فانه حقّ وواجب أن نتذكّر، نذكّر ونذكُر بالخير كلّ من رحل مخلّفا أثرا مميّزا، أو علامة فارقة، سواء كان الأثر أو العلامة محسوسا مرئيّا، أو مضمونا مسموعا مقروءًا أو كان ذا قيمة ماديّة أو معنويّة، كما لو كان حمّال قيمة أخلاقيّة أو نهضويّة، أو ابداعيّة فنيّة الملمح أو شاعريّة وجدانيّة الأبعاد.
هذا نظريّاً. وهناك اجماع عليه. لكنّ هؤلاء، وبدون أيّ استثناء، يستحقّون من العارفين قيمة أعمالهم أن يتقدّموا عمليّا لحجز أمكنة لهم في الصّفوف الأولى من قُطُر التّاريخ المتناهَش عليه. ولكن دون تحقيق هذا مراس طويل في التحرّك وسط الزّحام. ثم ان غالبيّتنا يمارسون الصّدق عارفين أنّهم أصوات لا يصل صداها أبعد من اذان مطلقيها. لكن الصّدق كفيل بتدبير الأمر.
قلت: بل هناك وسيلة، وما أدراك أي وسيلة! انها المحفظة الالكترونيّة السحريّة للذاكرة (الانترنت). ولا يهمّني كونها بالوعة الورق ما دامت معتمدة أمراً واقعاً بديلا عنه (وهذا أبغض الحلال).
في هذه الحافظة رأيت اليوم 25 حزيران أن أذكّر وأشير الى أثر عظيم تركه مولود في مثل هذا التاريخ من عام 1924. وقد لبس لتوّه اسم نعيم (مخول).
في أواخر الأربعينات تلمّس صخرا أصمّ... قال: هذا الصخر لنا.. ونحن نليّنه! شرع يحفر فيه وقد توفّرت لديه الأزاميل اللّازمة: قناعة، ارادة، اصرار مع المثابرة، انحياز عنيد للحق وايمانا راسخا بسلطته. وقد خاض معارك مع العدالة بتكلفة باهظة جدّا تعدّت تكاليف المحاكمات الخرافيّة نسبة الى المدخول المالي، ولا داعم له الا شقيقه نديم وفّقه اللّه بعافيته. فالتكلفة مزدوجة: خسارة الوقت المرتدة مردودا ماديا زهيدا. هذا بالاضافة الى الخسائر الفادحة النّاجمة عن مدّ وجزر متواصلين وصلت ارتداداته الى الأسرة...! والعائلة!! وقد وقف على شيّار الهزيمة مع العدالة مرّات عديدة. وكان لنجاته أن تكشف عن بصمته فرادةً في الخطوط والمساحة... وقد ذيّلها بجملة: "لقد عوّضني الحقّ كما كنت أتوقّع منه!"
أمّا مكان الصّخرة فها هنا في مرج البقيعة. وأمّا العلامة فبيتٌ بين أقدام الضّباب، سرعان ما أقيمت في جواره بيوت يسكنها بشر. وتحوّل الوعر المهجور الى حواكير، بساتين وكروم، وقد كانت بالأمس القريب جدّا مستعمرة جحور وأوكار ممتدّة من ضفتَي الوادي الى سفوح التّلال المحيطة. وكانت نواة قرية في العام 1952 وهي آخر حبّات عنقود القرى الفلسطينية وأول وآخر قرية عربية ترتفع بعد قيام دولة اسرائيل. رأى البنّاء أن يسمّيها "انتصار" فقد انتصر الحقّ! وكان جدل... وخذل من أكثر من طرف وأكثر من مرّة... وكان ما كان من تقلّبات من الأسماء المعروضة والمتداولة...! ومنها اسم "المرج" على افتراض أنه سالك على الألسن. (مرج البقيعة).
ما كان هدفي من هذه الوقفة ارسال بطاقة معايدة له بعد خمس سنوات من رحيله، انما لأذكّر.. وأخبّر أن "البقيعة" ليس اسمها. فقد استغربت ولا أزال التستّر على كل الأسماء المتداولة عن عين قناة الميادين! وقد حضرت، توافقا مع رؤيتها الوطنيّة، لتغطية الاحتفال الترحيبي بالأسير المحرّر أمير مخول، حمدا للّه على خروجه حاضر العزيمة سالم العقل والنفس من مطحنة الأحلام المحقّة والمثمرة. وبجملة اعتراضية أعتذر عن غيابي بسبب موعد مسبق مع فحص دوريّ. وقد علمت غداة اليوم ايّاه أنّه غادر الى حيفا حيث يقيم.
وأقول بحضور اعلام بهذا الحجم وهذه القيمة تكون المناسبة الأمثل لرفع النقاب عن قرية أُقيمت تزامنا مع الهدم الساري على العديد من القرى العربيّة، مع الاشارة الى سحماتا ثوب التلّة الشمال غربية على بعد مرمى حجر من هنا. سحماتا الثوب الأخضر الذي مزقته سكاكين الجرافات ورمته في آبارها ومواقدها. "ليموت الحقّ اما حريقا أو غريقا أو "شحشطة" على الطريق".
احتراما للحقيقة ووفاء لها رأيت أن أنشر ثوب هذه الحكاية، أشمّسه تحت عين هذا الصيف، فلا تأتي عليه رطوبة وعفونة الخلايا المغلقة. وقد فضّلت يوم ميلاده على ميلاد القرية اذ أن لا مولود بدون والدة. رحم الله هذه "الوالدة" وصديقها المرحوم جورج حزّان الذي خاطبه بعد سنوات قائلا: "والله يا نعيم فكرناها حكاية وجود طلعِت ملحمة كرامة!".
بامكان كل من يدغدغه الفضول لمعرفة تفاصيل وطقوس هذه الملحمة العودة الى كتاب "خال على خد الجليل". وهو متوفر...
كل عام أنت وكلّ مستحقّ طيّب الذِّكر أحياء.
(معليا)


.png)

.jpg)


.png)




.jpeg)