ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

A+
A-
صورة توضيحية، طهران (شينخوا)

صورة توضيحية، طهران (شينخوا)

ولي نصر هو أكاديمي ومحلل سياسي إيراني-أميركي بارز، يُعد من أبرز المتخصصين في شؤون الشرق الأوسط، وإيران، والسياسة الإقليمية. يشغل منصب أستاذ الدراسات الدولية في جامعة جونز هوبكنز. المقال نشر في شبكة "بروجكت سنديكيت" العالمية.

خرج الإيرانيون إلى الشوارع احتجاجًا على انهيار العملة الوطنية وتصاعد معدلات التضخم، فيما ذهب كثيرون منهم إلى المطالبة بإنهاء حكم الجمهورية الإسلامية. غير أن ردّ فعل الحكومة هذه المرة اختلف عن تعاملها مع موجات الاحتجاج السابقة. ففي حين سارع قادة إيران إلى قمع الحركة الخضراء عام 2009، وانتفاضة "المرأة، الحياة، الحرية" عام 2022، بدا أن الأجهزة الأمنية الإيرانية هذه المرة بطيئة في الاستجابة مع تصاعد الاحتجاجات. وبدل اللجوء الفوري إلى القمع العنيف، اختار الرئيس مسعود بزشكيان في البداية الرد عبر إصلاحات تقشفية تهدف إلى تحرير موارد مالية تُستخدم لتقديم دعم للفئات الفقيرة.

غير أن هذا الحل المؤقت لم يصمد طويلًا. فبينما قد تكون هذه الإجراءات قد خففت من غضب الشرائح الأشد فقرًا، فإنها ألقت بأعبائها على الطبقات الوسطى، التي تحمّلت الكلفة وانضمت إلى الاحتجاجات بأعداد متزايدة. وما بدأ كتعبير عن سخط اقتصادي سرعان ما تحوّل إلى انتفاضة ذات طابع سياسي. ولم يُقدم النظام على تشديد القمع بشكل جدي إلا بعد اندلاع الاحتجاجات في مختلف أنحاء البلاد في الثامن من يناير.

فما الذي يفسر هذا الاختلاف في طريقة التعامل مع المعارضة السياسية هذه المرة؟ تجري الاحتجاجات الحالية في ظل تداعيات حرب إيران التي استمرت اثني عشر يومًا مع إسرائيل في يونيو الماضي. ولا يزال المسؤولون الإيرانيون متأثرين بآثار ذلك الصراع، ويتصرفون على أساس افتراض أن المواجهة قد تتجدد في أي لحظة. ويبدو هذا التهديد الخارجي أكثر إلحاحًا من الاضطرابات السياسية الداخلية، لا سيما في ظل الضربات التي وجّهتها إسرائيل لحزب الله، وانهيار نظام بشار الأسد في سوريا، ما ترك إيران بقدرة ردع محدودة في مواجهة أي تدخل خارجي محتمل.

وفوق ذلك، وجدت إيران نفسها عاجزة عن منع أطراف خارجية من استثمار السخط الشعبي في الداخل، ما زاد الطين بلّة. فخلال حرب يونيو/حزيران 2025، اصطف الإيرانيون إلى حدٍّ كبير خلف الدولة، وردّ النظام حينها بتخفيف تطبيق القواعد الدينية، ولا سيما تلك المتعلقة بالحجاب. غير أن الاحتجاجات الراهنة تضع السلطة أمام معضلة حقيقية: فالقمع المفرط قد ينسف التفاهم الهش الذي سعى النظام إلى ترسيخه مع المجتمع عقب الحرب، في حين أن السماح للاحتجاجات بالتوسع قد يفتح الباب أمام تدخل خارجي.

كما لعب التدهور المتواصل للاقتصاد الإيراني دورًا حاسمًا في تفجير الأزمة. فقد أدى تداخل سوء الإدارة والفساد والعقوبات الخانقة إلى تفاقم معدلات التضخم والبطالة، ما أضعف الطبقة الوسطى تدريجيًا ووسّع قاعدة الفئات الفقيرة المتعثرة. وجاءت حرب يونيو لتسرّع هذه الاتجاهات؛ ففي الأشهر الستة التي تلتها، فقد الريال الإيراني أكثر من 40 في المئة من قيمته، فيما قفزت معدلات التضخم إلى ما يقارب 60 في المئة. ومع شيوع الاعتقاد بأن إضعاف البرنامج النووي الإيراني قلّص قدرة طهران على التفاوض لرفع العقوبات، سرعان ما أعقب ذلك هروب واسع لرؤوس الأموال.

ومن ثمّ، وبحسب رؤية صُنّاع القرار في إيران، فإن الأزمة الاقتصادية التي دفعت المحتجين إلى الشوارع متداخلة بعمق مع التهديد الخارجي الذي يواجه البلاد. فهم يتذكرون أن إسرائيل دعت، خلال حرب العام الماضي، الإيرانيين العاديين إلى الانتفاض. وقد راهنت إسرائيل آنذاك على أن القضاء على عشرات من كبار القادة العسكريين وتوجيه ضربات قاسية للمؤسسات العسكرية والأمنية سيحفّز مجتمعًا قلقًا ومضطربًا على الانتفاض وإغراق الدولة المنهكة. وعندما لم يتحقق ذلك السيناريو، كان قادة إيران أول من أقرّ بأن بقاءهم خلال الحرب كان بفضل شعبهم. غير أن ما اتضح لهم في الوقت نفسه هو أن الرهان على انتفاضة شعبية كان جزءًا من الاستراتيجية الحربية الإسرائيلية، وهو إدراك ينعكس اليوم بوضوح في نظرتهم إلى الاحتجاجات الحالية.

وقد تعزّزت هذه الشكوك عندما لجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا إلى وسائل التواصل الاجتماعي ليعلن أن الولايات المتحدة "في وضعية الجاهزية الكاملة"، ومستعدة للتدخل من أجل "إنقاذ" المحتجين الإيرانيين من قمع عنيف. ومن هذا المنظور، لا يكمن التهديد الحقيقي الذي تمثله الاحتجاجات في ما يمكن أن ينجزه الإيرانيون بقدراتهم الذاتية، بل في ما إذا كان يمكن توظيفها لتوفير مسوّغ لتدخل عسكري أميركي ضد إيران.

وتبدو المقارنات هنا جلية مع حالتي ليبيا وسوريا خلال موجة "الربيع العربي"، حين استندت الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية إلى مبدأ "مسؤولية الحماية" لتبرير التدخل العسكري. فقد تحوّلت تلك الانتفاضات الشعبية سريعًا إلى مشاريع تغيير أنظمة تقودها قوى خارجية، وانتهت في نهاية المطاف إلى حروب أهلية وانهيار مؤسسات الدولة. ولا يخفى أن صفوف الحرس الثوري الإيراني تضم عددًا كبيرًا من قدامى المحاربين في النزاع السوري، الذين شهدوا عن كثب كيف يمكن لاحتجاجات سلمية، حين تحظى بدعم خارجي، أن تنزلق بسرعة نحو حرب أهلية. ومن ثمّ، فإن السعي إلى تجنّب مصير ليبيا وسوريا يشكّل دافعًا أساسيًا يوجّه عملية صنع القرار في إيران اليوم.

ويضاف إلى ذلك عامل آخر يؤثر في حسابات القادة الإيرانيين، هو إقدام الولايات المتحدة على اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو. فكما هو الحال لدى كثيرين حول العالم، شكّل هذا التطور صدمة للحكم في طهران. ولم يكن هذا النمط من "تغيير الأنظمة" شبيهًا بما قامت به الولايات المتحدة في أفغانستان والعراق مطلع الألفية، أو بما سعت إليه لاحقًا في ليبيا وسوريا بعد عقد من الزمن. فبدلًا من نشر قوات أو الترويج لمشاريع "بناء الدولة"، أبقت إدارة ترامب على بنية السلطة التشافيزية القائمة، مع مطالبتها بالخضوع للهيمنة الإمبريالية الأميركية أو مواجهة خنق اقتصادي قاسٍ.

فهل يمكن للولايات المتحدة أن تنتهج استراتيجية مماثلة ضد الجمهورية الإسلامية؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد تسعى إلى تنفيذ ضربة عسكرية دقيقة تستهدف اغتيال المرشد الأعلى لإيران وعددًا من القيادات السياسية والعسكرية البارزة، والاستيلاء على ناقلات النفط الإيرانية في أعالي البحار، ثم مطالبة ما يتبقى من بنية النظام بالرضوخ لشروطها، والتي من شأنها أن تشمل التخلي عن البرنامجين النووي والصاروخي، وتسليم السيطرة على الموارد الطبيعية للبلاد. وحتى من دون الوصول إلى حد اغتيال القادة الإيرانيين، فإن استراتيجية أميركية تقوم على القصف العسكري وعرقلة صادرات النفط يمكن أن تُخضع النظام وتدفعه إلى حافة الانهيار.

وأمام هذه السيناريوهات، تمثّل الرد الإيراني الفوري في التلويح بالتكاليف المحتملة لأي عدوان أميركي. ففي السادس من يناير، قام مجلس الدفاع الإيراني بتعديل وضعه الاستراتيجي، معلنًا أن إيران قد تلجأ إلى "إجراءات استباقية" إذا واجهت "مؤشرات موضوعية على وجود تهديد". ورغم أن توجيه ضربة استباقية لأهداف أميركية في الشرق الأوسط من شأنه، بلا شك، أن يستجلب حربًا لا ترغب بها إيران، وقد يفضي إلى نهاية النظام ذاته، فإن الجمهورية الإسلامية لا تستطيع تحمّل إعطاء الانطباع بأن هزيمتها ستكون بلا ثمن.

ومع ذلك، وحتى إذا نجحت إيران في تفادي مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، وحتى لو انحسرت موجة الاحتجاجات الحالية، فإن اقتصاد البلاد يواصل انحداره في مسار تنازلي. وهذا يعني أن الغضب الشعبي مرشح للتفاقم على المديين المتوسط والطويل. فالجمهورية الإسلامية باتت عالقة في كماشة خانقة، بين تهديد خارجي تمثله الولايات المتحدة وإسرائيل، وتهديد داخلي يتمثل في احتمال اندلاع انتفاضة جماهيرية واسعة. ولا يبدو أن هناك مخرجًا سهلًا من هذا المأزق. فرغم أن الانهيار الكامل للنظام ليس وشيكًا بالضرورة، فإن الثورة الإسلامية الإيرانية تبدو اليوم وقد اقتربت من نهايتها.

قد يهمّكم أيضا..
featured
ترجمات الاتحادت
ترجمات الاتحاد
·2026-01-10 11:04:57

ولي نصر: لماذا موجة الاحتجاجات هذه المرة مختلفة بالنسبة لإيران ؟

featured

لا تبنى السياسات الصحيحة على معارف مبتورة

featured
صباح بشيرص
صباح بشير
·2026-01-10 06:49:15

"كأنّي لم أذهب بعيدا".. محمود درويش ورفاق الكلمة في ميزان الذّاكرة

featured
أسماء طنوسأ
أسماء طنوس
·2026-01-09 12:45:51

موشحات| أَلْعيدُ أَقْبَل

featured
رشدي الماضير
رشدي الماضي
·2026-01-09 12:43:34

بروميثيوس يسرق النار مرتين

featured

السخرية الاجتماعية بين الجاحظ وفولتير

featured
د. خليل اندراوسد
د. خليل اندراوس
·2026-01-09 12:38:47

سياسات غطرسة القوة – الصهيو إمبريالية –

featured
مينا علاء الدينم
مينا علاء الدين
·2026-01-09 12:36:35

رحيلٌ يحمّلنا مسؤولية كبيرة لإكمال المسيرة