عن ثلاثة مديرين يعيدون الروح الى التربية

single


أمامنا، وعلى طاولة المتحدثين، يجلس ثلاثة مديري مدارس: باروخ يعقوبي من المدرسة التجريبية "عين هيام" في حيفا، فيصل طه من ثانوية الجليل التجريبية في الناصرة وعينات برغر من المدرسة الابتدائية "تل حاي" في حي كفار شليم في تل أبيب.
نحن الجمهور، المركب من طاقم التدريس لكلية سيمنار هكيبوتسيم ومن طلاب دورة تأهيل المديرين بإدارة دكتور كوبي غوترمان.
تتميز هذه المدارس الثلاث بتحصيل علمي راق وأعلى من المعدل العام في البلاد، وأكثر مما هو متوقع منهم كمؤسسات تربوية تشمل طلابا بغالبيتهم ينتمون الى مجموعات سكانية ذات مستوى اقتصادي اجتماعي صعب. وبالرغم من النجاحات، فان المديرين الثلاثة لا يعيرون اهمية كبيرة للتحصيل العلمي بحسب المقاييس المقارنة. يبدو أن المديرين الثلاثة يملكون ويفعّلون برنامجا تربويا فريدا من نوعه.
يتشاركون بلغة تربوية مرتبطة بماهية العملية التربوية وغير متعلقة بمصانع الامتحانات والنتائج القابلة للقياس، هم يتحدثون عن التربية كتأهيل لحياة كاملة ومليئة، للشعور بالقيمة الذاتية ولمحبة الآخر، للتمتع ببهجة الحياة ولتطوير الشخصية، لتحقيق الذات وللمسؤولية الاجتماعية. هدفهم هو الإنسان بأفضل ما لديه، لحياة ذات معنى ولمجتمع إنساني عادل. يتعاملون في البدء مع كل طالب، معلم وولي أمر كأُناس متساوين: الإنسان كغيره- لا يقل أهمية ولا يعيبه شيء، وأيضا بأن يكون لديه إحساس بقيمته الذاتية، وان يتمتع بقدرة عالية على التطور وتحقيق الذات والشعور بالانتماء المشرف والمحب للمجتمع.
هؤلاء المديرين لا يعيرون اهمية عليا لتوجيه الطلاب لأن يصبحوا الاوائل او الفائزين في المسابقات التعليمية التقليدية، إنما لتصميم وبناء شخصيتهم بانسجام داخلي مع ذاتهم وبتوافق اجتماعي مع الآخرين، كذلك بانسجام بيئي مع الطبيعة التي في عالمهم.عليهم ان يتمتعوا قبل كل شيء بمحبة الإنسان، بمحبة أنفسهم، محبة الآخر، ببهجة الحياة، بالتعلم والتطور، بالنمو والإبداع.
من الواضح ان التعليم أمر مهم في نظرهم، ولكن في الدرجة الأولى ليس كإخلاص للقوالب وللمواضيع التعليمية المألوفة التي تمكن من المعرفة أو إظهار المهارات، إنما كوسيلة لتنمية  الشخصية بشكل عام ولتطوير نمط حياة ذي معنى، ولتحقيق الذات. عندما نستمع إلى هؤلاء المديرين فانه لا يمكننا إلا أن نفكر بسياقين: الأول، من بداية القرن العشرين، للفيلسوف الفرد نورتوايدهاد والذي رثى التدهور التربوي الذي كان في حالة من الصعود نحو التفكير الذكي، المثمر، الأخلاقي وللثقافة النوعية- إلى حالة الهبوط نحو الهاوية، إلى الهدف المُقلّص وهو التمكن من قوالب المعرفة المعيارية في المواضيع التعليمية. والسياق الثاني، هو الكتاب المعروف للباحث التربوي الفنلندي باسيسالبرغ، FINNISH LESSONS، والذي اختار ان يشدد بداية على أهمية الثقة، الرفاهية، السعادة، التوجه الشخصي، التعاون وإتاحة الفرص للتعلم الهام كالذي يحظى بها الطلاب كميزة بارزة للجهاز التربوي الراقي في فنلندا. كذلك تنشئة معلمين ممّيزين بإحساسهم بأهمية الرسالة التربوية، بمحبة الإنسان ويمثلون القدوة الشخصية النموذجية لطلابهم. هكذا، وباختصار، تعلمنا منهم،من هؤلاء المديرين الثلاثة، تعلمنا درسا أساسيا ومهمّا عن التربية في أفضل حالاتها.

 


*بروفسور نمرود ألوني أستاذ تربية ومحاضر في كلية سمينار هكيبوتسيم.

قد يهمّكم أيضا..
featured

من معاناة الجماهير الكادحة وُلدت الاشتراكية العلمية التي تزيل الفوارق الطبقية

featured

شحنة كفاحيّة بعد زيارة ضريح مناضل كبير

featured

غلاء المعيشة، سياسة حكومية

featured

ما بين مؤتمر الاعمار، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية

featured

رثاء صديق وزميل

featured

الحقوق الفلسطينية فوق المحاور

featured

قانون بعقلية "المافيا والخاوة"!

featured

الطفلة رفيقة.. ومانيفست الضحية!