news
ثقافة

أم زيدان من هذا المراح ما في رواح

 

 

 في ضحى يوم جميل من أيام الصيف، كان الجو حارّا، والسماء زرقاء صافية، انتهينا من اللعب، وترجلنا عن صهوة خيولنا وأعدناها إلى مربضها مركاس حطب ام حسين، ما لبث ياسين احد افراد الشلة وان عاد وهو يحمل بيديه قربَة فيها ماء اقترح علينا ان نصحبه لزيارة جدته ام زيدان في كفرمندا، فقد حرّقه الشوق لرؤيتها وظلت هناك وحيدة تحرس البيت، تبادلنا النظرات ونحن الذين لم نبرح القرية اطلاقًا، فاستهوينا الفكرة وحبذناها، ،هرولنا من مكاننا وفي طريقنا عرّجنا على كرم تين ابو نمر فيه الغزالي والبياضي والباذنجاني والسوادي والزراقي والخضاري والخيالي وبعد ان انتفخت بطوننا يممنا شطر كفرمندا، أخذنا طريقنا وسرنا في شعاب جبل (راس التين)، وهناك استوقفتنا الذاكرة عند موقع استشهاد المجاهد فايز الشحادة في ثورة القسام سنة 1936 فقرأنا الفاتحة على روحه الطاهرة، واصلنا سيرنا في تلك الشعاب متحدّين وعورة الطريق، حفاة غير مكترثين لوخز الاشواك والحصى لما كان يعترينا من تلهف جامح وفرح جارف لرؤية قرية غير قريتنا.

دخلنا أحراش الجبل بما فيها من اشجار السنديان والقندول والسريس والقيقب والبطم والعبهر، ومن على قمة جبل الطويل تراءى لنا عن بعد متسع شاسع من المياه الزرقاء ونحن لم نشاهد البحر في حياتنا فأدركنا ان هذا هو البحر الأبيض المتوسط الذي حدثنا عنه المعلمون في درس الجغرافيا وعلى شاطئه تناثرت مدن قدّرنا انها عكا وحيفا، ثم تراءت لنا قرية صغيرة تربعت على قمة جبل يقابل جبل الطويل فقال ياسين الزيداني: "هذه قرية كوكب أبو الهيجاء، لا زالوا في قريتهم ولم يغادروها من اليهود"، فدخلنا في سهل مزروع بشتلات الدخان التي كانت أوراقها قد اصفرّت وجفّت، جلسنا بين الشتلات التي أطلقت أزهارها البيضاء الجميلة، لنأخذ قسطًا من الراحة، تناولنا أفخاخنا وشرعنا نحفر في الأرض وندفنها بعد أن أخذنا الطُّعم من ديدان الخرفيش اليابس عسى ان نصطاد عصفور دوري أو شحرور أو سمّن التي استفزتنا وايقظت شهيتنا وهي تتقافز امامنا، وأثناء وقت الاستراحة، شاهدنا سربًا من الطيور كما لو كان غمامة سوداء قادمة من الغرب ما لبث وخبط على الارض، فدبّ الرعب في قلوبنا، نظرنا صوب الخبطة، فرأينا سربًا من طير الفرّي مهاجرًا. حطّ بالقرب منا، لم نفوّت الفرصة استللنا سلاحنا، نقيفاتنا التي نصطحبها دائما وشرعنا نمطره بوابل من الحصى وهو ولم يحرك ساكنا كما لو كان مخدرا وبعد فترة من هبوطه غادر المكان، هرعنا الى مكان هبوطه فوجدنا الفري مجندلة وبوفرة فغمرتنا فرحة جامحة، ورحنا ندبك شعراوية ووقف ياسين المنداوي على الرأس يلوّح بقميصه، تركنا سعد الله ونحن في غمرة بهجتنا، مشى نحو الغنيمة، وأخذ يمسك الفري بيد وفي الأخرى يمعط الرأس.

 انتهينا من الدبكة، فسارعنا بتنظيف الفرّي وبعد الانتهاء من التنظيف، راح سعد الله يجمع القليل من الهشيم وعيدان السريس الدقيقة اليابسة، ثم أخرج من جيبه زنادة من الفولاذ الصلب وقطعة شاش رقيقة، تناول حجرًا من الصّوان، الصق الشاشة بطرف الحجر وراح يقتدح الزنادة بالحجر فتصاعد الشرر وبعد عدة قدحات ما لبثت واشتعلت الشاشة أشعل الهشيم، اوقدنا النار، حضّرنا موقدة وعلى عيدان السريس القوية وضعنا الفرّي حتى فاحت رائحة الشواء، ورحنا نتناولها ونلتهمها بشهية جارفة ، نهضنا بعد وجبة الشواء جمعنا افخاخنا وكانت خالية، واصلنا سيرنا في احد الشعاب الذي يشق السهل فتولى ياسين قيادة الشلة حتى وقفنا عند مطل على قمة جبل الديدبة، فتراءت لنا مدينتَا الناصرة وشفاعمرو الصامدتين وعلى سفح الجبل قرية كفرمندا كبقعة بيضاء تشع شموخا وصمودا على ارض رمادية على الطرف الشمالي من سهل البطوف، ومن هناك تراءت لنا قرية صفورية وقد عصف بها الحزن وقلعتها لفتّها الكآبة، وخربة رمانية وعرب الهيب والعزير والبعينة كئيبات أيضًا، تمايلت من على سطوح بيوتها أعلام بيضاء، ومركبات جيش الهاغاناة تسارع صوبها من صفورية تاركة وراءها سحابة من الغبار.

 اقتربنا لنشاهد في السهل خندقًا طويلًا ومتعرّجًا حفر في الجهة الجنوبية من القرية على طول مئات الأمتار يتمترس داخله رجال بالكوفيات البيضاء ومقاثي البطيخ المنتشرة وبطيخها المجندل في السهل قد مسّه اصفرار فشوّه خضرته الجميلة، وقد زاغ نظرنا ونحن نشاهد موارس القمح بلونها الاصفر الذهبي، والسنابل وهي تحني رؤوسها جزعًا وحزنًا، كما لو انها تقول قد اينعت رؤوسي وقد حان حصادها، كانت الشمس ساطعة بأشعتها البيضاء تسير بتؤدّة نحو الغرب، هبطنا من (الديدبة) وولجنا القرية، شاهدنا عند دخولنا من الجهة الشمالية البلدة تعج بالرجال الذين يحملون البنادق وهم على أهبة الاستعداد وجنود جيش الانقاذ يتسكعون بين البيوت ومنهم من يطارد الدجاج لتحضير وجبة ساخنة، سار ياسين الى الجهة الجنوبية من القرية فكانت حارة أشباح فيها بعض العجزة والشيوخ، دخل ياسين بيتهم كان قدومه مفاجأة عظيمة لجدته التي توشحت بلباس اسود واعتمرت خمارا ابيض وعصبة سوداء غطت جبينها من تحت الخمار، نظرت اليه وشهقت، تركت طبخة البامية على النار تعبق رائحتها في الجو اقتربت منه اشرعت ذراعيها وضمته الى صدرها تغمره بحنانها تقبله بتلهف جارف والدموع تأخذ مجراها في اخاديد وجهها وبعد ان اشفت غليلها من تقبيل حفيدها، اندفعت نحونا ولم تضن بقبلها الحارة والترحيب بنا، جلسنا على حصير وتناولت ابريق من الفخار مترع بالماء البارد وقدمته لنا، ثم ما لبثت وتركتنا لتعود وهي تحمل بين يديها طبقًا من القش عليه مقلى من الفخار استرخى فيه البيض المغمور بزيت الزيتون وبجانبه صينية من نحاس، تمددت فيها قرون البامية وهي تغرق باللون الأحمر القاني، وبجانبها أرغفة خبز الطابون، وطرحت الطبق امامنا ورحنا نلتهم الاكل بشهيّة فائقة، بينما هي انشغلت بتشقيح بطيخة، وعندما انتهينا من تناول البطيخ راحت تحدثنا عن هجمات اليهود للقرية المتكررة في الليل ومحاولاتهم البائسة لاحتلالها ونحن نصوخ السمع لها، لتقول لكنهم فشروا الرجال البواسل يهرعون ببواريدهم ليشاركوا الذين في الخندق يصدوهم ويمنعوهم من احتلالها اطرقت قليلا فانتهز ياسين الفرصة وقال لها عشان هيك يا ستي احنا جايين ناخذك معنا الى عرابة عند ابنك واحفادك فانفجرت بغيظها متسائلة، انا اطلع من هون؟ لطمت على صدرها ونظرت اليه نظرة يشع منها الرفض والإصرار، وقالت: والله يا ستي لو هبطت سابع سما انا مش متزحزحة من هون حتى لو اجوا اليهود وهدموا البيوت على روسنا وذبحوني مع الناس الّي فيها وان شاء الله بهمة البواسل مش رايحين يحتلوا البلد انا بقلك سلم على اهلك وقل لهم. من هالمراح ما في رواح.

(عرابة)

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب