد الكفاحي عبر رفع شعار الشعب قرر إنهاء الاحتلال، بالعمل اليومي والخروج بمظاهرات ومسيرات سلمية تستقطب كل أطياف الشعب الفلسطيني، يوازيها تحرك سياسي إسرائيلي شعبي بمشاركة قوى اليسار والسلام الإسرائيلي، بالمطالبة والضغط على حكومة اليمين الحالية، بضرورة انهاء الاحتلال وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه السياسية بعيدًا عن دائرة العنف والتهديد والحرب. فالقوى الثلاث اذا تفاعلت، ويجب ان تتفاعل في اتجاه واحد بوضع حد لإنهاء الصراع والاحتلال عبر انجاز الحقوق المشروعة والمتساوية لكل طرف من أطراف هذا الصراع، الذي بات يشكل اكبر تهديد على مستوى حياة وتطور شعوب المنطقة.
- حان الوقت وإلا..
إن التخلص من الاحتلال وموبقاته هو مصلحة للجميع. ويفتح آفاقا واسعة لكلا الشعبين للعيش في جو من الود والاحترام المتبادل، والانصراف معًا على تطوير آليات لتنشيط سبل التعاون والتطور والازدهار لما فيه خير الشعبين وشعوب المنطقة عامة، وجعل الشرق الأوسط منطقة يطيب العيش فيها بعد إحداث نقلة نوعية في نقلها من منطقة توتر وفوضى وحروب ودمار إلى منطقة تقدم وحضارة وإنماء وعيش وتطور علمي، لما تتمتع به هذه المنطقة من ميزات ثمينة ومواد كبيرة وحضارات متداخلة تكشف عن مدى حب الإنسان لهذه المنطقة بالذات، بالإضافة إلى كونها مهد الديانات السماوية الثلاث. فالوقت الحالي ليس وقتا ضائعًا وإنما هو وقت ثمين، وعلى القيادات السياسية والحكومة وصناع القرار في إسرائيل استغلاله في الجنوح إلى الإتجاه الصحيح، فالقيادات الحكيمة هي التي تتصرف وتستغل الوقت الثمين والفرصة المتاحة لإعادة الحياة والابتسامة إلى وجوه مواطنيها وشعبها، وتجعل من حياة أطفالها وأجيالها من مجرد طعام ووقود لآله الموت، إلى قوة للبناء والعلم والتطور ودفع عجلة التطور والازدهار إلى الأمام، ويجب التفكير وهذا ما تسعى له البشرية والحكومات والدول التي تُركز همها الوحيد على البحث أكثر في المجال التكنولوجي والصناعي والاقتصادي لأنه يشكل الأساس المادي لتطور المجتمع. فالسباق العالمي اليومي يرتكز على سعي الدول والحكومات، وفي عصر التنافس والتناحر على من ينتج أكثر ويشبع ويُصدر أكثر، فهو سيد الموقف ولا يحتاج الى الآخرين.
فالشعوب المقهورة والمقموعة، ومنها شعبنا الفلسطيني بالذات، لم يعد يتحمل المعاناة والحرمان على يد الحكام الإسرائيليين وحلفائهم من الأمريكيين والأوروبيين، ومن حقه وبعد دهر كامل من المعاناة والقتل والحروب والاحتلال ان يظفر بالحرية والاستقلال على أساس علَم ودولة وهُوية، فإبقاء الاحتلال الإسرائيلي ليوم إضافي معناه المزيد من الكبت والاضطهاد والحرمان والمزيد من سفك الدماء والحروب.
ولهذا على المجتمع الدولي عامة، والأوروبي والأمريكي خاصة ان يتحملوا بصورة جماعية المسؤولية في إنصاف الشعب الفلسطيني كما جرى إنصاف شعوب عديدة في المنطقة والعالم. والذين هم وأسلافهم الاستعماريون كانوا لفترة طويلة وما زالوا سبب بل كل الأسباب التي حالت دون حصول الشعب الفلسطيني على حريته، حقوقه الأساسية والتاريخية فوق تراب وطنه. على الأمريكيين والأوروبيين ان يدركوا ان عالم اليوم ليس عالم الأمس، فالسيطرة والنفوذ وتقاسم المصالح والأدوار أخذت تواجهها ضربات عنيفة وقوية من شعوب العالم وبالذات الشعوب التواقة للحرية، وهذا ما يميز عالمنا الذي أصبح عالمًا متعدد التطور والمراحل والبناء. فالحق الطبيعي لجميع الأمم والشعوب ان تحيا وتعيش تحت قبة السماء بعيدًا عن الاذدناب والتبعية للاستعمار الجديد والصهيونية. فالاحتلال الإسرائيلي، مهما طال سيبقى احتلالا مكروها ومرفوض أخلاقيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا وإنسانيا، وان زواله يصبح حاجة موضوعية لما يشكله من عقبات أمام تطور المجتمع الفلسطيني. حان الوقت لنفض وخلع وشلح هذا الثوب البالي أي الاحتلال عن جسم وكاهل الشعب بل الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، وارتداء ثوب جديد ثوب التحرر والكرامة الوطنية والتعاون المتبادل من اجل بناء شرق أوسط بعيد عن الحروب والكراهية ولصالح شعوب الشرق والعالم أجمع.
(كويكات/أبوسنان)
