مقدمة
يحتفل الأمريكيون الأفارقة بإنجازاتهم المتنوعة في شهر تاريخ السود الذي يمتد من 1/شباط – 1/آذار من كل سنة. في عام 1915، ردًا على نقْص المعلومات حول إنجازات المواطنين الأمريكيين السود المتاحة للجمهور، بادر المؤرخ كارتر جي وودسون Carter G. Woodson (1857-1950) مع زملائه إلى تأسيس جمعية دراسة حياة الزنوج وتاريخهم.
في البداية، في عام 1926، أعلنت مجموعة المبادرين أن الأسبوع الثاني من شهر شباط من كل سنة سيكون «أسبوع تاريخ الزنوج» وذلك للاعتراف بمساهمات المبدعين الأمريكيين الأفارقة للعالم. عدد قليل من الناس كانوا قد درسوا تاريخ السود ولكن لم يتم تضمين ما قدموه في الكتب المدرسية قبل إنشاء "أسبوع تاريخ الزنوج".
لقد تم اختيار شهر شباط لأنه يتضمن أعياد ميلاد كل من الرئيس الأمريكي إبراهام لنكولن (12/2/18099) والكاتب فريدريك دوغلاس (14/2/1818)، أحد المنادين الأوائل بإلغاء العبودية.
في سنة 1976، أصبح هذا الحدث حدثا رسميًا عندما وسّع الرئيس الأمريكي جيرالد فورد الاعتراف بالحدث «لتكريم الإنجازات المهمَلة في كثير من الأحيان للأمريكيين السود في كل مجال من مجالات السعي عبر تاريخنا». ومنذ ذلك التاريخ، يتم الاحتفال بشهر تاريخ السود في كافة انحاء الولايات المتحدة.
في سنة 2016 قام الرئيس باراك أوباما بافتتاح الاحتفالات في هذا الشهر وتوجه في تصريح له في 29/1/2016 الى الشعب الأمريكي قائلا: "إني أدعو الموظفين الحكوميين، رجال التربية، وموظفي المكتبات وكل شعب الولايات المتحدة ان يحتفلوا بهذا الشهر بواسطة البرامج والفعاليات المناسبة".
وأنا، بهذه المقالة، أشارك في هذه الاحتفالات من بعيد بالكتابة للمرة الثانية عن هذا الشهر واهميته وعن الناشطة السياسية والاجتماعية الشاعرة مايا انجيلو (1928-2014) وإلقاء الضوء على شعرها من خلال ترجمة قصيدتين لها إلى العربية لتعريف القارئ العربي بها وبمواضيع شعرها.
- الأمريكيون الأفارقة والفنون
يركز موضوع شهر تاريخ السود لسنة 2024 على «الأمريكيين الأفارقة والفنون». هذا الموضوع مليء بالتجارب الحيَّة في مجالات الفنون البصرية والأدب والأزياء والفولكلور واللغة والأفلام والموسيقى والرقص والهندسة المعمارية والطهي والرياضة وأشكال أخرى من التعبير الثقافي. لقد استخدم الفنانون الأمريكيون من أصل أفريقي الفن كوسيلة للحفاظ على التاريخ وذاكرة المجتمع وتعزيز الثقة بالذات والهوية المتميزة. مساهمة الشعر والشعراء في "شهر تاريخ السود"
حاليا، يعتبر شهر تاريخ السود مناسبة للاحتفال بحياة وإنجازات جميع الأشخاص السود الذين عاشوا وكافحوا في المجتمع الأمريكي أو خارجه من أجل الحرية والحقوق المدنية والمحافظة على تراثهم في بلاد آبائهم وأجدادهم. يرحب هذا الاحتفال أيضا بمشاركة من يريد المساهمة في إبراز تأثير التراث والثقافة السوداء على العالم.
لهذا، ولتعاطفي مع هؤلاء الناس المظلومين، أشارك بهذه المقالة بتقديم نبذة موجزة عن حياة ونشاط الشاعرة الروائية مايا انجيلو وترجمة لقصيدتين من تأليفها هما: "الطير المحبوس في القفص/ Caged Bird" وStill I Rise!/ مع ذلك، فإنّي أنهض!
- نبذة عن حياة الشاعرة مايا أنجيلو
اشتهرت السيدة الأمريكية الأفريقية، مايا أنجيلو، بأنها شخصية متعددة المواهب، فقد كانت في بداية مشوارها مشهورة كمغنية وراقصة وممثلة، ومؤلفة ألحان، وأول مخرجة سينمائية سوداء في هوليوود، لكنها أصبحت لاحقا أكثر شهرة ككاتبة ومحررة مقالات ومسرحيات وشاعرة. كذلك، اشتهرت كناشطة سياسية في مجال الحقوق المدنية، وعملت مع الدكتور مارتن لوثر كينغ جونيور ومالكولم إكس. إضافة إلى هذا، عملت كمعلمة وشغلت منصب أستاذة للدراسات الأمريكية، وفي السياسة العليا، كانت عضوة في لجنتين رئاسيتين في عهد الرئيس جيرالد فورد في عام 1975 وعهد الرئيس جيمي كارتر في عام 1977، وفي عام 2000، حصلت على الميدالية الوطنية للفنون من قبل الرئيس بيل كلينتون.
كانت مايا أنجيلو ثاني شاعرة في التاريخ تَحضُر حفلَ تنصيبٍ رئاسي، حيث قرأت في عام 1993 قصيدة On the Pulse of Morning (عن نبْضِ الصَّباح) في حفل تنصيب الرئيس بيل كلينتون. كذلك، قرأت مايا أنجيلو قصيدة للرئيس جورج دبليو بوش، بعنوان Amazing Peace (سلام مذهل) في حفل إضاءة شجرة عيد الميلاد عام 2005 في البيت الأبيض، وفي عام 2010، حصلت على وسام الحرية الرئاسي، وهو أعلى وسام مدني في الولايات المتحدة، من قبل الرئيس باراك أوباما. إضافة إلى ما سبق، حصلت مايا أنجيلو على أكثر من 50 درجة فخرية قبل وفاتها.
- نموذجان من شعر مايا أنجيلو
فيما يلي قصيدتان للشاعرة مايا انجيلو قمت بترجمتهما من أجل إطلاع القارئ العربي على الطابع العام لمواضيع الشاعرة وأسلوبها في الكتابة.
- القصيدة الأولى: "الطائرُ الحبيسُ في قَفَصٍ/ "Caged Bird
نُشرت هذه القصيدة في مجموعة شعرية للشاعرة عنوانها: "يا شاكر، لماذا لا تغني؟" (1983).
تتحدث القصيدة عن موقفين مختلفين لطائرين: الأول طائر محبوسٌ في قفص ويعاني بسبب احتجازه فيه وكأنه أسير أو سجين، والثاني طائر حُـرٌّ في العيش والتجوُّل في العالم بدون قيود. الطائر الحبيس يغني بسبب واقعه القاسي المؤلم ولأنه يتوق إلى الحرية، بينما الطائر الحر يغني لأنه حر وطليق وله كل ما يريد بهذه الحياة وبهذه المقارنة تعبر مايا أنجيلو عن التناقض بين عالم العبودية والقمع والتمييز الذي يعيشه الإنسان الأسود وعالم الأمل والحرية الذي يعيشه الانسان الأبيض.
فيما يلي القصيدة مترجمة إلى العربية:
//القصيدة الأولى:
"الطائرُ الحبيسُ في قَفَصٍ"
Caged Bird
الطائرُ الحرُّ يَـقـفـزُ
على ظَهـرِ الرّيحِ
ويَعومُ في اتِّجاهِ مَجرى الـنَّهرِ
حتى يَنْتهي التيّارِ
وَيَغـمِسُ جناحَهُ
في أشعَّةِ الشمسِ البُرتقاليةِ
وَيَجرُؤ على المُطالبَةِ بالسَّماء.
*
لكنَّ الطائرَ الذي يُـطاردُ
في أسفلِ قَـفصِه الضيِّق
نادرًا ما يستطيعُ أن يَـرى مِن خِلالِ
قُضبانِ غَـضَبِه
جناحاهُ مـقـصوصان
وقدماهُ مقيَّدتان
لذلك يَـفـتَـحُ حَـلـقَـهُ لـيُـغَـنّي.
*
الطائرُ الحَبيسُ في قَـفـصٍ يُـغـنّي
مَع زَقْـزقَةٍ خائفـةٍ
منِ أشياءٍ غيرِ مَعروفَةٍ
وَمع ذلك، يتوقُ إليها
ونَغْـمتُه مَسموعَةٌ
على الـتَّـلَّةِ البعيدةِ
لأنَّ الطائرَ الحبيسَ
يُغـنّي للحُريَّة.
*
الطائرُ الحُرُّ يُـفكِّـرُ في نسـيمٍ آخَرٍ
والـتِّجارَةُ تَـتـلوّى بنعومةٍ خلالَ الأشجارِ الـمُـتَـنَـهِّـدةِ
والـدّيـدانُ الـسَّـمينةُ تَـنـتـظِـرُ مَـرْجَ فَـجْـرٍ سـاطِعٍ
وَهو يُـسمّـي الـسَّـماءَ باسْمِه.
*
لكنَّ الطائرَ الحبيسَ في قَـفَـصٍ يَـقِـفُ على قَـبْـرِ الأحْـلامِ
ظِـلُّهُ يَـصْرُخُ على زَعـيـقِ كابوسٍ
جناحاهُ مَـقصوصتانِ وقَدماهُ مُـقـيَّـدتان
لذلك، يَـفْـتَـحُ حَـلْـقَـه لِـيُـغَـنّي.
*
الطائرُ الـحَـبيسُ يُـغَـنّـي
معَ زَقـزَقـةٍ خائِفَةٍ
من أشياءٍ غيرِ مَعـروفَةٍ
ومَع ذلِك يتوقُ إليها
وأغْـنيـتُهُ مَسـمـوعَـةُ
على الـتَّـلَّةِ الـبَعيدةِ
لأن الطائرَ الحبيسَ
يُغَـنّـي للحُرِّيَّة.
//القصيدة الثانية:
مَع ذلك، فإنّي أنْهضُ!/ Still, I Rise
تقدم راوية القصيدة باسم الشاعرة سلسلة من التصريحات عن نفسها فهي تُشيد بقوتها وجسدها وقدرتها على النهوض والابتعاد عن ماضيها الشخصي والتاريخي وتعلن في كل مقطوعة أنه لا يوجد شيء يمكن أن يمنعها من النهوض والقيام والصعود والارتقاء، وهي سوف «تنهض» فوق أي شيء أو عمل يسعى إلى إحباطها والسيطرة عليها. تقول الراوية مخاطبة الانسان الأبيض الذي يظلمها ويحاول تحطيمها:
مع ذلك، فإنّي أنْهَضُ!
Still, I Rise!
*
بإمكانِكَ أن تَنْتَقِصَ من مَكانَتي في التّاريخ
بِأكاذيبِكَ المُرَّةِ والمُلتويَةِ،
بإمكانِكَ أن تَدوسَ عَليَّ في التّراب،
وَمَعَ ذلِـك، فإنَّني سَوفَ أنْهضُ، كَالغُـبار!
*
هَـل تُزعِجُكَ وَقاحَتي؟
لِماذا تُحيطُكَ هذهِ الكآبَة؟
لأنَّني أمْشي وَكأنّني وَجَدتُ آبارًا مِن النَّفطِ،
تَضُخُّ في غُرفةِ جُلوسي!
*
تَمامًا كالأقمارِ، وتَماما كالشُّموسِ،
وَبـِيـقـيـنِ الْـمَدِّ وَالجَزْرِ،
وَتَمامًا كَما تَنطلِقُ الآمالُ عاليةً،
فإِنّي سوفَ أنْطَلِق!
*
هَلْ أردْتَ أن تَراني مُحطَّمةً؟
مُنحنِيةَ الرَّأسِ ومُنكَسِرةَ العَينين؟
ساقِطَةَ الكتِـفَينِ كقَطَراتِ الدُّموع،
وقَد أضْعفَتني صَرَخاتي المُفْعمَةُ بالعاطِفَة؟
*
هَل تُغيظُكَ عَجرَفَتي؟
لا تأخُذْها بصورَةٍ قاسيَةٍ جِدًّا
لأنَّني أضْحَكُ وَكأنَّني
وَجَدْتُ مناجِمَ ذَهبٍ مَحفورةً في ساحَتي الخلفيَّة.
*
بإمكانَكَ أن تُطْـلِـقَ كَلِماتِكَ عَـليَّ،
بإمكـانِـكَ أن تَجرَحَني بِعَينَيكَ،
بإمكانِكَ أن تَقتُلَني بِكَراهِيَتِكَ
وَلَكن، مَعَ ذلكَ، سَوفَ أرتفعُ، كَالهواء!!
*
هَل تُزعجُكَ جاذبيَّتي الجِنْسيّة؟
هَل يُفاجئُكَ
أَنَّني أرْقُصُ وكأنَّني مُرَصَّعةٌ بحَبّاتِ ألماسٍ
عِـنْد التِقاءِ فَخذَيَّ؟
مِن قَلبِ أكْواخِ عارِ التّاريخ،
أنهضُ
مِن ماضٍ مُتجِّذرٍ في الأَلَمِ
أَنهضُ
أَنا مُحيطٌ أسْوَدُ، صاخِبٌ وواسعٌ،
أتَدفَّقُ، وَأتَضَخَّمُ، وأَحْمِلُ المَدَّ والجَزْرَ.
تاركَةً خَلْفي لَيالٍ مِن رُعْبٍ وخَوفٍ،
إنّي أنهَضُ
إلى فَجْـرٍ صافٍ بِشَكلٍ عَجيب!
إنّي أنهَضُ
جالبَةً مَعي الهَدايا الّتي أعْطاني إيّاها أجْدادي،
أَنا حُلمُ العَبيدِ وأنا أمَلُهُم!
إنّي أنهضُ
إنّي أنهضُ
إنّي أنهض!
- خاتمة وتوصية
تهدف هذه المقالة، أولا، إلى لفت انتباه القارئ العربي في البلاد بكل أطيافه إلى نشاطات مجتمعات أخرى تعرضت قبلنا للتمييز العنصري وهضم الحقوق المدنية والثقافية والعلمية والحرمان المنظم من الفرص المتساوية من قبل الأكثرية السياسية الحاكمة على أسس عرقية وقومية ودينية لا انسانية، والمجتمع الذي تتحدث عنه المقالة هو مجتمع الأمريكيين السود والأمريكيين البيض الذين استعبدوهم. تُبرزُ المقالة طريقة كفاح السود التي اعتمدت على العمل المنظم والتعاون الوثيق بين القيادات والأفراد والكفاح السلمي والتضحية والصبر والعمل الدؤوب من أجل رفع المعنوية الذاتية وتعزيز الهوية عن طريق التميُّز والتفوق في كل المجالات، وتوحي أيضا أنه بإمكاننا تبني بعض أساليب نضال الأمريكيين الأفارقة من أجل تحقيق إنجازات مماثلة لإنجازات المتميزين والمتفوقين والمتنورين منهم في الولايات المتحدة وغيرها.
ثانيا، تحفيز الأجيال الحالية والقادمة على تبني نهج المؤسسات والنوادي والمراكز والإطارات المنظمة القائمة على المعرفة والخبرة والاختصاص وليس على الانتماءات العائلية والقروية والطائفية والحزبية. من الممكن ان تكون هذه الإطارات مستقلة او مرتبطة بمؤسسات رسمية غير منحازة او سلطات محلية منفتحة على كافة السكان ومستعدة لتقديم ميزانيات لتنظيم نشاطات في كافة المجالات في المراكز الثقافية يشارك فيها المواطنون من كل الأجيال والانتماءات مع التركيز على طلاب المدارس والكليات والجامعات وخريجي المدارس والمعاهد العليا العاملين في البلاد وخارجها.
ثالثا، إحياء ذكرى الأشخاص الذين سبقونا من آبائنا وأجدادنا وأمهاتنا وجداتنا وفتياتنا الطليعيات الذين ساهموا وساهمن في إنتاج إبداعات فكرية وتربوية وأدبية من شعر وقصة وغناء وفنون شعبية عن طريق عقد ندوات وأمسيات أو تخصيص أسبوع أو أسبوعين أو شهر في كل سنة يشترك فيها المختصون والخبراء وعدم تجاهل أو إقصاء مقصود لأحد كان له تأثير على حياة المجتمع سابقا، وإذا نسيناهم فمن سيتذكرهم وكيف نتابع مسيرتنا التقدمية بعدهم وكيف نحافظ على استمراريتنا وهويتنا على هذه الأرض إذا انقطعنا عنهم؟
وأخيرا، صحيح ان هنالك أشخاص كثيرون يقومون بنشاطات وفعاليات متعددة فردية وجماعية في غالبية المدن والقرى عندنا ولكنها غير كافية وتجري على فترات متباعدة وفي مجالات محدودة.
ربما تشكل هذه التوصيات، إذا تم تنفيذها او تنفيذ جزء منها، أو تكثيف وتوسيع القائم منها، مناسبات تساهم في تحسين الجو الاجتماعي والثقافي والسياسي المؤسف الذي وصلنا إليه من تراجع وعنف كلامي وجسدي وتصادم وتناحر وتباعد عن بعضنا في أغلب المجالات...!
الصورة: الشاعرة مايا انجيلو
.png)





.png)




