خلال كل حياتي على هذه الأرض لم أرَ ولم أسمع عن حاكم في العالم يتمتع بمثل هذه الصلافة والوقاحة التي يتمتع بها حكام الولايات المتحدة الأمريكية، خاصة الرئيس الحالي ترامب، والذي تفوق عليهم جميعًا بفجاجة التفكير والتمادي على الآخرين، وفي الوقت نفسه يسمي نفسه رجل سلام، وهو في الواقع بعيد كل البعد عن هذه الصفة الحسنة، التي يحاول تشويهها، بعد السماء عن الأرض. أي رجل سلام هذا؟! فقد وصل به الأمر إلى التمادي على حلفائه.
إن الذي يشعل الحروب ويعتدي على الدول الأخرى ويعمل على سلب خيراتها من شعوبها، فهو بالواقع يتصرف كاللصوص وقطاع الطرق في وضح النهار، ولا يستحي بمثل هذه المهنة ويعلنها على رؤوس الأشهاد وبوقاحة مبالغ فيها. وإلا ماذا يعني التباهي باختطاف رئيس دولة مستقلة مع زوجته من داخل حدود بلاده ويريد محاكمته داخل الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك يقوم بتهديد عدد من الدول في أمريكا اللاتينية، بالإضافة إلى اعتدائه على دولة حليفة له في الناتو، والتي هي الدنمارك، حيث يريد السيطرة على جزيرة غرينلاند التابعة لها، والتي هي غنية بمختلف المعادن الثمينة. أليست هذه شريعة الغاب؟! فأصحاب هذه الأرض يقولون وبالفم الملآن وبكل وضوح بأن هذه الأرض ليست للبيع ولا نريد أي إنسان وصيًّا علينا، نحن فقط الأوصياء على أنفسنا! ومن أنت حتى تكون وصيًّا على الآخرين؟
وها نحن نراه اليوم مع حليفه نتنياهو يهددان إيران ويوصلان العالم إلى حافة حرب شاملة لا تُحمد عقباها، لولا التحذيرات الجدية التي أطلقتها مجموعة من الدول في العالم، وبضمنها دول حليفة لأمريكا، وفي أراضيها قواعد عسكرية أمريكية مثل تركيا والسعودية ودول الخليج، وكذلك روسيا والصين التي قالت إننا لن نسمح بعودة قانون الغاب لهذا العالم.
صحيح أن هناك في إيران مظاهرات عادلة خرجت تطالب بحقوق مشروعة في داخل وطنها، لكن "إنت شو عاصص على ذيلك" لتتدخل بإيران البعيدة آلاف الكيلومترات عن أمريكا؟! ومن يصدق ادعاءك بأن قلبك محروق على القتلى هناك – وأنا ضد القتل أينما كان وضد كل عمل إجرامي يُرتكب بحق أي شعب أو أي إنسان في هذا العالم.
لكن أنت يا حضرة الرئيس لست صادقًا بأنك تريد إنقاذ الأرواح، والولايات المتحدة كل تاريخها مليء بإزهاق الأرواح في العديد من دول العالم: من نهاية الحرب العالمية الثانية واستعمال القنبلة الذرية ضد اليابان وقتل مئات الآلاف من الضحايا، وكذلك في الفيتنام وكوريا وكمبوديا وأفغانستان والعراق وليبيا وسوريا، "وشو بدي أعد حتى أعد" من الإجرام الذي ارتكب بحق شعوب العالم.
يا حضرة الرئيس لو كنت صادقًا بأن دماء البشر تهمك لكنت فكرت بأطفال غزة ونساء وأهالي غزة، لكنك تركت الحبل على غاربه لحكام إسرائيل للاستمرار بالقتل والتدمير، على الرغم من سقوط أكثر من خمسة وسبعين ألفًا من الضحايا من الأطفال والنساء والشيوخ، وأكثر من مائتي ألف مصاب من أبناء غزة. هل كل هؤلاء حماس؟! هل المدارس والجامعات تم هدمها لأنها "حماس"؟ أم انتقامًا من الشعب الفلسطيني كله من أجل ترحيله عن وطنه لأن نتنياهو يريد إقامة "إسرائيل الكبرى"؟!
الواقع بأن هناك تجاهلًا تامًا لما يجري في غزة، بل أكثر من ذلك أعلنتم عن اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة تحت رعايتك يا حضرة الرئيس، فهل وقف إطلاق النار يومًا واحدًا؟!
أنت يا حضرة الرئيس فكرت فقط في تهجير أهالي غزة وإقامة "الريفييرا" التي تحلم بها، حيث إنك تفكر فقط بجيبك وليس بالبشر، أي أنك تفكر كتاجر، وحتى كتاجر فاشل، لأن أصحاب الوطن يفهمون ويقدرون الوطن وما يعنيه لهم. لذلك أقترح عليك أن تذهب إلى غزة لكي يعلموك معنى الوطن وماذا يعني أن الوطن هو الكرامة والحضارة والتاريخ في الوقت نفسه، وهو لا يُثمَّن بمال. وها هم أهالي غزة متشبثون بوطنهم الذي ليس لديهم وطن سواه، بالرغم من كل المجازر التي ارتكبت بحقهم. وها أنت ترى وتسمع عن اعتداءات المستوطنين على السكان الأصليين في القدس والضفة الغربية، وعن أعمال نهب الأرض والحلال، وكل هذا ولم يهتز لك حتى جفن.
هكذا هم المستعمرون يكيلون بمكيالين في كل تصرفاتهم لأنهم لم ولن يعرفوا قط معنى العدالة. هكذا كان وما زال تاريخكم دائمًا عدوانيًّا ضد الشعوب جمعاء.
عرابة البطوف






.png)

.png)

.png)
