بينما تُعرض على الشاشات صور لغزّة جديدة، مُلمَّعة، مُعاد تشكيلها بالذكاء الاصطناعي، يعيش أهل غزّة الحقيقيّة في واحدة من أقسى لحظات التاريخ الإنساني المعاصر.
غزّة التي نراها اليوم ليست مشروعًا مستقبليًا، ولا مساحة لتجارب تكنولوجيّة، بل مدينة منكوبة، مدمَّرة، محاصَرة، وأهلها يُصارعون للبقاء على قيد الحياة.
غزّة الآن لا تحتاج إلى رؤى استثماريّة، ولا إلى تصاميم ثلاثيّة الأبعاد، ولا إلى وعود مؤجَّلة باسم "اليوم التالي".
غزّة تحتاج إغاثة فوريّة، شاملة، غير مشروطة.
تحتاج فعلًا سياسيًا وأخلاقيًا، لا خيالًا تقنيًا.
قبل أن نحلم بغزّة التي يعرضها جاريد كوشنير، علينا أن نواجه غزّة التي على الأرض:
مدينة من رماد، بُنيتها التحتيّة مدمَّرة، مستشفياتها خارجة عن الخدمة، مدارسها وجامعاتها إمّا سُوّيت بالأرض أو تحوّلت إلى مراكز إيواء تفتقر لأبسط مقوّمات الحياة.
أطفال يموتون من البرد والجوع والقصف، ونساء يُنجبن بلا رعاية صحيّة، ومرضى يُتركون لمصيرهم بسبب نقص الدواء والكهرباء.
أي حديث عن “إعادة إعمار” أو “نهضة اقتصاديّة” بينما الحصار قائم، والاحتلال مستمر، هو حديث منفصل عن الواقع.
فلا إعمار تحت القصف، ولا حياة بلا حرّية، ولا مستقبل لشعب يُحاصر برًّا وبحرًا وجوًّا.
إغاثة غزّة اليوم ليست مسألة تقنيّة، بل مسألة إرادة سياسيّة.
وهي تبدأ بخطوات واضحة لا تحتمل التأجيل:
أولًا: وقف فوري وحقيقي لإطلاق النار، لا هدنة هشّة تُستباح عند أول قرار عسكري.
ثانيًا: فتح المعابر بشكل كامل ودائم، لإدخال الغذاء، الدواء، الوقود، والمستلزمات الطبيّة دون قيود أو ابتزاز سياسي.
ثالثًا: حماية المدنيّين وفق القانون الدولي، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم المرتكبة بحقّهم.
رابعًا: إعادة تشغيل المستشفيات، دعم الطواقم الطبيّة، وإنشاء ممرّات إنسانيّة آمنة.
خامسًا: ضمان حقّ التعليم، ولو بالحدّ الأدنى، كي لا يُحكم على جيل كامل بالضياع.
الذكاء الاصطناعي قد يُنتج صورًا لمدينة مثاليّة، لكنه لا يستطيع أن يُخفي الحقيقة:
أن غزّة اليوم سجن كبير، وأن الاحتلال هو أصل المأساة، وأن أي حلّ يتجاوز هذه الحقيقة ليس حلًا، بل هروب أخلاقي وسياسي.
حين تُعرض صور غزّة “المستقبليّة”، يجب أن يُطرح السؤال بوضوح:
أي غزّة هذه؟
وأين أهلها؟
وهل يُراد إنقاذ البشر، أم فقط إعادة تشكيل المكان بعد إفراغه من سكّانه؟
غزّة لا تطلب الشفقة، ولا تنتظر صورًا جميلة لتسكين الضمائر.
غزّة تطلب العدالة، والحرّية، والحقّ في الحياة بكرامة.
وتطلب من العالم أن يرى الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يُصمَّم على الشاشات.
قبل أن نحلم بغزّة الغد، علينا أن ننقذ غزّة اليوم.
فالمدن لا تُبنى بالذكاء الاصطناعي،
بل تُبنى حين يُنقَذ الإنسان.
.png)








.png)

.png)
