إستماتة جيش الظلال الثقافي، واعني الأدوات العربية للرواية الصهيونية، في خلق رواية موازية للنكبة، تستدعي أكثر من وقفة وأكثر من مساءلة. ونلحظ أن مراكز الأبحاث الصهيونية تسعى مؤخرا بالتوازي مع مركز برهان غليون وعزمي بشارة في الدوحة، ومن خلال "جنود" عزمي ومستكتَبيه في الداخل الفلسطيني، إلى إعادة صياغة تاريخ النكبة بمقاسات صهيونية ورجعية عربية، تطهّر الى حد كبير الصهيونية نفسها، وتقدم براءة للرجعية العربية من الدم الفلسطيني، وتغضّ الطرف عن الفعل الاستعماري البريطاني لفلسطين على مدار عقود، كفعل مؤسس لإنشاء الكيان الصهيوني الغاصب، وتذهب الى إدانة القوى الثورية التي ناضلت وجابهت المشروع الصهيوني بكل ما أوتيت من قوة. 
لقد تطرقتُ سابقا لافتراءات عادل مناع بحق عصبة التحرر الوطني، ومحاولته المكشوفة لإعادة صياغة النكبة والرواية الفلسطينية، بما يخدم استكمال المشروع الصهيوني في تشويه الوعي الفلسطيني، وأنسنة الرواية الصهيونية، وتبرير حلفها الدنس مع الرجعية العربية وقوى الاستعمار العالمي. ويبدو ان المحارب المناوب محمود محارب، أخذ على عاتقه شقا أخرا في تطهير وتلميع الرواية الصهيونية وتشويه الرواية الفلسطينية. فتارة يتحدث عن "دور مشهود لروسيا في نكبة فلسطين"، وأخرى عن "دور الحزب الشيوعي في النكبة"، وبذاءات لا تعدو كونها جملة من التلفيقات وعرض تزويري لحقائق التاريخ بهدف الوصول الى استنتاجات تتناغم مع الرواية الصهيونية. وكذلك، محاولة لخلق الانطباع وكأن قبول قرار التقسيم هو قبول بالمشروع الصهيوني، وترهات لا يمكن ان تندرج إلاّ في إطار بؤس الوعي، إذ تفوح منها رائحة الشعاراتية والنصوص المشبوهة ومدفوعة الثمن.
لا ينكر الحزب الشيوعي أن هناك موروثين في تاريخ الحركة الشيوعية في فلسطين، وكثيرا ما وصل هذان المورثان الى حد التصادم، فانشقاق عام 1943 وبروز تنظيم جديد باسم "عصبة التحرر الوطني"، هو فقط شكل مبكر لهذا التصادم، وبات واضحا التباين الحاد بين الشيوعيين العرب وبين الشيوعيين من المهاجرين اليهود. وكان للنكبة وتشتت أعضاء عصبة التحرر الأثر الأكبر في إعادة توحيد الحزب، لكن وبشكل قاطع لم يؤدّ توحيد الصفوف الى وحدة الرأي ووحدة الموقف، وتجلى التصادم بين الموروثين بشكل أعمق عام 1965 بل واخذ طابعا تطهيرياً، اذ سرعان ما أدى الانقسام الى ذوبان مجموعة ميكونس وسنيه داخل الإجماع القومي الصهيوني.

 

إن قراءة قرار التقسيم بمعزل عن الموروث الاستعماري في فلسطين وظروف انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخلق الانطباع وكأن تأييد القرار يعني تأييد المشروع الصهيوني، هي قراءة مبتورة وخبيثة تقود بالضرورة الى استنتاجات خاطئة تماما ترمي بالمحصلة الى إدانة الرواية الوطنية الفلسطينية، وتطهير الرواية الصهيونية وحلفها الدنس مع الرجعية العربية.
 

*ثلاث وثائق تاريخية لعصبة التحرر الوطني

 

سأتوقف مرة أخرى عند ثلاث وثائق تاريخية لعصبة التحرر الوطني، تجاهلها المحارب المناوب محمود محارب عن سبق إصرار وترصد بهدف تشويه التاريخ النضالي للشيوعيين، وإضفاء صبغة إنسانية على الرواية الصهيونية.
الوثيقة الأولى: العقدة الفلسطينية والطريق الى حلها - 1945/10/10 حيفا درج الموارنة 16 (طرح الدولة الديمقراطية المستقلة لسكان فلسطين جميعا)
وهي بمثابة رسالة الى حكومة حزب العمال البريطاني المنتخبة حديثا، واعتمدت بالأساس على برنامج عصبة التحرر الوطني الذي أرسته غداة تشكلها عام 1943. واهم ما جاء فيها طرح الدولة الديمقراطية المستقلة لسكان فلسطين جميعا، عربا ويهودا بخلاف ما روجت له الصهيونية، وكأن الدولة الديمقراطية هي وصفة جاهزة لمذبحة يهودية ثانية، وهي الرواية التي استساغها الانتداب البريطاني، لهدف حرمان الشعب الفلسطيني من ممارسة حقه بالاستقلال وتقرير المصير.
لقد اعتبرت العصبة في هذه الو ثيقة ان حل الدولة الديمقراطية المستقلة، هو الحل الواقعي الأمثل في تلك الظروف المتشكلة غداة انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتشكل مجتمع يهودي قوامه 700 الف انسان الى جانب مجتمع عربي قوامه مليون و200 الف انسان. ففي الوقت الذي كانت نذر التقسيم تلوح في الأفق، انطلقت رؤية العصبة من الأوضاع القائمة في فلسطين رفضا للمطالب غير الواقعية لبعض الوطنيين العرب، وسدًا للطريق على المشروع الصهيوني من جهة أخرى، وفي واقع الأمر هي محاولة لسد الطريق على مشاريع التقسيم.
وجاء في الرسالة: "نختط سياسة تؤمن الحقوق الوطنية للشعب العربي في فلسطين، وفي الوقت نفسه تؤمن الحقوق المدنية والحريات الديمقراطية للسكان اليهود في فلسطين، هذه الحقوق وتلك الحريات التي لا تتعارض أبداً مع أماني الشعب العربي القومية. واننا بذلك نعترف بحق السكان اليهود في ان يصلوا الى كل حق وطني شرعي عادل وصل اليه اليهود في أي بلد ديمقراطي آخر".
وبذلك ارادت العصبة ليس فقط تفنيد مزاعم الصهيونية عن مذبحة يهودية ثانية من خلال الدولة الديمقراطية، وانما ارادت سحب البساط من تحت ما زرعه الاستعمار البريطاني من وقود لاستمرار النزاع الدموي بين العرب واليهود، وسعي صادق وحثيث لممارسة الاستقلال الوطني وتقرير المصير بعيدا عن خدمة المشاريع الاستعمارية البريطانية والامريكية في المنطقة.
 

*الوثيقة الثانية: طريق فلسطين الى الحرية (مذكرة مرفوعة الى الأمم المتحدة)

 

أقرت دورة الجمعية العامة من نيسان 1947 إرسال لجنة تحقيق الى فلسطين، (عقدت لجنة التحقيق جلساتها في القدس – تموز 1947) وتحت الضغط وجو المقاطعة الفلسطيني للجنة والحرص على عدم شق الصف العربي، اكتفت العصبة برفع المذكرة الى الأمم المتحدة وعدم المثول أمام اللجنة. تشكلت اللجنة من 11 دولة على الأقل منها ثلاث دول صديقة ومناصرة للحق الفلسطيني منها الهند ويوغسلافيا، ما دفع العصبة الى نصيحة الهيئة العربية العليا بعدم تفويت الفرصة والمثول أمام اللجنة.
بالإضافة الى المسح الشامل لثلاثين عاما من الاستعمار البريطاني لفلسطين الذي استعرضته المذكرة، محددة أسباب التخلف بالفعل الاستعماري، رفضت العصبة مرة أخرى طروحات الصهيونية ومشاريع التقسيم ورأت الحل بالدولة الديمقراطية المستقلة.
لجنة التحقيق واصلت عملها بدون الجانب العربي، التقت الوكالة اليهودية التي دعت الى التقسيم، والتقت الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي تقاطعت طروحاته مع طرح عصبة التحرر برفض التقسيم ومطلب حل الدولة الديمقراطية. ويمكن الإشارة هنا الى رد ماير فلنر كعضو في وفد الحزب الشيوعي الفلسطيني على استفسارات المندوب الهندي بضرورة "الاعتراف بحق الشعبين في الاستقلال في فلسطين الديمقراطية الحرة الواحدة، على قاعدة مبدأ المساواة الكاملة في الحقوق المدنية، والقومية والسياسية".
رغم الاختلافات وانعكاس مسببات الانشقاق عام 43  بين طرح العصبة الداعي الى دولة ديمقراطية مستقلة، وطرح الحزب الشيوعي الفلسطيني الذي يحمل عناصر دولة ثنائية القومية، الا ان طرح الحزبين يلتقيان في رفض المشروع الصهيوني، وفي ضرورة الاستقلال وتقرير المصير ووحدة البلد بعيدا عن مشاريع الاستعمار لضرب وحدة شعوب المنطقة العربية وتفتيتها.
 

 

*الوثيقة الثالثة: لماذا يجب ان نناضل في سبيل الدولة العربية الديمقراطية، وفقا لقرار التقسيم– أيلول 1948
هذه الوثيقة (المعروفة بوثيقة توفيق طوبي) هي واقعا محاولة أخيرة لإنقاذ الشعب الفلسطيني الذي بات يعاني التشريد واللجوء واحتلال لمناطق منحها القرار للدولة العربية.

 

تأتي هذه الوثيقة ليس فقط بعد قيام دولة إسرائيل وتوسعها في حدود الدولة العربية المقترحة بموجب قرار التقسيم، وانما تأتي ايضا بعد كونغرس العصبة الذي انعقد في الناصرة في شباط 1948 واتخذ قرار القبول بقرار التقسيم، وهي نقلة حادة في موقف العصبة الذي نادى حتى شباط من عام 48 بالدولة الديمقراطية الواحدة. ويذكر ان العصبة أصدرت في الخامس من أيلول عام 47 بيانا رفضت فيه توصيات لجنة التحقيق وكذلك ميل الموقف السوفييتي للتقسيم، وجاء البيان قاطعا بالقول: "عصبة التحرر الوطني ترفض التقسيم إجماعا ولا تناقش في هذا الرفض". وهذا يشير الى حقيقة أن العصبة قبلت بقرار التقسيم كنتيجة لقراءة موضوعية للظروف وليس خضوعا لإملاءات كما تدعي بعض "الأبحاث".
لا شك ان النكبة شتتت العصبة تماما كما تشتت الشعب الفلسطيني، وأضحت ثلاث مجموعات أساسية وهي: أولا من بقي داخل ما عرف بإسرائيل لاحقا، وتوحدت صفوفهم في اكتوبر 1948 مع الحزب الشيوعي الفلسطيني – عرف لاحقا باسم الحزب الشيوعي الاسرائيلي. والمجموعة الثانية من بقي في الضفة الغربية وتوحدت عام 1950 مع الحزب الشيوعي الأردني. والمجموعة الثالثة من بقي في قطاع غزة وحملت منذ 1953 اسم الحزب الشيوعي الفلسطيني.
ومع قلة عدد أفراد العصبة الباقين ومحاولات التضييق عليهم وملاحقتهم، كانت وثيقة توفيق طوبي صادمة للمشروع الصهيوني بنفس القدر الذي كانت به صادمة للرجعية العربية الخائنة. فقد جاءت على درجة كبيرة من الشجاعة والوضوح بالقول: "لقد أصبح الطريق الصحيح في سبيل النضال من أجل الاستقلال والحرية هو الاعتراف بحق كلتا القوميتين، العربية واليهودية، في تقرير مصيرهما الى درجة الانفصال وتأليف الدولة المستقلة، أما مصلحة هاتين القوميتين في الوحدة الاختيارية، فهذا ما لا شك فيه".
لقد عكست هذه الوثيقة بشكل صادق وأمين صرخة الفلسطينيين المشردين والمقتلعين من ديارهم، وبنفس الوقت مثلت صوت العقل الذي صرخ جاهدا في محاولة أخيرة لإنقاذ الشعب الفلسطيني وحفظ دمه والحد من اندفاعة المشروع الصهيوني، وتواطؤ الرجعية العربية مع هذا المشروع. وخاصة في قضية اللاجئين حيث سعت الدولة اليهودية الى فرض وقائع على الأرض تحول دون عودة اللاجئين، وتواطأت الرجعية العربية مع هذه الإجراءات في منع قيام الكيان العربي الفلسطيني في الجزء المقترح بموجب قرار التقسيم. وحقيقة عدم اقتراب الجيوش العربية من حدود الدولة اليهودية، وعسكرتها في بعض مناطق الدولة العربية، تشير في امتحان النتيجة وإجهاض قيام دولة عربية، الى حقيقة الدور الذي أنيط بهذه الجيوش لمنع قيام الدولة العربية، والإسهام المبكر للرجعية العربية بالمشروع الصهيوني.
ولم تخطئ وثيقة توفيق طوبي حين أشارت الى الدور الوظيفي الذي ستشغله الدولة اليهودية كرأس حربة الاستعمار في المنطقة. إذ جاء فيها: "إن نجاح هذه المشاريع الاستعمارية لا يسلب عرب فلسطين استقلالهم وحريتهم فقط، بل يتهدد أيضا وفي الوقت نفسه، استقلال سورية ولبنان، ويقود الى تقوية النفوذ الاستعماري في البلاد العربية الأخرى، ويرمي الدولة اليهودية في أحضان الاستعمار الأنجلو–أمريكي نهائيا، عندئذ تصبح الدولة اليهودية خطرا حقيقيا يهدد السلم والحرية في الشرق الأوسط".
هذا الكلام قيل في أيلول من العام 1948 ، واذا ما أضفنا الى ذلك ما جاء به لاحقا إميل توما بقوله: "الانجازات التي حققتها الصهيونية في فلسطين وفي المنطقة العربية، كانت ممكنة فقط في إطار المشاريع الامبريالية وفي خدمة أهدافها، وفي ظل تواطؤ النظام الرجعي العربي ومهادنة القيادة التقليدية العربية التي امتنعت عن مقاومة الامبريالية البريطانية ولجأت الى منافسة الصهيونية على كسب ودها" - فإننا نقف من جهة على حقيقة دور الصهيونية كرأس حربة للاستعمار في المنطقة، وبنفس الوقت نقف على حقيقة دور الرجعية العربية وتواطؤها مع المشروع الصهيوني في تصفية القضية الفلسطينية، ومحاولات تجميل هذه الرجعية من خلال "أبحاث" مشبوهة، لا تقل خيانة وعهرا، ولا يمكن قراءتها بمعزل عما يحاك من مؤامرات لتصفية القضية الفلسطينية تحت مسمى "صفقة القرن".

 

في الصورة: الوثائق تكشف الأكاذيب ومُطلقيها – عدد "الاتحاد" لسان حال "عصبة التحرر الوطني"، اذار 1947 وموقف أوضح من الشمس ضد الصهيونية وحلفائها ومشاريعها! هذ إلا إذا ظنّ بعض الهبنّقات امكانية حجب الشمس بوُريقات!

 

;