مَنْ يُحيي العظامْ

A+
A-
صورة تعبيرية (تصوير الاتحاد)

صورة تعبيرية (تصوير الاتحاد)

رميمٌ ... رميمْ

على مداخلِ الصّعوباتِ المشدودةِ بزيفٍ لا يُغفَرُ/ مخارجُ الأصواتِ بلا وجهٍ وبلا ريقْ/ تغارُ الطّبيعةُ منْ نحلِها فتُغير على نحلِها/ حيثُ غاضَ في سراديبِ الغيابِ الرّحيقْ/ تاهَ سلسبيلُ الجفافِ فرانَ وقودُ الخريفِ/ ومنْ نخلِها تغارُ الطّبيعةُ فليسَ في سُعفةٍ منْ بريقْ/ تُغيرُ الطّبيعةُ على نخلِها كذلكَ/ ولا في أيِّ تمرةٍ نوًى منْ نكهةِ الذّكرى/ غدًا يختفي شعاعُ الحياةِ في الأباريقِ النّحاسيّةِ/ بلا نارِ ضيفٍ بلا بنٍّ هالَهُ الهالُ ولا ماضٍ عريقْ/ واليومَ تغدو الخِباءاتُ سوداءَ منْ ظلامٍ كالعباءاتِ سوداءَ منْ فراغٍ/ وفي غدٍ لا أملَ في زنادٍ سيُقدَحُ منْهُ تحتَ وطأةِ اللّيلِ والذّلِّ والنّومِ شرارٌ يفيقْ.

رميمٌ ... رميمْ

غدًا يحتفي في عيونِنا أبو سفيانَ  

وينتشي جَذِلًا ابْنُ مَلْجَمَ   

نشوةً قاتلةً بسُمٍّ زُعافٍ

وطعنةً في صميمِ الصّميمْ

رميمٌ ... رميمْ

كيفَ أضعْنا العروسَ أوْ ربّما ضاعَ منّا العروسْ/ بينَ هودجِ الذّاتِ وجِمالِ القافلةِ/ تأمّلْ حاديَ العيسِ بينَ ظعنٍ تمايلَ ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمالِ/ تمايلَ الظّعنُ ضاعَتْ كرامتُهُ في مقلتيْهِ/ بدَتْ كوسواسِ جنٍّ/ كأضغاثِ حلمٍ مادَتِ الأرضُ بليلٍ عبوسْ/ بينَ الأشقّاءِ منْ أشلاءِ بكرٍ وشتاتِ أفخاذِ تغلبَ حربٌ ضروسْ/ مَنِ الغالبُ يا إلهي بحربٍ لا غالبَ فيها على ناقةٍ للبسوسْ/ وأبكارٍ سبايا انتُهكْنَ تحتَ الرّكامِ/ وبينَ حنايا الهزيمةِ غابَتْ وجوهٌ وطارَتْ تحتَ أنقاضِ مكّةَ رؤوسٌ رؤوسْ/ طُوِيتْ كطيِّ السّجلِّ ولمْ تعدْ مكتوبةً في سجلِّ النّفوسْ/ أضعْنا السّلاحَ استهلكتْهُ الغبارُ تحتَ مدارجِ الاستكانةِ/ سيوفُنا خشبٌ تخشّبَ قمعًا/ شاقَها القهرُ والنّخرُ ومنْ ثَمَّ غدوْنا بلا حقلٍ وضعْنا حتّى نسيَتْنا الفؤوسْ/ نضحكُ وما زالَتْ وجوهُنا مراتعَ للذّلّةِ/ نتثاءبُ نكشُّ الذّبابَ الّذي لا يُكَشُّ/ كاذبًا لم يكنْ كما كنّا نحنُ/ نُظهرُ الحزنَ ونعتمرُ السّوادَ ونبدي الحدادَ الطّويلَ/ على طاولاتِ الشّرابِ نهيمُ ونغفو ومنْ ثَمَّ نصحو تارةً لنديرَ أخرى الكؤوسْ.

رميمٌ ... رميمْ

غدًا نختفي عنْ طريقِ الخرائطِ

بلا سبيلٍ يبلُّ الرّيقَ نغدو

بلا عروسٍ بلا ولدٍ أوْ قطيعٍ

ولا زمانَ يأوي إلّا الموتُ في كهوفِ الرّقيمْ

رميمٌ ... رميمْ

والإشاراتُ حمراءُ بلا نيّةٍ على أخضرَ معْ مرورٍ عقيمْ/ والواقفونَ في شارعٍ للضّبابِ بلا أفقٍ ولا نفقٍ ونورٍ/ والسّائرونَ إلى أينَ يمضي الطّريقُ بهِمْ/ بلا مخرجٍ يتلولبُ ومن ثَمَّ إلى سلّمِ القهقرى/ والشّرُّ منْ حولِنا إلى كلِّ الجهاتِ مسدودةً مستطيرٌ عميمْ/ وليلٌ بلا قمرْ/ بلا سهرٍ بلا فرحٍ بلا سمرْ/ أيُّها الظّلامُ أنتَ سيّدٌ للمواقفِ الخنوعةِ لا تميدُ/ لا جديدَ كلُّ شيء على حالِهِ على بؤسِهِ قديمْ/ أمسى السّباتُ عجينًا في وجدانِنا ما اختمرْ/ سنأكلُ منْ أنقاضِنا منْ جلودِنا منْ قلوبِنا منْ مخابزِ اللّئامْ/ وممّا جادَ عليْنا بهِ المانحونَ "الكرامْ"/ على مائدةٍ افترسَتْ فيها الحروبُ واللّفُّ والدّورانُ السّلامْ/ ونسينا اللّياليَ البيضَ وسهرةً عندَ دارةِ القمرْ/ نسينا أيّامَنا/ نسينا أحلامَنا/ نسينا بدرًا وبدورَ أمجادِنا/ نسينا محمّدًا وحِراءَ والقراءةَ وعِلمَ عليٍّ على كلِّ بوّابةٍ/ ونسينا الفقرَ الشّهيَّ والجوعَ اللّذيذَ الحصى حينَ كانَ يعسُّ أرَقَ اللّيالي عمرْ.

رميمٌ ... رميمْ

دوارُ البحرِ في خليجِنا يدورُ

يرنّحُنا ذاتَ اليمينِ وذاتَ الشّمالِ

وفي محيطِنا تهوي الدّياناتُ كلُّها

والعالَمُ منْ حولِنا سقيمٌ دميمْ

رميمٌ ... رميمْ

تُرى مَنْ يُحيي العظامَ الّتي ابتلاها سوءُ السّبيلْ/ وتاهَتْ بأمشاجِ روحٍ عُراها ولمْ يشفِها منذُ كانَتْ عواءُ العويلْ/ أتوهُ في سبيلِ المسائلِ غيرِ الحتميّةِ الجوابْ/ وانتفاخِ الشّعاراتِ مزيّتةً بكازِ الهزيمةِ المطلقةِ/ ملفوفةً بأوراقٍ هشّةِ الانهيارِ وبرقِ السّرابْ/ أتوهُ بنورِ شعاعِ التّرابْ/ وهلْ أملٌ في التّرابِ العقيمْ/ الّذي استدرجوهُ نحوَ مُنزلقٍ سابعٍ/ منْ دُهاةِ سابعٍ في السّماءِ/ فيا لَلتّحدّي العظيمْ/ لعنةُ شرٍّ مستطيرٍ مقيمْ/ تهونُ إزاءَ لعنتِهِ نارُ قاعِ درْكِ الجحيمْ/ وبينَ دموعِ العتابِ وبينَ قسوةٍ في العقابِ عذابٌ أليمْ/ عذابٌ يغربلُ أضغاثَنا/ نغرّبُ ثمَّ نشرّقُ ثمَّ نغرّبُ ثمَّ نشرّقُ/ ولا نتيجةَ في الجهاتِ بلا بوْصلةٍ إلّا مزيدَ الأحاسيسِ الباهتةِ في مراحلِ الاغترابْ/ أينَ نمضي ونحنُ كأمّيٍّ يحملُ أسفارًا ويمضي بوهمٍ إلى دارِ اقتناءِ الكتابْ/ وقدْ نركبُ الرّيحَ بساطَ خيالٍ حالمينَ نناطحُ فيهِ ناطحاتِ السّحابْ/ ونروحُ إلى حيثُ جئْنا في الذّهابِ/ ويكونُ بخفيِّ الحنينِ المشوّهِ إلى التّرابِ الإيابْ.

رميمٌ ... رميمْ

لا يسمعُ النّاسُ فصلَ الخطابْ

فالفصلُ صعبٌ وأعياهُ الطّريقُ الذّليلْ

وشقَّ المنالُ على مَنْ سهُلَ الهوانُ عليْهِ

ورأى في المذلّةِ نعيمًا مقيمْ

رميمٌ ... رميمْ

هلْ ظلَّ شيءٌ كانَ بالأمسِ على ما يرامْ/ الكوابيسُ الحربيّةُ احتلَّتْ كلَّ جمالِ الرّؤى وعبَقَ السّلامْ/ هلْ يبيضُ بعدَ أنْ غيّبَ العقمُ الدّيوكَ الحمامْ/ هلْ تلدُ الصّخرةُ أمْ تتئمُ الفتاوى/ ستطحنُنا الحربُ تحتَ الرّحى عركَ الثّفالِ/ سنبقى عويلًا تحتَ وطأةِ الهمومِ الثّقالِ/ بلا فعلٍ بلا تفاعلٍ بلا انفعالِ/ لنْ نقوى إلّا على الأكاذيبِ وأمرِ المُضحكاتِ الطّوالِ/ والخطاباتِ المُبكياتِ المجوّفةِ وتبريرِ ذريعةِ الافتعالِ/ نحنُ أهلُ ذمّةِ التّاريخِ الحديثِ وأقلُّ شأنًا ويكذبُ المسلمونَ/ ستأبى لكرامةٍ فيها أنْ تدوسَنا قيعانُ النّعالِ/ بفعلِ التّشرذمِ والتّفسّخِ والانفصالِ/ سنوصَمُ بعلامةٍ صفراءَ بينَ الكوفيّةِ البيضاءِ وانهزامِ قصبِ العقالِ/ سنعوي بينَ مضاربِ بني كليبٍ وبينَ عشائرِ أطلالِ حمْيرَ/ وسنشحجُ بينَ عواءِ الكلابِ ونهيقِ الحميرِ شحيجَ البغالِ/ هلْ يضرُّ الأسودَ الضّواريَ إذا أدبرَتْ أو أقبلَتْ منْ أحدْ/ ومَنْ قرَنَ حزنَ الأسودِ ببولِ الحميرِ وبيضِ الحمامِ فوقَ الوتدْ/ سنبقى حيارى لا شيءَ فينا لا قولَ لسانٍ ولا فعلَ يدْ/ سنبقى أسارى الحطبِ وفي جيدِنا لهبٌ أو رسَنٌ منْ مسدْ.

رميمٌ ... رميمْ

لا منّا مَنْ زرعَ ولا منّا مَنْ حصدْ

ولنْ نذروَ شيئًا ستذرونا الرّياحُ

في كلِّ مكانٍ كنَّا زؤانًا

أوْ بقايا هشيمْ

رميمٌ ... رميمْ

المحطّةُ الأولى فيها يختمرُ عجينٌ قرّر أنْ يمضيَ قدُمًا/ ليصبحَ خبزًا منفصلًا عنْ كلِّ غبارِ الأشياءْ/ وقطارٌ يخرجُ منْ مدرجِهِ ويعدو منسابًا كالأفعى الرّقطاءْ/ حملَ الآخرُ كلَّ غبارِ الدّنيا وبضعةَ أرغفةٍ في طورِ التّكوينِ/ ويخادعُ أنّهُ يحملُ في منقوعِ السّمِّ الأرقطِ غذاءً ودواءْ/ يتمسّكُ بحديدِ البصرِ سرابًا وحديدِ السّكّةِ كأسيرٍ أثقلَ ساقيْهِ القيدْ/ آهٍ كمْ يؤلمُنا القيدْ/ أوْ آهٍ كم يتألّمُ في أيدينا هذا القيدْ/ وكلُّ بنادقِنا صارَتْ في أعلى الحالاتِ فلّينًا صدِئًا للصّيدْ/ نبتاعُ رصاصًا منْ أعداءَ سنقتلُهُمْ/ ويلاهُ كيفَ يبيعونَ لنا وإنْ باعوا سيبيعونَ أسلحةً تطلقُ للخلفِ/ سخريةٌ كبرى كأعمى الإغريقِ نسيرُ في دربٍ مقلوبٍ/ سنموتُ بزنادِ أصابعِنا ونحنُ في هذي الحالِ الرّثّةِ/ ربّاهُ يثقلُنا القيدُ الأعمى أمْ نثقلُ نحنُ العميانَ على وجعِ القيدْ.

رميمٌ ... رميمْ

تركبُنا أنقاضُ الماضي

تهربُ منّا الأيّامُ وتخجل منّا

هلْ نحنُ صُلبٌ عاقرٌ

أمْ جوفٌ رخوٌ عقيمْ

رميمٌ ... رميمْ

رميمٌ ... رميمْ/ وكلُّ اعوجاجٍ على حالِهِ بلْ تمادى مقيمْ/ متى أيُّها الدّربُ يا ساريةَ النّورِ متى نستقيمْ/ كيفَ نولدُ من جديدٍ ونحنُ نعيشُ في خواءٍ سقيمْ/ كيفَ سنولدُ منْ جلمودِ فراغٍ عقيمْ/ ونمضي نحوَ الرّبيعِ بعدَ خريفٍ اصفرَّ كثيرًا هذا الخريفُ ومنْ كلِّ اخضرارٍ عديمْ/ ولا جديدَ يثوبُ إلى رشدِهِ/ ولا العاشقُ يهوى ترابَ اللّقاءِ القديمْ/ إلى متى يحجبُنا عنِ السّناءِ غبارٌ دخانٌ سديمْ/ هشيمٌ مقيمْ/ رميمٌ عقيمٌ دميمْ/ سقيمًا كانَ كهفُ الرّقيمْ/ وطعنةً نجلاءَ كانَتْ في صميمِ الصّميمْ.

رميمٌ ... رميمْ

هلْ منْ أملْ

أمْ كلُّ نقصٍ فينا اكتملْ

أمْ ... إذنْ ما العملْ

وسطَ هذا الغبارِ السّديمْ

رميم ... رميمْ

في المحطّةِ الأخيرةِ هلْ يستطيعُ القطارُ الّذي اهترأتْ أحشاؤُهُ أنْ يقومْ/ هلْ سيحيا الرّميمْ أوْ ربّما قدْ يدومْ / هلْ سيُحيي العِظامَ الإلهُ العظيمْ/ أمْ لا يغيّرُ اللهُ ما بقومٍ حتّى يعودوا عنْ خريفِ الشّحوبِ والاصفرارْ/ عنِ الرّبيعِ القبيحِ المزيّفِ إلى ربيعٍ يسيرُ على دربِهِ الأخضرِ المستقيمْ/ ونبني أحلامَنا السّماويّةَ الحميميّةَ على أرضِنا فوقَ التّرابِ الحقيقيِّ الحبيبِ الحميمْ/ سنزرعُ زيتونَنا/ سنحصدُ قمحَنا/ سنأكلُ منْ خبزِنا منْ زيتِنا لقمةَ عيشٍ كريمْ/ سنعصر عرقَ ليالٍ طوالٍ عصيرًا منْ عروقِ الكروم.

رميمٌ ... رميمْ

سيقاتلُنا هباءُ الهواءِ ووهمُ الطّواحينِ

فانتصبْ يا دونكيشوتَ الخيالِ

تقلّدْ الآنَ يا تايرسياسُ سيفَ بصيرتِكَ الثّاقبةِ

كيْ ترى بعدَ العمى والعقابِ مواسمَ قمحٍ وحبٍّ

سنأكلُ في آخرِ الدّربِ بعدَ جسرٍ منْ التّعبِ

أبا تمّامَ سنظفرُ براحةٍ كبرى

وخيرٍ عميمٍ ... عميمْ

قد يهمّكم أيضا..
featured

علم سوريا هو علم السويداء

featured
د. رياض كاملد
د. رياض كامل
·2026-01-23 12:20:13

الذاكرة والتخييل في رواية "عين الزيتون".

featured

هل سُلوك الإنسان وليد فكره؟

featured
علي هيبيع
علي هيبي
·2026-01-23 11:51:52

مَنْ يُحيي العظامْ

featured

إغاثة غزّة أولًا… قبل أحلام كوشنير وغزّة الذكاء الاصطناعي

featured
د. نزيه قسيسد
د. نزيه قسيس
·2026-01-23 09:59:03

الْـبَـلْـطَـجـي!

featured
د. نبيه القاسمد
د. نبيه القاسم
·2026-01-23 09:46:30

رواية كوليت سهيل خوري التي أهملها النّقاد: "كيان"

featured
توفيق كناعنةت
توفيق كناعنة
·2026-01-23 10:43:36

الأوطان ليست للبيع