* عوارض الاكتئاب: حزن عميق ومتواصل، فقدان طعم المتعة، شعور باليأس والعجز، وفقدان الشهية والرغبة.
*يتخذ الاكتئاب أحيانا شكل العصبية أو يظهر على شكل عوارض جسدية كالإرهاق أو الأوجاع.
* الاكتئاب يفكك العلاقات الأسرية ويؤدي إلى فقدان القدرة على العمل ويضاعف من احتمالات الأمراض والوفاة.
* الاكتئاب يضاعف احتمالات الأمراض الجسدية واحتمالات الوفاة.* يمكن معالجة الاكتئاب بواسطة رزمة علاج دوائية ونفسية وأسرية*
الاكتئاب هو اضطراب نفسي يتميز بحزن عميق ومتواصل يرافقه فقدان المقدرة على التمتع بأي شيء وفقدان الاهتمام والرغبة لفعل أي شيء. هذه الحالة تحول دون قيام الشخص بالمهام اليومية التي اعتاد القيام بها وتؤدي إلى ابتعاده عن العلاقات مع الآخرين وعن تأدية وظيفته في الأسرة والعمل والمجتمع. تختلف هذه الحالة عن حالات الحزن أو الاكتئاب العابرة التي يمر فيها معظم الناس في فترة ما في حياتهم نتيجة تعرضهم لإحباط أو فشل أو فقدان إلا أنها لا تستمر أكثر من أيام أو أسابيع قليلة. يكون الاكتئاب اضطرابا نفسيا عندما يستمر لعدة أشهر متواصلة دون أن يجد الشخص مخرجا منه ويغرق في اليأس والشعور بالعجز وتراوده أحيانا أفكار سوداوية حول جدوى الحياة وأفكار انتحارية تدفعه أحيانا لوضع حد لحياته. يرافق الاكتئاب عادة أرق ليلي أو اضطراب آخر في دورة النوم، بكاء، صعوبات تركيز، فقدان الشهية للأكل أو اضطراب آخر في دورة الجوع منها الإفراط في الأكل والسمنة، وفقدان الرغبة للجنس.
هنالك نوع خاص من الاكتئاب لدى الكبار يسمى الاكتئاب ثنائي الأقطاب (Bipolar) الذي يتأرجح فيه المريض بين حالتين متطرفتين: بين الاكتئاب العميق (Depression) وبين النشاط والحيوية الفائقة والسعادة المفرطة (حالة Mania). في حالة الاكتئاب يغرق المريض في حالة عجز استسلام ويأس وسوداوية يكاد لا يقوى على فعل أي شيء فيمضي وقتا طويلا في النوم، وبعد أيام أو أسابيع ينتقل إلى حالة مناقضة تماما يكون فيها مشحون بثقة مفرطة بنفسه وبقدراته، منشغل دون كلل بأفكار ومبادرات كبيرة تدفعه نحو مشاريع ضخمة وغير واقعية تفوق طاقاته، وإلى سلوكيات تكون خطرة أحيانا عليه وعلى غيره. في بعض هذه الحالات تكاد لا تغمض للمريض عين على مدار أيام.
نحو 30% من النساء في الغرب و 10% من الرجال يصابون بالاكتئاب في أحدى مراحل حياتهم.
الاكتئاب ممكن أن يصيب الأطفال والمراهقين أيضا إلا أنه يتخذ أشكالا مختلفة تجعل تشخيصه أمرا ليس سهلا إذ ترافقه عدوانية وعصبية وصعوبات تركيز وكثرة حركة. ظهور مثل هذه السلوكيات "المزعجة" تحول دون تفهم الكبار للطفل أو للمراهق الذي يعاني الاكتئاب بل وتدفعهم أحيانا إلى صده أو معاقبته مما يزيد اكتئابه تفاقما. كثيرا ما يتخذ الاكتئاب في المجتمعات الشرقية مثل مجتمعنا العربي شكلا مغايرا مما عليه في الغرب. يتميز بعوارض جسدية (Somatic) مثل التعب والإرهاق والأوجاع ولا يرافقه بالضرورة حزن أو يأس.
نظرا لتعدد وتنوع مظاهر الاكتئاب فإن تشخيص هذا الاضطراب ليس بالأمر السهل. فليس كل من غرق في الحزن لبضعة ايام أو أسابيع يعاني اكتئابا مرضيّا. تشخيص الاكتئاب يتطلب القيام بفحوصات نفسية لدى أخصائي نفسي متخصص (Clinical psychologist) أو طبيب نفسي (Psychiatrists). إن اعتبار من لا يعاني اكتئابا مريض بالاكتئاب، أو عدم تشخيص من هو يعاني فعلا من الاكتئاب كلاهما ضار يؤديا إلى عواقب وخيمة.
// العوامل المرتبطة بالاكتئاب
لا يمكن تفسير الاكتئاب بواسطة سبب أو أسباب محددة، إذ أن ظهور هذا الاضطراب يتطلب التقاء وتفاعل مجموعة من العوامل الوراثية والبيئية معا. تلعب الوراثة دورا كبيرا في حالات الاكتئاب. الأبحاث حول التوائم المتطابقة تشير إلى أنه إذا كان أحد التوائم مريضا بالاكتئاب فهنالك احتمال بنسبة 75% أن يصاب التوأم الآخر بالاكتئاب أيضا. هذه النسبة تبقى عالية (نحو 67%) حتى لو أن التوأمين تربيا في بيئات مختلفة. التشابه الوراثي بداخل الأسرة العادية يكون أقل مما هو لدى التوائم ومع هذا فإذا كان أحد الوالدين أو الإخوة مصاب بالاكتئاب فتتضاعف احتمالات الإصابة بالاكتئاب بضعفين أو ثلاثة بالمقارنة مع من ليس في أسرته مصابين بالاكتئاب. دور الوراثة يكون أكبر في حالات الاكتئاب ثنائي الأقطاب . فحين يكون أحد الوالدين يعاني هذا النوع من الاكتئاب فيكون احتمال إصابة أحد الأبناء هو 25% وإذا كان كلا الوالدين مصابين فيصبح احتمال إصابة أحد الأبناء بين 50% إلى 75%.
الوراثة تعطي الإنسان جاهزية معينة أو استعدادا معين للاكتئاب لكنها غير كافية لظهور المرض بل تكون هنالك ضرورة لوجود عوامل بيئية أخرى تفعّل هذه الجاهزية الوراثية. من بين هذه العوامل الصدمات النفسية مثل فقدان شخص عزيز، فقدان وظيفة، ضائقة مالية أو اجتماعية، مرض، فشل وإحباط، صراعات زوجية، وطلاق. هنالك عوامل طفولة تؤثر على ظهور الاكتئاب منها فراق قسري عن أحد الوالدين، موت أحد الوالدين، أو اعتداءات جنسية. غياب المحبة والدعم الاجتماعي عن حياة الإنسان يمكن أن يكون عاملا إضافيا لظهور الاكتئاب.
في مجتمعنا العربي كثير من الناس يعانون البطالة والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، ويعانون من صراعات زوجية مزمنة، ومن فقدان شخص عزيز ومن صدمات أخرى وبالتالي فإن الكثير من الناس يعانون الاكتئاب دون أن يدركوا ذلك ودون أن يتم تشخيصهم وتوفير العلاج لهم. كما جاء سابقا ربما يظهر الاكتئاب لدى بعضهم على شكل عوارض جسدية كالتعب أو الوجع أو الأرق أو غيرها من العوارض الجسدية مما يجعل احتمال الاكتئاب غير وارد على أذهانهم.
//العواقب المترتبة عن الاكتئاب
لا تقتصر عواقب الاكتئاب على معاناة الشخص وبؤسه بل إن مريض الاكتئاب يؤثر على الحياة الزوجية وعلى حياة الأسرة ويهدد بتفككها، كما يؤثر على نفسية وحياة كل فرد في الأسرة. الزوج المكتئب لا يستطيع أن يكون زوجا داعما وبناء في علاقته مع زوجته كذلك الأمر مع الزوجة المكتئبة. الوالدين المكتئبين لا يستطيعا أن يكونا والدين محبين وداعمين لأولادهم ولا يستطيعان مرافقتهم في الأزمات التي يمرون فيها في مراحل حياتهم المختلفة. مريض الاكتئاب لا يستطيع مواصلة عمله في مهنة تعيله وتعيل أسرته مما يعمق شعوره بالعجز واليأس ويزيد من ضائقته الاقتصادية والاجتماعية.
تراكمت في العقود الأخيرة نتائج أبحاث عديدة تشير إلى أن الاكتئاب النفسي يؤدي إلى العديد من الأمراض الجسدية الخطرة كالسرطان وأمراض القلب وغيرها. هنالك أبحاث تشير إلى أن احتمال الشفاء من الأمراض والاستجابة للعلاج الطبي تكون أقل لدى المرضى المكتئبين منها لدى المرضى غير المكتئبين.
ليس أن احتمالات المرض تتضاعف لدى المكتئبين فحسب بل أيضا احتمالات الوفاة تتضاعف بالمقارنة مع غير المكتئبين. لذلك فالاكتئاب هو بداية تدهور في الحالة الصحية التي تودي إلى المرض وأحيانا إلى الوفاة.
//علاج الاكتئاب
من المهم الإشارة إلى أن الاكتئاب قابل للعلاج فيما إذا تم تشخيصه وتوفير خطة علاجية ملائمة. يشمل العلاج عادة رزمة متعددة الجوانب منها العلاج الدوائي والنفسي والأسري والاجتماعي.
العلاج الدوائي يكون ضروريا لخلق توازن جديد في المواد الكيماوية في الدماغ والتي تؤثر على مزاج الشخص وعلى أدائه العقلي والاجتماعي، إلا أن هذا العلاج يبقى ناقصا طالما أن المريض يواصل تفكيره السلبي وقراءته السوداوية لنفسه وللحياة وللمستقبل. لذلك هنالك ضرورة لعلاج نفسي يعيد النظر في أنماط التفكير وفي طرق المواجهة التي اعتادها الشخص في حياته. العلاج النفسي يفترض أن سبب الاكتئاب لا يكمن بالظروف الخارجية التي يعيش فيها الشخص (بطالة، صراعات زوجية، فقدان) بل بطريقة فهم الشخص لهذه الظروف وبكيفية مواجهتها. لذلك يتركز العلاج في هذه الحالات على تعلم طرق مواجهة جديدة لهذه الظروف تكون أكثر نجاعة. هنالك حالات معينة يكون من الضروري إحداث بعض التغيرات في حياة المريض في أسرته الأمر الذي يتطلب أحيانا علاجا أسريا يعيد بناء العلاقات في الأسرة من جديد على أسس سليمة وصحية. أحيانا يحتاج مريض الاكتئاب إلى مساعدة لإعادة تأقلمه في العمل وفي المجتمع الأمر الذي يتطلب مساعدة من مؤسسات الرفاه الاجتماعي والتأمين الوطني. علاج الاكتئاب يتطلب عادة اتباع برنامج علاجي متواصل إلا أنه ضروري لوقاية المريض من تدهور حالته الصحية ولعودته إلى نفسه وأسرته ولاسترجاعه القدرة على تذوق طعم الحياة والقيام بدوره فيها.
*للاستفسار أكثر يمكن الكتابة إلى: psy@marwandwairy.com
