كلّما مرّتْ من فوقِ رأسي طيورٌ مهاجرةْ
تذكّرتُ حكاياتِ أمّي وزفراتِها عندَ كلِّ خاطرةْ
تذكّرتُ الخيولَ الّتي انطلقتْ
وهيَ تصهلُ حائرةْ
تذكّرتُ بلادًا بأهلِها عامرةْ
قد سُوِّيتْ بالأرضِ
فأصبحتْ أثرًا بعد عينٍ
لكنّها في عقلي حاضرةْ
وتذكّرتُ أشياءَ كثيرةً
يا لهولِ الذّاكرةْ!
تلك الطّيورُ الّتي مرّتْ
من فوق رأسي مهاجرةْ
شيّعتُها بنورِ عينيَّ
ونورُ العينِ يُعشى عند الهاجرةْ
لكنّها لم تكترثْ بي
فمرّتْ مترنِّحةً
في غيِّها سادرةْ!
وآخرُ مرّةٍ رأيتُها تمرُّ من فوق النّاصرةْ
وقد تركتْ في نفسي أثرًا
حين سمعتُها تُتمتِمُ ساخرةْ
لم أفهمْ مُرادَها
لكنْ وجدتُ أنّي قد فهمتُ تلك الخاطرة
ورأيتُ أنّها تُخبئُ بين جناحيها كلَّ أسرارِ الطّريق!
**
كلّما مررْتُ بحارةِ السّقّائين
ظمئتُ أكثر
واشتقتُ لشربةِ ماءٍ تُطفئُ غيظي
لكنّي لا أستطيعُ أن أرميَ حجرًا
في ساقيةٍ حفرها أجدادي
ولا أستطيعُ أن أردمَها
مثلما يحاولُ الآنَ بعضُ أحفادي
ولا أستطيعُ أن أقفَ جانبًا
وألاّ أضربَ على أيديهِم
بإصرارٍ وعنادِ
عندما أذكرُ السّاقيةَ
أذكرُ الصّيفَ والبيدرَ والفلاّحْ
أذكرُ الماشيةَ والسّابلةَ وأهلَ السّماحْ
وأذكركِ أنتِ تضيئينَ لي
بثغركِ الباسمِ الفاتنِ الّلمّاحْ
وتبتسمينَ في خيالاتي
كلّما تجدّد ضوءُ القمرِ بتلك البطاحْ
وأذكرُ كلَّ الآثارِ والمعالمِ
وكلَّ نبتةٍ أعلنتْ عن تمرُّدِها
وأثمرتْ رائحةَ الكفاحْ
لا أعرفُ لماذا أحسُّ بالظّمأ
كلّما اقتربتُ من تلك السّاقيةِ
وتذكّرتَ معالمَ ذاك الطّريقْ!
**
كلّما اهتزّتْ في الكوفةِ نخلةٌ
وتعثّرتْ في الرّافديْنِ المراكبُ
قلتُ هو ذا من هولِ السّياطِ
وما أحدثتْ في البيتِ العناكبُ
وكلّما أُحرِقتْ في الشّامِ ياسمينةٌ
تطلّعتُ إلى مَن حولي
وقلتُ لا تعجبوا
قد أُحرِقتْ من قبلُ قبابٌ
وتوالتْ على البلادِ مصائبُ
ونظرتُ من حولي
فوجدتُكِ باسقةً
تنفثينَ العطرَ
كما كنتِ
وتزدهي بأنفاسِكِ جفناتُ عنبٍ
وكرومُ لوزٍ
وشقائقُ نعمانٍ وطيّونٌ
وأزهارٌ كثيرةٌ وأشجارٌ وبرقوقُ!
(كابول)






.png)



