news
ثقافة

من العلقم يخرج العسل


كيف نهوّن القبوع في السجن على أحد المساجين؟

نقول في محكيتنا "الحبس للرجال" والمقصود بالرجال هنا الابطال النشامى فالإمعات لا مكان لهم في السجون! في حديثنا هذا نؤكد واقعًا تعيشه بلادنا.. بلاد أكل حرياتها الاستعمار والانتداب والقمع والاحتلال.

عندما نتحدث عن رجال في السجون وبخاصة الثوار المناضلين نستثني الأشرار الملاعين من أصحاب السوابق المجرمين النجسين.

لن اتحدث في هذا المقام عن عصابات المجرمين بل سأكرس حديثي ذاكرًا الأحرار الذين يتحول السجن في حيواتهم إلى مهابط وحي ينزل عليهم إلهامًا وابداعًا مميزيْن!

نذكر في هذا السياق جدّنا المتنبي الذي دخل السجن في حمص بأمر من أميرها لؤلؤ غداة ادعائه النبوّة، وبعد لؤلؤ جاءته من مصر أوامر سجّانه كافور الاخشيدي: اسمعوه.. اسمعوا أبا الطيب مخاطبًا السجّان قائلاً:

لو كان سكناي فيك منقصة

لم يكن الدُر ساكن الصَّدف

ومع ذكرنا لأبي الطيب نذكر أبا فراس الحمداني الذي أطلق من زنزانته رائعته:

أقول وقد ناحت بقربي حمامة

أيا جارتا هل تشعرين بحالي

في هذا السياق يسوقني الحديث نحو معتقلات الاحتلال الاسرائيلي وزنازين الطغاة من الحكام العرب حيث نلتقي عظماء المبدعين أمثال أدونيس والسيّاب وسميح القاسم ومحمود درويش ومحمد الماغوط: كواكب ابداع من سوريا والعراق وفلسطين – سجنوهم لكنهم أخفقوا في سجن أفكارهم!

في محضر هؤلاء المبدعين يطل علينا مفكر فرنسا فولتير الذي زُج به في سجن الباستيل اكثر من مرة لمعارضته الحكومة والكنيسة الكاثوليكية. وفي ظلام السجن كتب فولتير رائعته (أوديب).

لا تتسع هذه المقالة لكل ما في جعبتي عن الابداع في السجون العربية وغير العربية ولكنها لا تكتمل إلا بحضور الشاعر التركي العظيم ناظم حكمت وزيارته في سجنه.. لقد رحل سجانوه وجلادوه وبقي أدبه بيانا وهداية:

اسمعوه يقول:

"أجمل البحار هو البحر الذي لم نذهب اليه بعد..

وأجمل الأطفال هم الذين لم يكبروا بعد..

وأجمل الأيام هي تلك التي في انتظارنا".

بهذا الكلام أنشد المبدع التركي مزامير الأمل..

التقدميون يرسمون المستقبل الأفضل والآتي الأفضل..

لم ترق تقدميته للمستبد الحاكم في تركيا.. لم ترق للطغاة اشتراكيته وشيوعيته فألقوه مكبلاً في السجون لكنهم لم يكبّلوا أفكاره!! لم يفهموا سمو كلامه وهو يقول:

"يا طفلتي يا ذات العيون الذهبية.. كنت سأشتري لكِ البنفسج هذا الصباح، لكن الرفاق كانوا جياعًا فاشتريت لهم خبزًا وكتبت لكِ قصيدة حبّ..".

هذا هو السهل الممتنع او بالأحرى تدفق الانسانية المنيعة الممتعة التي يخرجها المبدعون عسلاً بعد تناولهم علقم الجلادين!!

 

أخبار ذات صلة

إضافة تعقيب