news
ثقافة

 

 

 

 

 هل ما زلت تذكرني؟

كان جمال على الطرف الآخر من خط الهاتف.

جمال ابن دفعتي في معهد دار المعلمين.

 أريد ان ألتقي بك لأمر ضروري! أكمل محاولًا أن لا يعطني فرصة الإفلات من شباكه، التي نصبها كي يمسك بي !.

 تخرَّجنا من المعهد قبل سنوات، ولم ألتقِ به منذ ذلك الحين، وانقطعت أخباره عني تمامًا، إلا من خبر واحد حرصت ليلى- ابنة صفنا - التي أطلقنا عليها لقب إذاعة المعهد أن توصله اليَّ.

خبر زواج جمال من حياة!.

 أحاسيس كثيرة دفعتني على الموافقة على مقابلته. كلُّها تتعلق بحياة. حياة التي طيفها يأبى ان يتلاشى من ذاكرتي.

 واتفقنا ان نلتقي في مقهى من مقاهي حيفا.

 وعندما وصلت الى المقهى، وجدته ينتظرني قرب مدخله، فتلقفني متلهفًا، وقادني الى داخله، فأحسستُ أنني كنت بالنسبة له كالخشبة التي تشبث بها، كي تخلصه من براثن الأمواج، التي كانت تتلاعب به، وتوشك ان ان تغرقه.

 و فور جلوسنا، قال قاصدًا توجيه حديثنا الى مسار حدَّده من قبل، وطلب اللقاء من أجله:

 أتعرف أنني - أنا وحياة - قد انفصلنا. تطلَّقنا؟

 لاحظت أنه أصيب بشيء من خيبة الأمل، عندما شعر ان الخبر لم يترك على وجهي، أي من الانفعالات التي توقعها.

توقع ان تتسلل مسحات من الفرح المتشفّي الى صفحات وجهي. او تغزوه خربشات من غيوم الشفقة. أو تهزَّني صدمة الخبر، وتوقع أن أغرق في دوامة الدهشة والاستغراب.

ولكني تعمَّدت أن أتلقَّي الخبر بهدوء، وكأني متوقع حدوثه، أو أنه مجرَّد خبر لا أهمية له بالنسبة لي. أسمعه، وأتركه -عادة- يمر بسلام دون ان أوقفه.

 أنا وحياة وجمال. التقينا في معهد إعداد المعلمين في حيفا. أنا من عرعرة، وهي من عرابة، وهو نصراوي، أنا وأحمد درسنا في تخصص واحد، أما هي فكانت في تخصص آخر.

***

 لقد وصلت حياتنا معًا الى نهاية كانت محتومة! إنها شيوعية- كما تعلم - وأنا بعيد عن هذا!

ولم تسير في مسار أبيها الذي تعرفه!

قال وهو يحاول -عن طريقي- ان يفهم الحالة التي وصل اليها.

 اعتقدت لأول وهلة، أنه يبحث عن مستمعين يستطيع بواسطتهم ان يصل الى قرارة نفسه. أن يقنعها عن طريقهم أن ما حدث معهما كان حتميًا، وانه لم يستطع ان يغيِّر نتيجته، رغم انه كان يتمنّى ان لا يتمَّ الانفصال بينهما.

 ولما وجد أنني مستحكم وراء صمتي، أكمل موضحا:

 لم تسد بيننا حالة حبّ حقيقية..

وبدأت علاقتهما من النقطة التي وصل فيه حبنا - أنا وحياة- الى طريق مسدود.

 * * * 

ان نتشبَّث بحبٍّ لا تعطه الحياة ذرة من أمل . وان نبحر في قارب ليس له ميناء. من الأفضل ان يكون هذا اللقاء الأخير ! .

 

 قالت حياة وهي تهرب من أمامي، ضاغطة بجفونها على عينيها، كي تؤجل انفجار الدموع منهما.

 الى حين غيابها عني. كنت عاجزًا عن مصارحتها أن تغميس أبيها في صحون السلطة، هو سبب ترددي في بناء علاقة معها.

 لم تكن المرة الأولى التي ودعتني بها حياة. لقد ودعتني قبلها مرات كثيرة. و كانت دائما تعود. ولكنها في هذه المرة غابت ولم تعد. وصارت تهرب من وجهي كلما جمعنا لقاء في ممر، أو درج من درجات المعهد، او ساحة من ساحاته.

 * * *

 لم تخفِّ حياة عني أنها كانت في علاقة معك، ولا أعرف أسباب مصارحتها لي، ربما لأن حبكما كان معروفًا من قبل الجميع في المعهد، ومن المستحيل إخفائه، او ربما أنها أرادت أن تؤكد أنها أنهت هذه العلاقة، لتبدأ علاقتها الجديدة معي، بعد ان دفنت الماضي وراءها!

 استمرَّ جمال في سرد قصته مع حياة، دون ان يشفق عليَّ أو على نفسه من وقع ضربات الإحراج، التي سببتها كلماته التي استلَّها من الماضي المثخن بالجراح، فعرفت أنه قصدني الى أمر خطير لا عنوان له غيري.

 * **

 

 إلتقيت بحياة في الممر الطويل الذي يؤدي الى غرف

التدريس.

تركتُ صاحبتها وتقدمت منّي، وقالت في همس خجول معذَّب:

أرجوك ان تبتعد بعيونك عنّي. إنها تضايقني. أرجوك!

 كانت تلك المرة الأولى التي يطرق صوتها أسماعي. فجعلني أتجمَّد في مكاني. كنت كمن أصابته زخَّة مطر في يوم قائظ.

 والذي زاد اندهاشي وضاعف ثقل صدمتي، انني لم أرتكب الجريمة التي اتهمتني بها. كانت بالنسبة لي طالبة ضائعة بين مئات الطالبات اللواتي يضمَّهن المعهد.

 ***

 وعاد أحمد ليشدني إليه من غيبوبة شريط ذكرياتي مع حياة.

 ابنتنا الوحيدة بقيتْ معها، تركتُ البيت،، والآن اتخذ من بيت أمي مسكنا مؤقتا لي، الى أن أجد شقة صغيرة مناسبة لي أستأجرها! .

أكمل غسان بعد ان ترك لنا- أنا وهو - فرصة ترتيب أورقنا التي تخربطت بسبب مداهمتنا من قبل تيار كلماته الجارف.

 ***

 وابتعدتُ عن حياة. وتجنبتُ كل مكان، كان الممكن أن تتواجد فيه، وكنتُ إذا اضطرتني الظروف أن أتواجد معها في: ممر أو ساحة، حوَّلتُ وجهي بعيدًا عنها. الى الجهة المعاكسة كي لا تصطدم عيوننا.

 في أحد الأيام بينما كنت في طريقي الى محطة الباص الذي ينقلني الى بلدي في نهاية كل اسبوع، واذا بصوت يداهمني من الخلف:

 قف.انتظرني مكانك!

 استدرت باتجاه مصدر الصوت. لقد كانت هي. حياة!

وقبل ان ألملم نفسي، كانت قد التحقت بي وانفجرت بسيّل من كلمات مختلطة بالدموع، دلَّ تسارع تطايرها، على أنها كانت محبوسة في بركان طال انغلاقه عليها.

 لماذا تصرُّ على تعذيبي؟ لماذا تبتعد عنّي وتهرب منّي؟.

لماذا تصنع من أبي حاجزا بيننا؟

لماذا هذا الإصرار على قتلي؟ لماذا؟.

 وغرقت وأغرقتني معها في حوام من البكاء المحموم.

 ومشينا الى محطة الباص، التي كانت لا تبعد سوى بضع عشرات من الخطوات، قضتها في مسح الدموع، وكان باب باص بلدها مفتوحًا ينتظرها. فرمت بنفسها في داخله. ووقفت أنا في المحطة مشدوهًا غارقًا في ضياع مجنون.

وتأكدت - لأوَّل مرة - أنها تعرف أنني، على علم بعلاقة أبيها مع دوائر السلطة المظلمة.

 ***

 هل ما زلتَ تحبُّها؟ .

 لطمني جمال بسؤال كان بالنسبة لي أكبر من المستحيل ان أتوقعه منه. ولذلك كان من المحال ان يسمع مني جوابًا عليه، سؤال لم يجرأ على التسلل الى شريط تفكيري منذ ان فارقتني.

إنها لم تتوقف يومًا عن حبِّك!

أكمل جمال دون ان ينتظر مني جوابًا لسؤاله، متجاهلًا كل ألم قد يسببه لي.

أبوها توفيَّ في حادث طرق. وأمها ماتت حسرة عليه!

استمرَّ في تعذيبي.

فهربتُ من أمامه!

 ***

 لقائي الأول مع حياة على إنفراد، كان على مقعد في حديقة عامة تقع بجانب المعهد.

  • لماذا أنا؟ سألتها.
  • اني أقرأ كل ما تكتبه في الصحف. وكانت بدايتي معك، محاولتي قراءة قصصك وخواطرك في سطور صفحات وجهك.في سراب عينيك.
  • !
  •  فتشَرَّبت إحساساتي بك، فملكتها دون أن أعي ذلك!
  • لا يهمني شعورك نحوي الآن . دعني أروي عطشي منك!.

 ***

ولم أدرِ ما الذي شدَّني للالتقاء بأحمد مرة أخرى. لعله حبي لحياة الذي يأبى أن يبقى حيًّا في داخلي.

 هل يمنعك من الارتباط بها، كونها مطلَّقة وأم لطفل؟.

 استمرَّ أحمد في انتشالي من أعماق شريط الماضي، وليكمل ما كان قد بدأ به في تعذيبي دون رحمة أو شفقة.

 يا أحمد إرحمني! كفاك رشَّ الملح على جراح كادت ان تندمل!

 كفاك يا أحمد! إنك تقطِّعني قطعة بعد قطعة! قلتُ باستعطاف مجروح.

 فسكت. ولكن للحظة يستطيع بها ان يستردَّ بها زمام قيادة الموقف، ليرميني بضربة كادت ان تقتلني:

 انك لستَ أبًا كي تشعر بما أشعر به!، فتهنا - أن وهو- في ضباب لا نستطيع ان نجد أنفسنا فيه.

 ***

 لم أسمع منك كلمة واحدة تعبِّر بها عن شعورك نحوي!

 قالت حياة في لقائنا التالي.

 فأجبتها:

 إنَّكٍ وضعتيني في حالة. لا أجد في معجمي كلمات تعبِّر عنها. أن حالتنا غير عادية، وأحتاج الى البحث عن كلمات لم تولد بعد، كي أعبِّر عنها!.

 وغابتْ لتطوف في بحر عينيَّ.اللتان كانتا تسبحان على صفحات وجهها، الذي كان يعزف موسيقى الحب بكل الألوان.

 ***

 

 إنك أنت سبب ابتعادها عني، ان قصصك التي تنشرها في الصحف، هي التي جعلتها تعشق الأرض والوطن، فأصبحت إقرث وكفر برعم والشجرة والكفرين وأخواتها هم عشاقها، فأصبحت حياتنا من مسيرة الى مسيرة، ومن مظاهرة الى اعتصام، ومن ذاكرة بلد الى ذكرى شهيد أو نازح.وتحولت علاقتنا وبيتنا الى مكان مهجور. ويا ليتها-يا محمد - كانت تتعامل معي مثل البلدات المهجرة التي اعطتها كل حبها!.

انتزعني أحمد من حالة الشرود التي هربت منه أليها.

 

 ***

 لماذا نلعب بأوراق المستحيل؟.

 سألتني حياة في أحد اللقاءات:

 وهل اللعب بأوراقه عبث ؟ .

أجبتها بسؤال أسعفني من عجزي عن الإجابة .

 انه عبث مجنون! قالت وهي تسحب نفسها من حافة بئر، كادت ان تغرق فيه.

 ***

 إنَّك تهرب منّي.لا تحاول ان تواجه ما أقول لك. إنك منذ جلسنا هنا لم تنطق ولو بكلمة واحده. حتى ابنتي التي أبعدَتْ عني، وحُرمتْ حنان أبوَّتي. وحُرمتُ دفء بنوتها، لم تهزُّك . لم يخرجك من هذا الذي الشرود الذي تغرق فيه!.

صرخ أحمد من أعماق جراحه الدامية.

 - ماذا تريد منّي؟ همست بصوت مبحوح، خرج من غياهب عميقة.

- أريد منك ان تكون أبًا لابنتي المهجورة. هل فهمت الآن ؟

وقام من مكانه وغادر القهوة، وتركني أغرق في حوام مجنون.

 ***

 في المسيرات التي تلت ابتعاد حياة عني، حرصت دائما ان أبتعد عنها. وربما كانت تفعل مثلّي.ولكن في هذه المرة، في مسيرة خبيزة، لم استطع فكَّ نفسي من حبال شدَّتني اليها، ظهرت من جديد بعد اختبائها دهرًا في دهاليز ذاكرتي .

 كانت تحمل في حضنها ابنتها.

 اقتربت منهما. رأيتُ أمامي وجهين كأنهما نسختين لقمر خرج من وراء أستار الليل السوداء، بعد نهار قضاه يتقلّى تحت لفحات الشمس، لفتا حول عنقيهما الطويتين حطة فلسطينية حمراء، وكان في يد الطفلة علمًا فلسطينيًا صغيرًا، وعندما لمحتني أقترب منهما صاحت:

سمير!

ولما اقتربت أكثر منهما توجهت لابنتها هامسة:

 هذا عمو سمير!

فسألتها: ما اسمك يا شاطرة؟

 أجابت: يعاد!

 فسحبتها من حضن أمِّها، ومشينا في وسط المسيرة!

 (عرعرة)

 

 

 

 

 

 

 

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب