news
ثقافة

العيون والقُبْلَة، الرقص والموت كما صوّرها الفن| د. منير توما

 

 

 

 

لقد دأب الفنّانون في كل مكانٍ وزمان الى توظيف فنهم بمختلف فروعه أكان تشكيليًا أو غير ذلك، في ابراز الجمالية الكامنة في ممارسات بشرية لافتة تحمل المعاني الرمزية والمجازية، وقد حملت تلك الفنون تعبيرات إنسانية تعكس واقعًا ليس للإنسان مهربٌ من تداولها وذلك في سبيل إبهاج نفسه والآخرين، أو تجسيد حقيقة لا مناص من مواجهتها. وأولى هذه الأمور التي تناولها الفن مظهِرًا ما فيها من جاذبية وجمال وايحاءات كانت العيون حيث أنَّ الهوى أو العاطفة التي تنبثق في الحال تدعى،«الحب من أول نظرة». وفي الحالات كافةً فإنّ العيون هي الوسيلة الرئيسية لتواصل العواطف.

يكتب دانتي بأنّ الهوى مُقَدَّرٌ له أن يخبو «اذا ما العيون واللمسات لم تشعله.» إنَّ قوة أو قدرة البصر تُعتَبر عادةً «أكثر نُبلًا» من حاستي الذوق والشم، واعتُبِرَت العين دائمًا العضو الرئيسي للمعرفة. في العديد من الأديان، الألوهية تتطابق مع «العين» السماوية التي ترى كلّ شيء، تَحكُم، ترشد، وتنير. في الكتاب المقدّس، نرى أنَّ الله بعد انتهائهِ من عملية الخلق، يستعرض العالم المولود حديثًا و «يرى» أن كل شيء «جيد». إنّ قدرة العين استثنائية. وكما يتم الانتباه والتأكيد في الأسطورة والأدب، فإنها تأخذها نظرة واحدة، ومضة أو نظرة سريعة الزوال، وبطرفة عين كافية لايقاظ هوىً طاغٍ. إنّ العين، علاوةً على ذلك، هي تقليديًا هي «الشباك الى داخل النفس» : النظرة المُحَدِّقة لا تكذب لكنها تكشف الحقيقة وعمق مشاعر الشخص. لهذا، فإنّه في لعبة الحب، عندما تلتقي العيون، تكون خطوة فاصلة حاسمة – من الجُبُن الى الطرب والنشوة، من الوقاحة الى الاشتراك في جريمة. أخيرًا، فإنّ العالم نفسَهُ يبدو أنه يختفي عندما ينظر المحبّان العاشقان الشبّان في عيني كل منهما للآخر، سواء كانت تحديقات مُسْتَرَقة، تبادلات خجولة، أو مُشتَعِلَة، صريحة واضحة.

وعند الحديث عن القُبلة، فإنّها أداة قوية للعاطفة. إنَّ قوتها قد ظهرت وبرزت خلال التاريخ في الشعر، في الفن البصري المرئي، والموسيقى، وفي أعمال الأدب الرفيعة الى حكايات الجن.

ومن اللافت أنَّ القليل جدًا من الايماءات قد احتفظت بنفس المعنى الاجتماعي، العاطفي والشخصي على مدار الألفيات مثل ما احتفظت بهِ القُبلة. وحتى داخل حدود الثقافة الغربية، فإنّ القبلة تمتد الى نظام واسع من العلاقات الانسانية. وقد لاحظنا أن الرجل الخنوع الخاضع يُقَبِّل أقدام أو أيادي رؤسائه ومَن هم أعلى منزلةً منه ؛ كذلك نرى أنَّ عضو جماعة أو زمرة أو عشيرة مثلًا يعتبر القبلة كعهد للانتماء (مثل «القبلة الأكاديمية») التي يقدِّمها الأساتذة الجامعيون الى طلبتهم عند التخرُّج) ؛ وأيضًا القبلة المتبادلة بين رؤساء الدول في احتفال رسمي للتصديق على التحالف ؛ ونذكر كذلك الكاهن وتكراره لتقبيل الكتب المقدّسة أو ثوب السيدة العذراء عند إدارة الأسرار المقدّسة ؛ إنّ يهودا الاسخريوطي كريه وبغيض الى حدٍ ما لأنّه «يُدَنِّس» القبلة باستخدامها كإشارة عن طريقها يخون المسيح. وهكذا فإنّ المعنى الاساسي والرئيسي للقبلة، بأية حال، تتعامل بالوجوب مع الحب. فلا أحد يمكنه أن ينسى ارتعاش روميو وجولييت عند أوّل قبلة لهما، إنّ لحن الحب الثنائي بين عطيل وديدمونة في أوبرا ﭬﻴردي ينتهي بطلب قبلة. وفي وسط السنة اللهب في جحيم دانتي، فإنّ ذكرى القبلة بين باولو وفرانسيسكا («هو قبّل فمي، مُرْتَعدةً بكُلِّيَتي»، «الجحيم»s.138)  هي جوهرة تتلألأ بالطهارة والحب. وفي حكايات الجن، نسمع كيف أن قبلة الأمير تشارمنغ توقِظ بيضاء الثلج من نومها الشبيه بالموت، وقبلة أميرة شجاعة تكسر السحر الذي كان قد أحال أميرها الى ضفدع. إنَّ القبلة تُجَدِّد الواقع، تهدّئ الصراعات، تضع الرجل والمرأة على المستوى نفسه. إنّها المدخل الى حبٍّ تام وحب متبادل، خالٍ من السيطرة والهيمنة والاستعباد.

وفيما يتعلق بالرقص، فإنّه طقس استرضائي استعطافي ووسيلة يتواصل الجنس البشري بواسطتها مع الايقاعات النابضة الخافقة للعالم، والرقص تتشارك فيه المجتمعات كافةً وهو مفتاح للانتروبولوجيا الثقافية أي علم الانسان الثقافي.

هناك الاف الطرق المختلفة للرقص، ولكن ليس من شك أن الرقص عملية سحرية. ومن الرقصات الدائرية السلفية الى الشعائر المفروضة للحفلات الراقصة الموسيقية، ومن الحركة الدائرية لرقص الدراويش الى الاثارة الجنسية المسبّبة للدوار لرقصة التانجو الأرجنتينيّة، فإنّ مدى الإمكانيات هو تقريبًا غير محدود. إنّ تاريخ الفن يزوّدنا. بمرآة صحيحة للظاهرة، مصوِّرًا الرقص في محيط العهد القديم من الكتاب المقدّس (داود الملك يرقص أمام تابوت العهد) ودورات الرسوم الجدارية المائية المقدّسة (رقصة سالومي ذات السبعة أحجبة في قصة حياة يوحنا المعمدان) ؛ في استغاثات العصور القديمة (أعياد باخوس إله الخمر المتميّزة برقص منطلِق العنان)، اللوحات البرجوازية للإنطباعيين (من رينوار الى تولوز – لوتريك)، الرقص المُرتَجل في الاحتفالات الفولكلورية، والباليرنا راقصة الباليه التي صورت بشكل مُحَبَّب من قِبل دﯦﭼﺎس. إنّ وراء الموضوعات المركزية للفن والبيئات المتنوعة الى درجة كبيرة، هناك دائمًا طرب حسيّ متوهج متقدِّ، استسلام الى العواطف والأهواء الأولية التي تمنح أهمية ودلالة تجديدية شهوانية عميقة في عملية الرقص.

وفي ختام تناولنا للموضوعات آنفة الذكر، نأتي الى موضوعة الموت باعتبار أنَّ المفطور على الحب أو الهوى وميّال الى العشق يكون متداخلًا ومتشابكًا مع موضوعي الحياة والموت. إنَّ ثنائية الإيروس (إله الحب والرغبة والجنس) وثاناتوس (في الأساطير اليونانية هو اله يمثل بروح لها أجنحة يجسّد الموت غير العنيف) هي أحد الثيمات أي الموضوعات المركزية الكلاسيكية في الفلسفة، الأدب، وفن جميع العهود.

ليس هناك انسانيًا عاطفة أقوى من الحب؛ إنّه أيضًا يحمل بداخلهِ إحساسًا بالزوال، الوعي المرير بالمرور السريع للزمن، غموض الفراق. هناك نوع من اشتهاء الموتى (نيكروفيليا) أدى الى عدد لا حصر له من الفتيات في العصر الرومانتيكي أن يتماثلن مع شخصيات سلسلة روايات ويتخيّلن أنفسهنَّ مرضى الى حد الموت. إنّ مرض السّل، ذلك المرض الذي أصاب فيوليتا ﭬﺎليري في لاترﯦﭭﻴﺎتا وميمي في لابوهيم، هو الحزن أو الأسى الكامل ليتمَّ هذا الموضوع أي الثيمة في الفن، كأنّها تستهلك ضحاياها لغاية أنهم أخيرًا قد انتهوا في أذرع أحبائهم منفطري القلب حزنًا عليهم. إنَّ الشعر، المسرح، والرسم قد زودتنا بكثير من صور بطلات مأساوية أو محبين من ذوي الحظ العاثر بدون أمل أو حظ، والذين اليهم قد وصلت قمة الهوى بالتحديد الى «اللحظة الأخيرة». إنه من الممكن أنَّ هذه الشؤون الدامعة للآخرين، عندما تمثّل دورها في العلن وتُؤخذ الى نقطة النهاية التطهيرية، تزودنا بشيء من الراحة، والذين تواريخهم الشخصية هي أكثر دنيوية وخاصة. إنهم يساعدوننا أن نفهم بأنّ أية فرصة أو مناسبة للحب هي ثمينة ويجب أن لا تُبَدَّد.

نستخلص مما تقدّم أنَّ الفن بمختلف تشعباته وأصنافهِ قد احتوى وجسّد مصورًا موضوعات تلامس حياة البشرية على شتى الصعد، مبيّنًا تفاصيل تذهب بالفكر الانساني الى التأمل والتحليل في سبيل ارضاء فضوله وحب استطلاعه لشؤون ثقافية تهذّب الروح وتصقل الأحاسيس، وقد رأينا فيما ورد أعلاه كيفية تطرّق الفن الى احتضان ثيمات وموضوعات لها علاقة وثيقة بممارسات وعادات وتقاليد لا يمكن للبشر أن يتجاهلوها كتبادل القبلات، ولغة العيون، وهواية الرقص، ومشاعر الانسان عند اقترابه من نهايته بالموت ومفارقة الحياة.

                                                                                                  كفرياسيف

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب