ما الذي يحدث فعلاً الآن في لبنان، وكيف يمكن تفسير تزايد هجمات الجيش الإسرائيلي هناك؟ سنحاول أن نرتب الأمور ونفهم الاتجاهات التي تُشكّل الأحجية اللبنانية.
أولاً، قيادة لبنان بالفعل توفر فرصة تاريخية لإسرائيل. الرئيس جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام هما بالفعل شخصيات تاريخية. إنهما أول من يصرّح علناً برغبتهما في تفكيك حزب الله من سلاحه. إنهما يدفعان الجيش اللبناني لتقديم خطة عملية للتنفيذ. هذا يحدث كثيراً بفضل ضعف حزب الله، الناتج عن إنجازات الجيش الإسرائيلي. ومع ذلك، فوق هذه الرغبة يطفو التهديد الحقيقي على وجود لبنان. هذا تهديد خطير، وتُحدد وفقه كل أنشطة الدولة — والمقصود بالطبع هو الحرب الأهلية. فهي الصدمة التاريخية التي دمّرت لبنان من أساسه لرأسه، المأساة التي تبعد تحقيق وتؤجل أي خطوة مهما بلغ خطرها، حتى لو كان غير محتمل على الإطلاق. لذلك نلاحظ تصريحات مثيرة للإعجاب وصِفراً من الأفعال على الأرض. فكل احتكاك مع حزب الله يُعتبر خطراً استراتيجياً. إذن نعم، هناك خطة لتفكيك سلاح حزب الله، لكنها لم تُقر أبداً من قبل حكومة لبنان. وصحيح، توجد تصريحات — لكن لا توجد احتكاكات حقيقية مع حزب الله على الأرض.
الزاوية الثانية هي إيران وحزب الله. من وجهة نظر إيران، فشل حزب الله هو فقط نقطة الانطلاق لبنائه من جديد بشكل أفضل. ليس هناك أية نية للتنازل عن التنظيم. حقيقة أن سوريا لم تعد الجسر البري إلى لبنان، وأنه بالنسبة لإيران هناك نظام معادٍ في دمشق الآن، هي تحدٍّ ينبغي معالجته من وجهة نظرهم. ومع ذلك — سوريا ليست عقبة لا يمكن تجاوزها. حزب الله في جوهره هو تنظيم مقاومة. غاية وجوده هي الصراع. فكرة أنه يمكن أن يوجد حزب الله من دون سلاح هي تناقض داخلي — مفارقة مستحيلة. ولذلك، هناك جهد إيراني لإعادة تأهيله وبنائه من جديد. أول ما يتم عمله الآن هو تحويل الأموال، ودفع الرواتب، ومحاولة تجديد البنية التحتية لحزب الله على الأرض.
الزاوية الثالثة هي الأمريكية: من وجهة نظر ترامب، يمكن تحقيق سلام بين إسرائيل ولبنان. بالنسبة له، اليونيفيل هي إهدار للمال، ولذلك سيُفكَّك. الولايات المتحدة ستكون منخرطة مباشرة في تفكيك حزب الله، ولكن من دون إنزال جنود على الأرض. من وجهة نظر ترامب، التصريحات الإيجابية لرئيس لبنان كافية للإعلان عن إنجاز كبير. وهنا تكمن الخطورة: أمريكا تُعلن، من دون أفعال، وفي المقابل إيران تعمل من دون كلام.
من وجهة نظر إسرائيل، لقد تحقق الحسم في لبنان. التهديد الكبير أُزيل. الوضع الحالي، المتمثل في تحسين الدفاع عن بلدات الشمال، مع العمل المستمر لمنع إعادة بناء حزب الله، أمر كافٍ في هذه المرحلة. لا توجد أي رغبة أو إلحاح للتقدم أبعد من ذلك في المستوى الدبلوماسي. المشكلة هي أن هذا يتماشى تماماً مع الجدول الزمني الإيراني — فهم أيضاً يحتاجون إلى وقت، ويجب ألا نخدع أنفسنا بأن الضربات المتفرقة ستمنع تعاظم جيش إرهابي. لقد تعلمنا بالفعل أن هذا لا ينجح.
في الخلاصة، من دون عمل فعلي — سيمر الوقت، والكذبة اللبنانية ستتلاشى أمام الواقع. سيعود النظام السابق، الذي فيه حزب الله مسلح، لكنه لا يُسقط حكومة لبنان، وبقية الطوائف تعيش في توازن من خلال ترتيبات تحت الطاولة، من دون حكومة فاعلة. ذلك "النظام" سيعود ليكون الكذبة التي تنظّم لبنان، والفرصة التاريخية لتغيير الواقع ستضيع إلى الأبد.
إذن، ما الذي يجب فعله؟
أولاً، عدم الخوف من وضع هدف بعيد المدى للسلام مع لبنان. صحيح أن هذا يبدو الآن ساذجاً بعض الشيء، لكن يجب وضع هذه الرؤية لبناء الاستراتيجية التي تحققها.
ثانياً، يجب استغلال دافعية ترامب والمطالبة بعمل فعلي. أولاً وقبل كل شيء، من الجدير طرد قائد قوة القدس في لبنان، طبطبائي. هذا الرجل يجلس بأمان في بيروت، ويُعيد بناء حزب الله. بعد ذلك، يجب تحفيز الجيش اللبناني على القيام باحتكاك مع حزب الله. حتى لو كان احتكاكاً طفيفاً، فذلك سيُعزز مكانة، وكرامة، وسلطة الجيش اللبناني وحكومة لبنان. وأخيراً، طالما أن الأمور لا تتغير، يجب مواصلة هجمات الجيش الإسرائيلي — ولكن يجب ألا نعتبرها الحل.
الاستراتيجية الإسرائيلية على المدى الطويل يجب أن تكون مختلفة. هذه الهجمات هي فقط وسيلة مؤقتة في غياب تلك السياسة الأمريكية-الإسرائيلية طويلة الأمد. يجب ألا نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن ذلك سيمنع تجدد قوة حزب الله. يجب الافتراض أن أشياء كثيرة تحدث تحت أنوفنا، من دون قدرة على فرض سيطرة من جانبنا. فقط مزيج من رؤية سياسية تُكمل النشاط العسكري الجيد، بالشراكة مع الولايات المتحدة، سيؤدي إلى واقع أمني مستقر على المدى الطويل.
كاتب المقال المنشور في "N12" اللواء (احتياط) تمير هايمن، هو رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق وقائد الفيلق الشمالي السابق. ويرأس اليوم معهد دراسات الأمن القومي (INSS).





.png)




